من المعلوم معرفيّاً وعلميّاً أنَّ الحديث النبوي الشريف، أو ما ورد مِن السُنّةِ النبوية بالمعنى الأعم قولاً وفعلاً ً وتقريراً، يُمثّل الركنَ الثاني المتين في منظومة التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، ويأتي في المرتبة الثانية من حيث الحُجيّة الشرعيّة، وبيان الأحكام والسُنن والشرائط والموانع وغيرها مِن شؤون التكليف والمُكلَّف معاً.
وإنَّ حفظ الحديث النبوي الشريف بشكلٍ صحيحٍ، صدوراً ومتناً، مسؤوليّةٌ دينيّةٌ وقعت على عاتق الأئمة المعصومين (عليهم السلام) بوجهٍ عامٍّ، وعلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بوجهٍ خاصٍ، إذ كان هو أوّل الأئمة المعصومين تنصيباً من الله تعالى، وجعلاً وتعييناً بعد رسول الله الأكرم محمّدٍ (صلى الله عليه وآله)، فضلاً عن منزلته وملازمته الدقيقة والمسؤولة للنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) منذ طفولته وحتى وفاته، ممّا يجعله مؤهلاً فريداً لحفظِ السنّة النبوية الصحيحة.
ويتبادر التساؤلُ الأساسي هنا – أنّه كيف أسهم الإمامُ عليٌّ (عليه السلام) في حماية السُنّة المتمثّلة بالحديث النبوي؟ وما غاياته من ذلك؟
ويمكن الإجابة عن هذا التساؤل عبر المبحثين الآتيين:
المبحث الأول: اليات الإمام علي (عليه السلام) ووسائله في حفظ الحديث وتدوينه
بحسب التاريخ والسيرة، تتجلّى الملازمة الشخصيّة الراشدة والوعي المُبكّر عند أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لرسول الله الأكرم (صلى الله عليه وآله)، كآليّةٍ واقعيّةٍ ووسيلةٍ عمليّةٍ اختزنت ما حفظه وتلّقاه (عليه السلام) مِن لدن الرسول الأكرم مباشرةً، عبر مراحل التبليغ الزمني والحدثي للرسالة النبوية، وساعدته في تدوين ما حفظه من الأحاديث النبويّة في وقتٍ مُبكّر، نتيجة القرب الشديد مِن شخص النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله).
وتوجد دلائل معتبرة وصحيحة في هذا الاتّجاه، تؤكّد الكتابةَ والتدوينَ المباشر للأحاديث، ممّا كان يمليه رسول الله الأكرم (صلى الله عليه وآله) ويكتبه الإمام علي (عليه السلام) بخطه الشريف، بوصفه دليلاً عملياً على التدوين المُبكر للحديث في عصرٍ كان يعتمد أساساً على الحفظ الشفهي آنذاك.
أنموذج الكتابة والتدوين المباشر - الدلائل والروايات:
أوّلاً: ما ورد ((في أيام الإمام الباقر (عليه السلام) لما احتج عليه الحَكم بن عتيبة - من أهل الرأي - في مسألةٍ، فقال لابنه الصادق (عليه السلام): يا بني قُمْ، فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً، وجعلَ ينظرُ حتى أخرجَ المسألةَ فقال: هذا خطٌّ عليٍّ وإملاءُ رسول الله، وأقبل على الحَكم وقال: يا أبا محمد! اذهب أنتَ وسلمة وأبو المقدام حيث شئتم يميناً وشمالاً، فو الله لا تجدون العلمَ أوثق منه عند قومٍ كان ينزل عليهم جبرئيل!))(1).
