100%
بلسانٍ علويٍّ مُبين

المنظومة الزوجيّة في منظور أمير المؤمنين علي(عليه السلام) - معالجةُ المشكلاتِ أسلوباً ومعطياتٍ

الباحث الشيخ مرتضى علي الحلّي

النجف الأشرف

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 202 – الصفحة (41)

 

من المعلوم أنَّ منظومة الأسرة تتمثّل بعنوان الزوجيّة شرعاً وقانوناً وعرفاً، ويخضع هذا العنوان القيمي في تطبيقاته العمليّة لنظام الواجبات الفقهيّة والحقوق المتبادلة بين الزوجين.

ومن البديهي أن تحدث المشكلة طرّاً، بسبب التفريط بواجبٍ أو حقٍّ ما، أو الإهمال العاطفي، أو العجز في الإنفاق الواجب، أو الجهل بأسلوب التعايش، وغير ذلك في إطار النظام المذكور.

وإنّ أي خللٍ إجرائي أوّلي يبدر من الزوج أو الزوجة، يُحدث المشكلة وتتفاقم إن لم تعالج في أوانها، ونجمل هذه المشكلات المتعارفة بما ذكرته بعض النصوص والروايات الواردة عن أمير المؤمنين علي(عليه السلام)، التي من الضروري معرفتها لتلافيها وفَهم معالجتها أسلوباً وخياراً.

 

مشكلة عدم فَهم طبيعة المرأة وأسلوب معاشرتها:

إنّ من أجلى أسباب تفاقم المشكلات الزوجيّة هو أنّ بعض الأزواج لا تتوافر عنده معرفة مُعتَد بها بطبيعة المرأة التكوينية ووظيفتها الحياتيّة في نطاق الزوجيّة، وهذا ما يؤثّر عليه سلباً في طريقة التعاطي معها في منظومة الحقوق والواجبات المتبادلة، فضلاً عن عدم الاهتمام بأسلوب المعاشرة الحسنة بينهما، ويعود ذلك إلى تراكم المسبقات البيئية والنفسية والتربوية في بُنية الزوجين الشخصية بمختلف مستوياتها وتمثّلاتها، التي تتمثّل في المواقف والقرارات والأفعال.

ومن هنا نجد أنّ أمير المؤمنين علياً(عليه السلام)قد أشار وبوضوح إلى ضرورة فَهم البُعد الوجودي والنفسي والوظيفي، بل حتى السلوكي عند المرأة، فقال(عليه السلام):

((ولَا تُمَلِّكِ الْمَرْأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا - فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ ولَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ - ولَا تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا ولَا تُطْمِعْهَا فِي أَنْ تَشْفَعَ لِغَيْرِهَا - وإِيَّاكَ والتَّغَايُرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ غَيْرَةٍ - فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْعُو الصَّحِيحَةَ إلى السَّقَمِ - والْبَرِيئَةَ إلى الرِّيَب))(1).

وتوجد أيضاً ثمة زيادة في هذا المقطع في ما روي عنه(عليه السلام)، وهو من جملة ما رواه الصدوق بإسناده إلى وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) لولده محمد بن الحنفية، نحو قوله: ((وليست بقهرمانة، وزاد: فدارها على كلٍّ حالٍ وأحسن الصحبةَ لها ليصفو عيشك))(2).

يتركّز لزوم الفَهم الأوّلي هنا على أنّ المرأة لا تتجاوز حدّ الاهتمام بنفسها كأنثى خلقها الله تعالى ليسكن إليها الزوج بمودّةٍ ورحمةٍ، فهي غير مسؤولةٍ عن ما خرجَ عن طاقتها بحكم طبيعتها الخَلقيّة من تدبير شؤون المنزل وتحمّل مسؤوليّته كتكليفٍ لها، وقد بيّن الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) سبب ذلك في قوله: ((فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ ولَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ))، بمعنى أنّها محِلٌّ للسكن الطيب والراحة والأنس والسرور بوصفها زوجةً، ولم تُخلَق لتكون مُتسلّطَةً، وهذا ما يستدعي الإرفاق بها واللطف معها في المعاشرة، ومداراتها على كلّ حالٍ، وذلك بحسن صحبتها حتى يتجّنبَ الزوجُ تعكيرَ أجواء بيته.

فالمسؤول شرعاً عن تدبير أمور البيت الزوجي هو الزوج من توفير المأوى والملبس والمطعم لزوجته بما يناسب حاليهما معاً، والتقصير في هذا التكليف يُحدث المشكلة في حال عدم الصبر على ذلك أو تحمّله من قبل الزوجة.

