100%
ذاكرة الأمم

صناع التأريخ المجهضون: قراءة في ثورة المختار الثقفي ومشروعه العلوي

 

د. وسن صاحب عيدان

جامعة الكوفة – كلية الآداب

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 208 – الصفحة (101)

 

كانت واقعة الطف سنة 61 للهجرة قد وحّدت صفوف الشيعة، وأثارت في نفوسهم الحماسة للأخذ بثأر الامام الحسين (عليه السلام)،كما أذكت مأساة كربلاء روح التشيع، بعد أن كان رأياً سياسياً لم يصل الى قلوب الشيعة، ولكن التشيع امتزج بعد مقتل الحسين (عليه السلام) بدمائهم وأصبح عقيدة راسخة في نفوسهم، وقد وجدت بعض الشخصيات ومنهم المختار بن أبي عبيد الثقفي الفرصة السانحة للقيام بالثورة، تحت شعار الأخذ بثأر الحسين، وقد بذل من الجهد ما لا يمكن إنكاره في سبيل الوصول الى ترسيخ تلك المفاهيم التي استند إليها، وفي الرابع عشر من ربيع الآخر- من سنة (66) للهجرة اندلعت ثورةُ المختار بن أبي عبيد الثقفي وكان شعارُها: (يا لثارات الحسين (عليه السلام))(1).

  وبعد نجاح الثورة وسيطرة المختار على زمام الأمور، أصدر أوامره الصارمة بملاحقة قتلة الإمام الحسين (عليه السلام)، ممن كانوا حتى وقت قريب يشغلون المناصب العليا ويتوارون بعد الجريمة، إذ انطلقت فرق الثوار في تتبع آثارهم، حتى تم اعتقال المئات بل الآلاف منهم، واقتيادهم إلى المختار. وهناك، واجههم بسؤال واحد: ماذا فعلتم بالحسين وأصحابه، فكانت اعترافاتهم توثيقاً دامياً لجريمة كربلاء، وبعد أن يفرغوا من اعترافاتهم، كانت الأوامر تصدر بلا تردد، لتنفيذ القصاص العادل بحقهم، انتقاماً لدماء العترة الطاهرة وأصحاب الإمام الحسين (عليه السلام)، الذين سُفكت دماؤهم ظلماً(2).

 

التركيبة القبلية والإجتماعية في دولة المختار الثقفي:

  تعد الكوفة من أبرز الحواضر الإسلامية في القرن الأول الهجري، لما امتازت به من تنوع اجتماعي وقبلي وفكري، جعلها مسرحاً للأحداث السياسية والعسكرية الكبرى، بعد معركة الطف، وقد برز هذا التنوع بوضوح في مدة حكم المختار بن أبي عبيد الثقفي، إذ مثّل المجتمع الكوفي آنذاك بنية مركبة، ضمت فئات وقوى اجتماعية مختلفة في الانتماءات والمصالح والاتجاهات، وقد استند المختار الثقفي في مشروعه السياسي إلى هذا الواقع الاجتماعي المتعدد، فاعتمد على فئات محدودة داخل المجتمع الكوفي، ولاسيما الموالين وأنصار أهل البيت (عليهم السلام)،في مقابل معارضة قبائل عربية نافذة وقوى سياسية أخرى، من هنا فإن دراسة مكونات المجتمع الكوفي في دولة المختار تعد مدخلا أساسا لفهم طبيعة حركته وآليات حكمه وأسباب نجاحه المؤقت، ثم تعثره لاحقاً  .

فبالإمكان ترتيب المعشر الكوفي لخلافة المختار الثقفي الى الفئات الآتية:

 

الاعيان الذين يميلون للأمويين: وهم سادة الكوفة ورؤساؤها الموالون للأمويين والمشاركون في مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) .

الاعيان الذين يميلون للزبيريين: وهم أتباع عبد الله بن الزبير الذي كان يريد القضاء على ثورة المختار والسيطرة على الكوفة.

الشيعة المناصرون لآل البيت(عليهم السلام): الذين شاركوا مع المختار في ثورته، ومنهم أبو الطفيل عامر بن ويلا الكناني وإبراهيم بن مالك الأشتر وعبد الرحمن بن عمرو وآخرون.

المَوالي: إذ كان الموالي من مكونات المجتمع الكوفي منذ تمصيره، وقد أفادت المصادر التأريخية بمعلومات مهمة عنهم، إذ كانوا من أنصار ثورة المختار لجملة من الدوافع منها أنهم شعروا بالقمع والتفريق الطبقي في التعامل، لذلك فقد واجهوا أنماطاً مختلفة من التعسف ولم يسلموا إلّا في خلافة الإمام علي (عليه السلام) للمسلمين، بعد أن نقلوا إليه تذمرهم من الطغيان الذي تعرضوا له.