ثانياً: ما رواه الكليني عن ((عليّ بْن إبْراهيم عنْ أبيه عن ابْن أبي عميْر ومحمّد بْن عيسى بْن عبيْد عنْ يونس بْن عبْد الرّحْمن جميعاً عنْ صفْوان أوْ قال عنْ عمر بْن أذيْنة عنْ محمّد بْن مسْلم قال أقْرأني أبو جعْفر – الإمام الباقر(عليه السلام) صحيفة كتاب الْفرائض الّتي هي إمْلاء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) وخطّ عليّ (عليه السلام) بيده فوجدْت فيها رجلٌ ترك ابْنته وأمّه للابْنة النّصْف ثلاثة أسْهم وللأمّ السّدس سهْمٌ يقْسم الْمال على أرْبعة أسْهم فما أصاب ثلاثة أسْهم فللابْنة وما أصاب سهْماً فهو للأمّ قال وقرأْت فيها رجلٌ ترك ابْنته وأباه فللابْنة النّصْف ثلاثة أسْهم وللأب السّدس سهْمٌ يقْسم الْمال على أرْبعة أسْهم فما أصاب ثلاثة أسْهم فللابْنة وما أصاب سهْما فللأمّ قال محمّدٌ ووجدْت فيها رجلٌ ترك أبويْه وابْنته فللابْنة النّصْف ثلاثة أسْهم وللأبويْن لكلّ واحد منْهما السّدس [لكلّ واحد منْهما سهْمٌ] يقْسم الْمال على خمْسة أسْهم، فما أصاب ثلاثة فللابْنة وما أصاب سهْميْن فللأبويْن))(2).
ثالثاً: ما ذكرَه الشيخ الطوسي في كتابه (تهذيب الأحكام) مِن نسبةِ صحيفة كتاب الفرائض إلى الإمام علي (عليه السلام) بما نصّه ((عن عمر بن أذينة عن محمّد بن مسلم قال: أقرأني أبو جعفر (عليه السلام) صحيفةَ كتابِ الفرائض التي هي إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخط علي (عليه السلام) بيده، فإذا فيها أنّ السهام لا تعول))(3).
رابعاً: حقّق هذا الأمر - أي نسبة الكتابة والتدوين المباشر إلى الإمام علي (عليه السلام) وبخطّ يده الشريفة - السيّد مرتضى العسكري (رحمه الله) في كتابه (معالم المدرستين) وقال ما نصّه: ((في الكافي والتهذيب عن محمّد بن مسلم قال: نظرتُ إلى صحيفة ينظر فيها أبو جعفر - الإمام الباقر(عليه السلام) فقرأتُ فيها مكتوباً: ابن أخ وجد، المال بينهما سواء، فقلتُ لأبي جعفر (عليه السلام): إنّ مَن عندنا لا يقضون بهذا القضاء، ولا يجعلون لابن الأخ مع الجدّ شيئاً! فقال أبو جعفر (عليه السلام): أمَا إنّه إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخط عليٍّ مِن فِيه بيده))(4).
أنموذج دعوة الإمام علي (صلى الله عليه وآله) الصريحة والعامّة لتقييدِ العلمِ بالكتابة:
مِن المقطوع به أنّه كان الإمام علي (عليه السلام) يحثُّ المسلمينَ علناً على تدوين الحديث النبوي؛ حتى لا يضيع العلم بمرور الزمن وتغيّر الأجيال.
وثمة شاهدٌ روائي على حثّه على الكتابة، وهو ما ورد عنه مِن أنّه قال على المنبر: ((مَن يشتري علماً بدرهم؟ فاشترى الحارث الأعور صحفاً بدرهم، ثم جاء بها عليّاً فكتبَ له علماً كثيراً))(5).
وفي روايةٍ أخرى سُمِعَ عنه أنّه قال: ((قيّدوا العلمَ بالكتابة))(6)، وكان يقصد شراءَ الورق أو الرقّ، ليكتب الناسُ عليه أحاديثَ رسول الله وسنته الشريفة.
أنموذج ملازمة الإمام علي (عليه السلام) للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وسؤاله الدائم إيّاه:
ما رواه الشيخ الثقة الصدوق في كتابه (الأمالي) مسنداً من أنّه ((قال علي (عليه السلام): كنتُ إذا سألتُ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) أعطاني، وإذا سكتَ ابتدأني)).
