بعد استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، دخلت الأمة الإسلامية مرحلةً دقيقةً من تاريخها، إذ كانت قد قطعت أكثر من نصف قرن منذ إشراقة البعثة المحمدية المباركة، وهي مدةٌ كافية لأن تتبدل الأجيال، وتتغير النفوس، وتضعف آثار التربية النبوية المباشرة في قطاعٍ واسعٍ من المجتمع. ولم يكن المجتمع الإسلامي يومئذٍ هو المجتمع الذي شيّده رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عين الوحي، بل كان قد طرأت عليه تحولاتٌ سياسية واجتماعية وفكرية عميقة، أفرزتها الفتوحات المتلاحقة، وتباينت معها مستويات الوعي والالتزام، حتى غدت الأمة تعيش حالةً من الاضطراب في تشخيص الحق، والوهن في الثبات عليه.
وحين آل أمر الإمامة الظاهرية إلى سبط رسول الله وسيّد شباب أهل الجنة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، وجد نفسه بإزاء واقعٍ بالغ التعقيد، لم يكن يشبه شيئًا مما واجهه أمير المؤمنين (عليه السلام) في بدايات خلافته.
فقد ورث مجتمعًا أنهكته الفتن، وأتعبته الحروب، واستنفدت قواه وقائع الجمل وصفين والنهروان، حتى استولى على كثيرٍ من النفوس السأم من استمرار المواجهة، وصار طلب العافية مقدّمًا عند فئاتٍ واسعة على مقتضيات التكليف الشرعي وصيانة المبادئ.
وكان من أعظم ما ابتُلي به الإمام (عليه السلام) تزلزل البنية الداخلية لمعسكره؛ فإن جيشه لم يكن مؤلفًا من طبقةٍ واحدةٍ في الإيمان واليقين، وإنما اجتمع فيه المؤمن الصادق، وصاحب العصبية، وطالب الدنيا، والمتربص، والمندس الذي كان يعمل سرًّا لحساب معاوية. ولذلك لم يكن الخلل ناشئًا من قوة الخصم فحسب، بل من ضعف الجبهة الداخلية، حتى غدت القيادة الشرعية تواجه معركةً مع النفوس قبل أن تواجه معركةً مع السيوف.
ثم إن معاوية لم يعتمد في صراعه على القوة العسكرية وحدها، بل أدرك أن الطريق الأقرب إلى إسقاط دولة الحق إنما يمر عبر إفساد الضمائر وشراء الذمم، فبذل الأموال لرؤساء القبائل، ووعدهم بالمناصب، وأشاع الكتب المختلقة، وبث الإرجاف بين الناس، حتى تسرّب الشك إلى القلوب، وانفرط عقد كثيرٍ ممن كانوا يُظهرون النصرة، فإذا ساعة الامتحان كشفت حقيقة مواقفهم، فانقلب بعضهم على إمامه، وتخاذل آخرون، وفرّ فريقٌ ثالث إلى معسكر الشام.
وإلى جانب ذلك، كانت العصبية القبلية التي جاهد الإسلام طويلًا في تهذيبها قد أخذت تستعيد حضورها، وأصبح الانتماء القبلي والمصلحة الشخصية عند جماعةٍ من الناس أقوى من الانتماء إلى خط الرسالة والإمامة، الأمر الذي جعل المجتمع الكوفي يفتقد تلك الروح الرسالية التي كانت تمثل سرّ صموده في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) وفي أوائل عهد أمير المؤمنين (عليه السلام).
ومن هنا لم يكن الإمام الحسن (عليه السلام) يواجه جيش معاوية وحده، وإنما كان يواجه مشروعًا متكاملًا لتغيير هوية الأمة، وتحويل الخلافة من امتدادٍ للنبوة إلى سلطانٍ يقوم على الغلبة والملك، ويستند إلى الإعلام الموجَّه، والمال السياسي، واستغلال الأهواء. وقد أدرك الإمام (عليه السلام) ببصيرته الإمامية أن الإصرار على الحرب في ظل هذا الواقع لن يفضي إلى حفظ الدين، بل إلى استئصال الصفوة المؤمنة، والقضاء على البقية الباقية من حملة الرسالة.
وعليه، فإن الصلح الذي انتهى إليه الإمام (عليه السلام) لم يكن ثمرة ضعفٍ أو وهن، ولا تعبيرًا عن تراجعٍ عن الحق، وإنما كان موقفًا شرعيًا أملاه ميزان المصلحة العليا للإسلام، بعد أن سقطت القدرة الفعلية على تحقيق النصر العسكري، وبقي الواجب متجهًا إلى حفظ أصل الدين، وصيانة خط الإمامة من الاستئصال. ولذلك كان صبر الإمام الحسن (عليه السلام) لونًا من ألوان الثورة، بل هو أعمق أثرًا وأبعد نظرًا؛ لأنه واجه الانحراف بالحكمة حين لم تعد المواجهة المسلحة تحقق غايتها، وأقام الحجة على الأمة، ومهّد بوعيه وصبره للنهضة الحسينية المباركة، التي كشفت القناع عن حقيقة المشروع الأموي، وأثبتت أن موقف الحسن وموقف الحسين (عليهما السلام) إنما هما وجهان لحقيقةٍ واحدة، هي حفظ الإسلام المحمدي الأصيل مهما اختلفت الوسائل وتباينت مقتضيات الزمان.