العبيد: وهؤلاء نظروا الى المختار نظرة المنقذ المحرر لهم من العبودية، التي تجثم على صدروهم، وقد التحقوا بالمختار من دون أخذ موافقة أسيادهم.

القبائل العربية الكوفية: أما القبائل العربية التي كانت تسكن الكوفة، فكان لها مواقف متباينة من المختار وثورته، فمثلاً كانت قبيلة همدان منقسمة في ولائها بين المختار وأعدائه.

القرّاء: إذ كان من الذين وقفوا مع المختار في قيام دولته قرّاء المِصر.

النصارى: وهم قوم من قبائل شتى، اجتمعوا على النصرانية، ويعزى سبب هجرتهم من قبائلهم نحو الحيرة، لأنهم اختلفوا مع قومهم، أو بسبب وضعهم الاقتصادي، فنزلوا وبنوا مساكنهم فيها، وقد وقف هؤلاء النصارى الى جانب المختار في ثورته، فذكر أحد المؤرخين المحدثين أن من أسباب قوة المختار أنه انضمت اليه عناصر مسيحية من سكان العراق(3).

  ويمكن أنّ نستنتج أنّ المجتمع الكوفي بأغلب مكوناته شارك في ثورة المختار، وهذه المشاركة أثارت حفيظة بعض أشراف الكوفة من أتباع الأمويين، الذين فقدوا نفوذهم وامتيازاتهم نتيجة لسياسة المختار، التي أولت الطبقات المسحوقة في المجتمع دوراً لم يعتد الأشراف عليه، فضلاً عن قيام المختار بالقصاص من قتلة الإمام الحسين (عليه السلام)، ولعب هؤلاء دوراً في قتاله ومساعدة أعدائه بالقضاء على ثورته، فعقدوا العزم وحاربوا دولته ووظفوا نفوذهم في كسب ولاء الزبير وتحريضهم على قتاله، فنجحوا في القضاء على تلك الدولة بعد حين.

 

المشروع العلوي:

  في ظل دولة المختار برزت تحولات اجتماعية مهمة، تمثلت في إعادة ترتيب موازين القوى داخل المجتمع الكوفي، ولاسيما بعد أن منح المختار دوراً فاعلاً للموالي والفئات المهمشة، وسعى إلى الحد من هيمنة بعض الزعامات القبلية، التي كان لها تأثير كبير في القرار السياسي، وقد أسهم هذا التوجه في بروز حالة من التفاعل الإيجابي من جهة، وفي إثارة معارضة شديدة من بعض القوى التقليدية من جهة أخرى.

  بعد أن فارق المختارُ ابنَ الزبير في مكة, قصد الكوفة وأخذ يعمل مع الشيعة ضد الحكم الأموي وآل الزبير معاً، وأشار ابن أعثم بوصول المختار إلى الكوفة وما كان منه، فذكر ما نصه: "وسار المختار حتى انتهى الى نهر الحيرة وذلك يوم الجمعة فنزل واغتسل فيه ثم لبس ثيابه واعتمّ بعمامته وتقلّد سيفه ثم ركب وأقبل حتى دخل الكوفة نهارا، فجعل يمر على مجالس القوم ويقف عليهم ويسلم ويقول: أبشروا بالفرج، فقد جئناكم بما تحبون، وأنا المسلّط على الفاسقين والطالب بدماء أهل بيت نبي رب العالمين، ثم أقبل إلى المسجد الأعظم فنزل ثم دخل المسجد فصلى، واستشرف الناس ينظرون اليه ويقولون هذا المختار بن أبي عبيد، وما قدم إلّا لأمر ونحن نرجو به الفرج"(4)، ونزل بداره المعروفة بدار سلم بن المسيب بالكوفة(5)،فلما كان من الغد بعث إلى وجوه الشيعة بالكوفة، فقال لهم:" اعلموا أني قد جئتكم من عند ولي الأمر ومعدن الفضل ووصي الوصي والإمام المهدي محمد بن علي بن الحنفية، بعثني إليكم أميناً ووزيراً وعاملاً وأميراً، وقد أمرني بقتال المحلين والطلب بدم ابن بنت نبي رب العالمين، وهذا أمر لكم فيه الشفاء وكشف الغطاء وقتل الأعداء وتمام النعماء "(6).