 

مشكلة التخوين وسوء ظنّ بعض الأزواج بزوجاتهم:

ويحصل كثيراً مثل ذلك بين الزوجين، فبعض الأزواج يعيش حالة الوسوسة والشكّ في زوجته، لدوافع نفسيّة أو بيئيّة أو حتى ثقافية كما في وقتنا المعاصر، إذ أخذت المرأة تتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي والأجهزة الرقميّة كالنقّال وما شابه من ممارستها وظيفتها التخصصيّة في مختلف مجالات الحياة العمليّة، فكلّ ذلك يوجد حالةً مفرطةً كسوء الظنّ بالزوجة، وهي حالة تحتاج إلى ضبط واتزان ومراعاة، ولاسيما مع الزوجة الموثوق بها والمتربية والصالحة.

وقد حذّر أمير المؤمنين علي(عليه السلام) الزوجَ من كثرة الشكّ بالزوجة أو سوء الظّن بها أو التغاير عليها في غير موضع الغيرة، لأنّ ذلك يدفعها إلى الانحراف بفعل ما تواجهه من اتهامٍ وطعنٍ وهي بريئةٌ منه ((وإِيَّاكَ والتَّغَايُرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ غَيْرَةٍ - فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْعُو الصَّحِيحَةَ إلى السَّقَمِ - والْبَرِيئَةَ إلى الرِّيَب)).

فالحل الأمثل والآمن يكمن في تجنّب الإفراط بالشكّ والتشكيك والطعن والتخوين من دون وجه حقٍّ أو مثبتاتٍ واقعيّة؛ لأنّ الإفراط في الوسوسة وسوء الظن يهدم أساس الثقة المتبادلة، والتي هي المرتكز القوي في بُنية التعايش الزوجي، وللشيخ محمّد جواد مغنية(رحمه الله) تعليقٌ قيّم على هذه الفقرة، حيث قال مخاطباً الزوجَ: ((لكَ أن تغارَ على المرأة بصيانتها من التبرّج ومخالطة المشبوهين، أما الغيرة برجم الظنون فإنّها تشجع المرأة السقيمة على الخيانة، وتغري البريئة بها، وتقول في نفسها: كنتُ أحرص على ثقته بأمانتي وعفافي، أما وقد أصبحتُ عنده في مكان الريب فلم يبقَ ما أحرص عليه))(3).

 

سوء خُلق الزوج أو الزوجة:

إذا كان الزوج مثلاً حادَّ المزاجِ مِن قبل أن يتزوج، وفجأة يواجه مشكلة ما في حياته الزوجية، فسيتمثّل ذلك المزاجُ في التعاطي مع زوجته، وقد يُعقّد المشكلةَ ويراكمها بسبب حدّته أو سوء خُلقه، لذا نهى أمير المؤمنين(عليه السلام) في بعض وصاياه الزوجَ عن أن تكون زوجته ضحيّةً لحدّته أو سوء خُلقه أو ظلمه أو تعسّفه، وقال: ((لَا يَكُنْ أَهْلُكَ أَشْقَى الْخَلْقِ بِكَ))(4)، والأهل هنا بالمعنى الأخصّ هي الزوجة، بمعنى لا تكن سبباً في شقاء زوجتك بسوء معاملتك إيّاها، بفعل حدّتك وغلظتك وسوء خُلقك.

فالمطلوب هو الإنصاف والعدل في التعامل الأخلاقي مع الزوجة كأسلوب أنجع لتجنّب الظلم، كما روي عنه (عليه السلام) ((وأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ - ومِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ - ومَنْ لَكَ فِيه هَوًى مِنْ رَعِيَّتِكَ - فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ - ومَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّه كَانَ اللَّه خَصْمَه دُونَ عِبَادِه - ومَنْ خَاصَمَه اللَّه أَدْحَضَ حُجَّتَه))(5).

في حين كان الأجدر بالزوج أن يغيّر من طبعه وحدّته بعد زواجه؛ لأنّ الحدّة والغضب من المنفّرات السلوكية والصفات الذميمة، والتي لا يمكن أن تبعث على حُسن المعاشرة أو تقبّل الزوجة لها أو الاستمرار معه.

وينبغي لزوم مداراة حال الزوجة، وإن بدرَ منها أذى لزوجها أو قصّرت في حقّه في بعض الموارد، ما دام للعفو والصفح مساحة متاحة على كل حالٍ، وبمعيّة حُسن الصحبة لها، وذلك تجنّباً للعقبات وتنقيةً لأجواء التعايش الزوجي من التجاذبات والخصومات المتكرّرة، التي تكدّر العيشَ وتحول من دون استمرار الرابطة الزوجية، وهذا هو مغزى ((فدارها على كلٍّ حالٍ وأحسن الصحبةَ لها ليصفو عيشك)).

وكذلك الزوجة هي مَعنيّة بالالتفات إلى ضرورة تحسين أخلاقها وتغيير مسبقاتها الذهنية والنفسية والسلوكية في جانبها السلبي، إن أرادت حُسن المعاشرة ونجاحها في التعايش مع زوجها، فإنَ معاشرة الزوج تحتاج إلى رؤية أخلاقيّة عمليّة متكاملة حاضرة في الذهن والفعل والأسلوب، فضلاً عن معرفة متطلّبات الزوج شرعاً من الواجبات والحقوق والالتزام بهما.