وما رواه الشيخ الكليني في الكافي برواية طويلة مفصّلة نذكر محلّ الشاهدِ والحاجة منها: ((وكنْت إذا سألْته أجابني، وإذا سكتّ عنْه وفنيتْ مسائلي ابْتدأني، فما نزلتْ على رسول الله آيةٌ من الْقرْآن إلّا أقْرأنيها وأمْلاها عليّ، فكتبْتها بخطّي، وعلّمني تأْويلها وتفْسيرها وناسخها ومنْسوخها ومحْكمها ومتشابهها وخاصّها وعامّها، ودعا الله أنْ يعْطيني فهْمها وحفْظها، فما نسيت آية منْ كتاب الله ولا علْما أمْلاه عليّ وكتبْته منْذ دعا الله لي بما دعا، وما ترك شيْئاً علّمه الله منْ حلال ولا حرام ولا أمْر ولا نهْي كان أوْ يكون ولا كتاب منْزل على أحد قبْله منْ طاعة أوْ معْصية إلّا علّمنيه وحفظْته، فلمْ أنْسَ حرْفاً واحداً، ثمّ وضع يده على صدْري ودعا الله لي أنْ يمْلأ قلْبي علْماً وفهْماً وحكْماً ونوراً، فقلْت: يا نبيّ اللّه بأبي أنْت وأمّي منْذ دعوْت اللّه لي بما دعوْت لمْ أنْس شيْئا، ولمْ يفتْني شيْءٌ لمْ أكْتبْه أفتتخوّف عليّ النّسْيان فيما بعْد فقال: لا لسْت أتخوّف عليْك النّسْيان والْجهْل))(8).
المبحث الثاني: غايات الإمام علي (عليه السلام) وأهدافه مِن حفظ الحديث النبوي الشريف
أوّلاً: حفظ المنظومة التشريعية النبويّة للأمة، وصيانة المصدر الثاني للتشريع مِن الضياع أو النسيان، لتظل الأحكامُ واضحةً للأجيال القادمة، وللعمل بها تكليفاً وامتثالاً للسُنّة الشريفة.
وقد صرّح بذلك الهدف الاستشرافي القويم العلّامة المحقق الشيخ محمد بن الحسن بن الشهيد الثاني +المتوفى سنة 1030 هفي كتابه (استقصاء الاعتبار في شرح الأخبار)، وقال ما نصّه: ((فقد حرص أئمّةُ أهل البيت بدءاً من الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وانتهاءً بالإمام الحُجّة بن الحسن (عليه السلام) على نقل أحاديث النبيّ (صلى الله عليه وآله) وسنّته على وجهها التامّ من دون أيّ تغيير، بل جهدوا في بيان وتصحيح التحريفات والانحرافات والتصحيفات وسوء الفهم، الَّذي وقع عند عامة المسلمين، ففهموا الأحاديثَ على غير وجهها الصحيح.
هذا من جهةٍ، ومِن جهةٍ أخرى فإنّ أئمة آل محمّد (عليهم السلام) وضعوا قواعدَ وقوانين إسلامية ثابتة لمعرفة الحديث، صحيحه مِن سقيمه، والمُعوّل عليه مِن المُطرّح، وما صدر فعلًا عن النبيّ (صلى الله عليه وآله)وما تُقوِّل فيه عليه، وقد تمخّض ذلك المسير العلميّ الطويل عن بروز أربعمائة أصل من الأصول المعوّل عليها إجمالًا في الأحاديث النبوية التي نقلها أهل البيت للمسلمين، ومن ثمّ تناقلتها عنهم الأجيال، وبعد ذلك، تلخّصت زُبدة تلك الأصول الأربعمائة في الكتب الحديثية الأربعة، التي عُني بجمع شتاتها وتبويبها المحمّدون الثلاثة في كتاب الكافي ومَن لا يحضره الفقيه والتهذيب والاستبصار))(9).
