100%
بلسانٍ علويٍّ مُبين

أدب التخاطب مع الخالق في رحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)

 

م.م محمد هاشم جبار العوادي

مديرية تربية ذي قار

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 208 – الصفحة (50)

 

تمثّل مفردة "الحمد" في نهج البلاغة جسراً روحياً يتجاوز حدود المفردات اللسانية، ليكون جوهر "أدب التخاطب" الذي يرتقي بالذات نحو ملكوت المعرفة الإلهية عن طريق خطب الإمام علي(عليه السلام). نلتمس منهجاً فريداً يمزج بين جلال العظمة الإلهية وانكسار الافتقار البشري، غارساً في النفس أسمى قيم التواضع والشهود.

يسعى هذا المقال إلى الوقوف على مقاصد تلك الاقتباسات التربوية، وتحليل ركائزها المعرفية والسلوكية، مع تسليط الضوء على أثر هذا الأدب الرفيع في تعزيز الصحة النفسية المعاصرة.

 

الأسس المعرفية لأدب التخاطب مع الخالق:

يربي الإمام علي (عليه السلام) الإنسان على أنّ أول أدب مع الله تعالى هو الإقرار بأن عظمته لا يحيط بها وصف، فالبلاغة هنا تبدأ من حيث ينتهي البيان البشري ((الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعماءه العادون، ولا يؤدي حقه المجتهدون))(1) ومن أدب الخطاب ألا يُشبّه الخالق بخلقه.

يرسخ أمير المؤمنين (عليه السلام) قاعدة أن الله تعالى يُعرف بآثاره لا بكيفيته، وهذة قمة التوحيد التربوي (الحمد لله الدال على وجوده بخلقه، وبمحدث خلقه على أزليته، وباشتباههم على أن لا شبه له)(2).

يريد الإمام (عليه السلام) أن يرتقي العبد إلى المرتبة التي يستطيع من خلالها ليحمد الله لذاته وجماله، لا لمجرد طمع في رزق أو خوف من عقاب ((الحمد لله الذي لم تسبق له حال حالاً، فيكون أولاً قبل أن يكون آخراً، وظاهراً قبل أن يكون باطناً))(3).

إنّ التربية بالرهبة والرجاء تظهر في اختيار مفردات الثناء التي تجمع بين (العز والكبرياء) لكسر كبرياء النفس البشرية ((الحمد لله الذي لبس العز والكبرياء، واختارهما لنفسه دون خلقه، وجعلهما حمىً وحرماً على غيره))(4)، إذ يربط الإمام (عليه السلام) بين نعم الله الظاهرة والباطنة وبين وجوب استدامة الثناء، مما يخلق حالة من المراقبة الدائمة للمنعم ((أحمده استتماماً لنعمته، واستسلاماً لعزته، واستعصاماً من معصيته، وأستعين به فاقةً إلى كفايته))(5).

 

الأبعاد التربوية والسلوكية في لغة الحمد:

في أدب الخطاب العلوي، يُقدم الثناء كشفيع بين يدي المسألة، فالحمد هنا مفتاح لبوابات الإجابة ((الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره، وسبباً لتمجيده، وماداً لنعمه، ودليلاً على آلائه))(6) ويعلمنا أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ أدب التخاطب يختبر في الشدة، فالله محمود على عدله في البلاء كما هو محمود على فضله في الرخاء.

((نحمده على ما كان، ونستعينه من أمرنا على ما يكون))(7) (الذي غلقت دون نعت الصفات لُجج البحار، وزخرت دون وصفه غوامق الأفكار)(8) .

فعن طريق صور لجج البحار وعلو السماء، يزرع (عليه السلام) في المصلّي هيبةً تجعل اللسان يرتجف أدباً عند النطق بالاسم الأعظم.