  وقد حصل المختار بدعوته هذه على الغطاء الكامل المتمثل بالغطاء الشرعي، وذلك لأنه أسند مقالته لرجل من البيت العلوي، الأمر الذي جعل رجالات الشيعة وأنصارهم بالتوافد على المختار، ويبدو أن المختار بن أبي عبيد الثقفي قد تبنى برنامجاً سياسياً خاصاً ومتكاملاً، سعى عبره إلى تسلم زمام الأمور في مدينة الكوفة، مستنداً في ذلك إلى رؤية مختلفة في إدارة الصراع السياسي والاجتماعي آنذاك، فقد ركز على بناء قاعدة شعبية واسعة، تضم مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية الموجودة في  الكوفة، ولا سيما الموالي والشرائح المهمشة، معتمداً على استمالتها عبر خطاب ثوري، يرفع شعار الأخذ بثأر الإمام الحسين (عليه السلام) ونصرة أهل البيت(عليهم السلام).

  وفي المقابل لم يلق هذا التوجه ذلك القبول الكبير لدى حركة التوابين، إذ اتسم موقفهم بالتحفظ لنهج المختار السياسي، نظراً لاختلاف الرؤية بين الطرفين في آليات العمل وأساليب التغيير، فقد ركز التوابون على البعد الأخلاقي لحركتهم، وانصرفوا إلى التعبئة الدينية من دون الاهتمام بتنظيم الموارد المالية أو استثمار الامكانات الاقتصادية، كما لم يعملوا على استقطاب مختلف الطبقات الاجتماعية في الكوفة أو الالتفات إلى القوى الفاعلة فيها(7).

وبذلك يمكن القول: إن التباين بين مشروع المختار السياسي وموقف التوابين لم يكن تبايناً في الهدف العام المتمثل في نصرة أهل البيت (عليهم السلام)، بل شمل أيضاً اختلافاً في الوسائل والبرامج السياسية، الأمر الذي أسهم في                                                                                                                                               تفرد المختار بالمبادرة السياسية وقدرته على بسط نفوذه في الكوفة، في مقابل محدودية تأثير حركة التوابين في الواقع السياسي آنذاك(8)، ونلحظ أن المختار قد اتخذ سياسة حسنة، فقد عمل على تحسين أحوال طبقة الموالي، التي كانت مضطهدة في الحكم الأموي، وجعلهم يساوون العرب في الحقوق والواجبات، وعمل على تحسين أحوالهم السياسية والاجتماعية، ما استمالهم إليه، حتى بلغ عددهم نحو أربعين ألف رجل منضمين تحت لوائه يقاتلون معه(9).

  وأخيراً فإن المختار الثقفي اعتمد سياسة إجتماعية هدفت إلى إعادة توزيع النفوذ داخل المجتمع الكوفي، ولا سيما عن طريق تمكين الموالي والفئات الهشة، والحد من هيمنة بعض الزعامات القبلية، التي كانت تسيطر على القرار السياسي والاجتماعي في مراحل سابقة، وأسهمت هذه السياسة في إحداث تغيرات واضحة في البنية الاجتماعية، تمثلت في بروز أدوار اجتماعية جديدة، وتعزيز الشعور بالمشاركة لدى فئات كانت مستبعدة من التأثير.

  وفي المقابل إنّ هذه التحولات الإجتماعية لم تكن بمنأى عن التحديات، إذ واجهت دولة المختار معارضة شديدة من القوى التقليدية، التي تضررت مصالحها فضلاً عن استمرار الانقسامات الإجتماعية والسياسية داخل المجتمع الكوفي، وقد كان لهذا الواقع أثر مباشر في عدم استقرار الدولة المختارية، وانعكاس ذلك على مسارها السياسي، وانتهائها في مدة زمنية قصيرة .

   وعلى وفق ذلك فإن فَهْم هذه التحولات الإجتماعية في الكوفة في عهد المختار الثقفي يُعدّ عنصراً أساسياً لفهم طبيعة تجربته السياسية، إذ لا يمكن تفسير نجاحه المؤقت او إخفاقه اللاحق بمعزل عن البيئة الإجتماعية للمجتمع الكوفي وتفاعلاته الداخلية.

 

--------------------

  1. صفاء الخطيب، دولة المختارالثقفي:207.
  2. ابراهيم بيضون، ملامح التيارات السياسية في القرن الأول الهجري:217.
  3. أحمد أمين، فجر الإسلام:90-91 .
  4. عبد المنعم ماجد، التاريخ السياسي للدولة العربية:2/117.
  5. أبي محمد أحمد ابن أعثم الكوفي،الفتوح:208.
  6. المصدر نفسه:208.
  7. أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري، الأخبار الطوال:300.
  8. لبيد أبراهيم احمد وآخرون، الدولة العربية الإسلامية في العصر الأموي:48.
  9. جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي،المنتظم:6/52.