ثانياً: نشر الحديث وتعليمه وحثّه الصحابة والتابعين على كتابة الحديث ومراجعته وتدارسه، ومنع تدليس الكلمات أو تحريفها، وكشاهدِ على ذلك هو ما قال سُليم - سُلَيم بن قيس الهلالي: ((قلتُ لعليٍّ (عليه السلام): يا أمير المؤمنين، إنّي سمعتُ مِن سلمان والمقداد وأبي ذر شيئاً مِن تفسير القرآن ومِن الرواية عن النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم سمعتُ منك تصديقَ ما سمعتُ منهم، ورأيتُ في أيدي الناس أشياءَ كثيرةً مِن تفسير القرآن ومِن الأحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) تخالف الذي سمعته منكم، وأنتم تزعمون أنّ ذلك باطل، أفترى الناسَ يكذبون على رسول الله (صلى الله عليه وآله)متعمدين، ويفسّرون القرآن برأيهم؟ قال: فأقبلَ عليَّ فقال لي: ((يا سُلَيم، قد سألتَ فافهم الجواب، إنّ في أيدي الناس حقّاً وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وخاصّاً وعامّاً، ومحكماً ومتشابهاً، وحفظاً ووهماً))(10).
ثالثاً: مواجهة حركة منع تدوين الحديث النبوي الشريف.
وقد بيّن ذلك مفصلاً العلّامة المحقّق السيّد مرتضى العسكري في كتابه (معالم المدرستين)، وذكر ما نصّه ((مِن أهم أصناف كتمان سنة الرسول (صلى الله عليه وآله) بمدرسة الخلفاء نهي الخلفاء عن كتابة سنة الرسول، وكان بدأ النهي في عصر رسول الله، حيث نهت قريش عبد الله بن عمرو بن العاص عن كتابة حديث الرسول، وقالوا له: تكتب كل ما سمعته من رسول الله، ورسول الله، بشرٌ يتكلم في الرضا والغضب، وقريش هنا هم المهاجرون من أصحاب رسول الله، وهم الذين منعوا الرسولَ عن كتابة وصيته في آخر ساعة من حياته، ثم لما ولوا الحكمَ بعد رسول الله نهوا عن كتابة حديث الرسول، وبقي منع كتابة الحديث سارياً حتى عصر الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، حيث رفع الحضر وأمر بتدوين حديث الرسول))(11).
رابعاً: مواجهة حركة الوضع والتحريف، والتمكين للسنّة النبوية الصحيحة في مواجهة الأحاديث المكذوبة أو المتأثرة بالإسرائيليات والفتن السياسية التي ظهرت لاحقاً.
خامساً: بيان السنّة العملية والأحكام المستجدة، وتقديم تفسير وتطبيق عملي دقيق للقرآن الكريم والسنّة النبوية في العبادات والمعاملات والقضاء والرؤية الشرعية، بناءً على ما سمعه مباشرةً من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله).
خلاصة البحث:
نستنج من مجموع ما ذكرنا آنفاً أنّ جهدَ الإمام علي (عليه السلام) في عملية الكتابة للحديث النبوي الشريف والتدوين المباشر له لم يكن مجرد حفظٍ شخصي، وإنما كان مشروعاً معرفيّاً مؤسسيّاً مُبكراً لحماية الشريعة الإسلامية الحكيمة في مصدرها الثاني الأصيل.
فإذن يتبيّن أنّ عناية الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بتدوين الحديث النبوي والسُنّة المُشرّفة هو حقيقةُ تاريخيةُ بارزةٌ، وردت في مصادر المسلمين بمختلف طوائفهم، فقد كان (عليه السلام) مِن أشدّ الصحابة حرصاً على تدوين العلم وكتابتهٍ.
--------------------
1) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة: 1/63.
2) الكليني، الكافي: 7/93.
3) الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام: 9/ 247.
4) السيّد مرتضى العسكري، معالم المدرستين: 2/340.
5) أبو إسحاق إبراهيم محمّد الثقفي الكوفي، الغارات: 2/718.
6) ابن حمزة الطوسي، الثاقب في المناقب: 278.
7) الشيخ الصدوق، الأمالي: 315.
8) الكليني، الكافي: 1/64.
9) الشيخ محمد بن الحسن بن الشهيد الثاني، استقصاء الاعتبار في شرح الأخبار: 1/7.
10) كتاب سُلَيم بن قيس الهلالي الكوفي: 26.
11) السيّد مرتضى العسكري، معالم المدرستين: 1/ 255.