إن التربية بالحمد تعصم الإنسان من المعصية؛ لأن من استشعر عظمة المحمود استحيى من مخالفته ((أحمده شكراً لإنعامه، وأستعينه على القيام بحقوقه، فإنه جم العدة، جزل المثوبة))(9)، إذ يخرج الإمام (عليه السلام) الإنسان من قوقعته ليحمده باسم كل مخلوق، مما يربي روح الجماعة والترابط الكوني لدى المؤمن، ((الحمد لله الكائن قبل أن يكون كرسي أو عرش، أو سماء أو أرض))(10).

 

 

أثر أدب التخاطب العلوي في الصحة النفسية المعاصرة:

إنّ المتأمل في مدرسة الحمد عند الإمام علي (عليه السلام) يجد أنها تمثل ترياقاً إيمانياً للعديد من الأزمات النفسية التي يعاني منها إنسان العصر الحديث، ويمكن إجمال هذا الأثر في النقاط الآتية:

1- علاج القلق الوجودي والشعور بالفقد: من خلال قوله (عليه السلام) نحمده على ما كان، ونستعينه من أمرنا على ما يكون، يزرع الإمام (عليه السلام) في النفس حالة من التصالح مع الماضي واليقين في تدبير المستقبل هذا النوع من الثناء، يحرر الإنسان من أسر الندم على ما فات والقلق المفرط مما سيأتي، مما يحقق استقراراً نفسياً عميقاً(11). 

2- الامتنان وسيلة للاستشفاء الذاتي: أثبتت الدراسات النفسية الحديثة أن ممارسة الامتنان ترفع من مستوى السعادة وتقلل من الاكتئاب، وفي نهج الإمام (عليه السلام) يتحول الحمد إلى مفتاح لذكر الله وسبب لتمجيده، وهو أعلى مراتب الامتنان الذي يخرج الإنسان من دائرة التركيز على المفقود إلى استشعار قيمة الموجود واستتمام النعمة. 

3- تحجيم التضخم الذاتي (النرجسية): يعاني العصر الحالي من مادية مفرطة تُعلي من شأن (الأنا)، بينما يؤصل الإمام (عليه السلام) لأدب يكسر كبرياء النفس عبر الاعتراف بأن العز والكبرياء حمىً لله وحده، هذا التواضع المعرفي والوجداني يحمي الفرد من الصراعات النفسية الناتجة عن تضخم الذات، ويجعله أكثر مرونة في تقبل أقدار الله وتقلبات الحياة.(12)

 

في الختام:

إنّ أدب المناجاة والتواصل مع الخالق في مدرسة الإمام علي (عليه السلام) لا يقف عند حدود البلاغة اللفظية أو الترف اللغوي، وإنمّا يهدف إلى صياغة بناء إنساني متكامل، فقد سخّر الإمام (عليه السلام)أدوات البيان من استعارة وطباق وبراعة استهلال، ليعمق في وجدان السامع حقيقة أنّ "الحمد" هو إقرار قلبي بجمال الحق وجلاله.

وقد خلص هذا المقال إلى أنّ الحمد في النهج العلوي يرتكز على تروية النفس بثلاث ركائز أساسية وهي: (التواضع – اليقين - الافتقار إلى الله) لذا فاستقامة الايمان هي ثمرة تلاحم هذه الركائز الثلاث.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. الشريف الرضي، نهج البلاغة، ، شرح الشيخ محمد عبده: 1/15.
  2. المصدر نفسه: 2/152.
  3. المصدر نفسه: 1/115.
  4. المصدر نفسه: 2/198.
  5. المصدر نفسه: 1/31.
  6. الكليني، أصول الكافي: 2/503.
  7. الشريف الرضي، نهج البلاغة: 2/89.
  8. المصدر نفسه: 1/163.
  9. المصدر نفسه: 2/110.
  10. المصدر نفسه: 2/51.
  11. عباس علي العزري، مفاهيم نفسية في نهج البلاغة: 88.
  12. مقداد يلجن، علم النفس التربوي في الفكر الإسلامي:4/ 210.