حتى أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) شبّه عمليةَ حُسنِ معاشرة الزوجة لزوجها بالجهاد، وقال: ((وجِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ))(6).

المشكلة الرابعة: الجهل والتقصير بمعرفة منظومة الواجبات والحقوق الزوجية من قبل الزوجين.

قطعاً أنّ لكلّ من الزوجين حقوقاً وواجباتٍ، وأنّ أي إخلال بذلك يُحدث المشكلةَ، وهنا نبيّن لماذا يحدث الإخلال العملي عادةً ؟

الجواب: يكمن في عدم معرفة وإدراك بعض الأزواج لأهميّة ما عليهما وما لهما في منتظم الحقوق والواجبات الزوجية الواجبة، فضلاً عن ضرورة الالتزام بهما.

وكشاهدٍ على ذلك في بعض الأحيان تجهل أو تتجاهل أو تتعمّد الزوجة عدم طاعة زوجها في ما يجب عليها شرعاً كحرمة الخروج من البيت من دون إذنه أو عدم طاعته في حقّه، وكذلك ترك الزوج الإنفاق الواجب على زوجته من الغذاء واللباس والمَسكن وما تحتاج إليه من الضروريات.

 وإنّما نذكر ذلك بوصفه سبباً أوّلياً لحدوث المشكلة بين الزوجين، والتي ما كانت لتحصل لو عرفَ وفَهمَ كلٌّ منهما واجبه وحقّه شرعاً تجاه الآخر، وبادرَ إلى الالتزام به فعلاً وسلوكاً.

إذاً ثمة سببٌ مثل ذلك يدفع الزوجين للخلاف والابتعاد، ويمكن لهما تجاوزه لو فهماه ووعياه من قبل الاقتران من أوّل الأمر، وهذا إذا ما حصل وباستمرارٍ لمدةٍ طويلةٍ فقطعاً سيدفعهما لفكّ العلاقة أو تعقيدها.

 في وقتٍ ينبغي أن يضمن الزوجُ له كسباً حلالاً أو يعمل من أجل توفير النفقة الواجبة الملائمة لحياته الزوجية.

لأنّ الإخلال بهذا الواجب مِن قِبل الزوج يدفع زوجته للتذرّع بعدم قدرته على تدبير حاليهما، ويوجد هوّةً عميقةً في مسألةٍ حساسةٍ تتعلق بقوامة الرجل ودرجته في أسرته وعند زوجته.

فيبقى هذا السبب في ذهن الزوجة مُربكاً لتفكيرها وسلوكها إن كانت لا تتحمل ذلك أو ليس لها القدرة على الصبر على فقر زوجها أو عجزه، مما يدفعها لتجذير المشكلة ومحاولتها الخروج منها بترك الزوج أو التشكّي منه أو طلب الطلاق.

وهذه الحالة سيّالة ومتكاثرة في أغلب مشكلات الزوجية منذ وهلتها الأولى، بحكم اعتماد الزوج على أهله في تدبير النفقات أو استقلاله عنهم من دون قدرته على تأمين حاجات البيت الضرورية.

وفي ضوء مجمل ما تقدّم ينبغي على الزوجين تقبّل أحدهما الآخرَ بقناعةٍ ورضا من أوّل الأمر والشروع بذلك في مسيرة الحياة تحت مظلّة حفظ الحقوق والواجبات في ما بينهما وحسن المعاشرة والتعاون على البرّ والتقوى، وكذلك ينبغي على الزوجة الصبر على فقر زوجها حتى يغنيه الله تعالى من فضله وحفظ حقوقه وحرمته، ولهما في أمير المؤمنين علي وفاطمة(عليهما السلام) أٌسوةٌ حسنةٌ.

ففي الخبر عن أبي سعيد الخدري قال: ((أصبح علي بن أبي طالب (عليه السلام)ذات يوم ساغباً، فقال يا فاطمة هل عندك شيء تغذّينيه؟ قالت: لا والذي أكرم أبي بالنبوة وأكرمك بالوصية ما أصبح الغداة عند شيء، وما كان شيء أَطعمناه مذ يومين إلّا شيء كنت أؤثرك به على نفسي وعلى ابنيَّ هذين الحسن والحسين، فقال علي (عليه السلام): يا فاطمة: ألا كنتِ أعلمتيني فأبغيكم شيئاً، فقالت: يا أبا الحسن إني لأستحيي من إلهي أن أكلّف نفسك ما لا تقدر عليه))(7).

-----------------------

1.صبحي الصالح، نهج البلاغة: 405.

2.الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه: 3/ 556.

3.محمّد جواد مغنية، في ظلال نهج البلاغة: 3/ 531.

4.صبحي الصالح، نهج البلاغة: 403.

5.المصدر نفسه: 428.

6.المصدر نفسه: 494.

7.بحار الأنوار: المجلسي: 43/59.