100%
قاف

تجليات الشراكة القرآنية في المشروع النهضوي للإمام الحسين (عليه السلام)

د. خليل خلف بشير

جامعة البصرة / كلية الآداب

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 205 – الصفحة (9)

 

مثّل الإمام الحسين (عليه السلام) الامتداد العملي للخط القرآني المقاوم، فكان موقفه من حكم يزيد بن معاوية امتدادًا لموقف القرآن من الطغاة والمفسدين، فنهضته بعيدة عن الصراع الشخصي والسياسي، وإنما كانت استجابة عملية لمجموعة من المفاهيم القرآنية الجوهرية التي تتعلق بصياغة الموقف تجاه الانحراف، وإحياء الوعي الجمعي للأمة بعد أن أصابها التزييف والتدجين.

 

المطلب الأول: القرآن الكريم في خطاب الإمام الحسين (عليه السلام)- المرجعية والبوصلة

 أولًا: الموقف من الانحراف في ضوء القرآن الكريم

ينظر القرآن الكريم إلى الانحراف –خاصة عندما يصيب القادة والحكام– على أنه تهديد مباشر للرسالة وهدمٌ للمجتمع، ولهذا حذر من الركون إليهم فقال تعالى:(وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّار)[هود: 113]، وفي آية أخرى:(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا... إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)[ القصص: 4]، ومن هنا كانت مقاطعة الإمام الحسين (عليه السلام) ليزيد بن معاوية، ورفضه البيعة له موقفًا قرآنيًا صريحًا؛ لأنّه رآه شخصًا مستهترًا بالدين، مستبيحًا للحرمات، مفرّغًا للشرعية من مضمونها وقد قالها صراحة: ((ويزيد رجل فاسق، شارب للخمر، قاتل للنفس المحترمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله))(1).

وكان في ذلك تطبيقًا عمليًا لمضمون قوله تعالى:(وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ)[الكهف: 28]، فالإمام رأى أنّ الطاعة لسلطة تجهل الذكر وتخضع للشهوات، تعني الخروج عن مسار القرآن.

 ثانيًا: استعادة الوعي الجمعي من خلال مفاهيم قرآنية:

لقد شهد زمن يزيد حالة من غياب البصيرة العامة، حيث كانت الأمّة مبلبلة بين الخوف والطمع والتأويل الفاسد، وهنا برزت وظيفة الإمام الحسين (عليه السلام) في إنقاذ الأمّة من حالة التيه والجمود، عبر تفعيل المفاهيم القرآنية الكبرى والتي نجملها بالآتي:

1. الولاية الصالحة: قال تعالى:(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)[ المائدة: 55]، فالإمام الحسين (عليه السلام) جسّد هذا المعنى في قوله: ((إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومهبط الوحي، ومحل الرحمة... ويزيد رجل فاسق...))(2)، أي: أن القيادة يجب أن تكون للمؤهلين قرآنيًا وروحيًا، لا لمن تسلّط بالسيف والدعاية.

2. البلاغ المبين : استنهض الإمام الأمّة بخطاب واعٍ، كما كان البلاغ القرآني في زمن الأنبياء، وكان هذا جليًا في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية، حين قال: ((من رأى سلطانًا جائرًا، مستحلًا لحُرم الله، ناكثًا لعهد الله، مخالفًا لسنة رسول الله... فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقًا على الله أن يدخله مدخله))(3).

وهذا من روح الآية:(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا... كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ)[ المائدة: 78–79].

3. الشهادة طريقًا للبعث المعنوي: لم يكن الموت غاية في حركة الحسين (عليه السلام)، بل كان وسيلة لإعادة بعث الحياة في الأمّة، وهذا ما فهمه الإمام من قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا)[آل عمران: 169]، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ...)[ التوبة: 111]، ومن هنا قال لأصحابه ليلة عاشوراء: ((ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة))(4).

وهذا الوعي القرآني جعل الإمام يختار القتل بكرامة، على الحياة بذل، موقنًا أن دمه سيوقظ الأمّة، ويعيد ترتيب القيم الإيمانية حسب الأهداف القرآنية.

ثالثًا: مركزية الوعي في المشروع القرآني الحسيني

إذا كان القرآن قد أكد أن (الذكرى تنفع المؤمنين)[الذاريات:55]، فإن الإمام الحسين (عليه السلام) مارس هذا التذكير بأقصى درجاته في خطاباته إلى الناس، وحتى إلى أعدائه، فكان يخاطبهم ويذكّرهم بالنسب والقرآن وسيرة النبي، ولكنه كان يعلم أن القلوب قد طُبع عليها، مصداقًا لقوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ)[ البقرة: 7]، وكذلك (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)[البقرة: 74].

ومع ذلك لم يتوقف عن أداء الحجة؛ لأن وظيفة الإمام –كما وظيفة النبي– لا تتوقف عند رد الفعل، بل عند تفعيل الحقيقة وتبليغ الرسالة.

 المطلب الثاني: النهضة الحسينية بوصفها حركة قرآنية في مواجهة تحريف الدين

إن شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) لم تنفصل عن المسار الإلهي في التأريخ، وإنما هي حلقة متقدمة من حلقات الصراع بين خط الهداية الإلهية وخط الطغيان والانحراف، فالسُنة القرآنية تؤكد أن الأنبياء وأولياء الله كانوا دومًا هدفًا للبطش والقتل من قِبل قوى الباطل؛ لأنهم يمثلون مشروع الإصلاح، وإيقاظ الضمير، وإعادة التوازن إلى الحياة البشرية، وعلى هذا الأساس تتنزل شهادته (عليه السلام) ضمن السياق السنني القرآني، بوصفه مصداقًا قرآنيًا حيًا للصراع بين الحق الذي لا يُساوم، والباطل الذي لا يتوقف عن التضليل كما في المحاور الآتية.

 أولًا: منطق الصراع في القرآن الكريم

عرض القرآن الكريم صراع الحق والباطل كظاهرة متكررة، وليس حدثًا عابرًا، قال تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِين)[الفرقان: 31]، وفي آية أخرى:(أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ...)[ البقرة: 87].

إن هذا القانون الإلهي (وجود أعداء دائمين للحق) هو ما واجهه الإمام الحسين(عليه السلام)، فعداؤه مع يزيد لم يكن خلافًا شخصيًا، بل كان امتدادًا تاريخيًا لهذا المسار القرآني؛ لأنه يمثّل (كلمة الله) في زمانه، ويزيد كان يمثل (الباطل المموّه) الذي لبس لبوس الدين.

ثانيًا: شهادة الحسين (عليه السلام) تجلٍّ قرآني لفريضة الابتلاء

قال تعالى:(أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ)[العنكبوت:2]، وآية أخرى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ)[البقرة:155].

فالابتلاء سنة إلهية لازمة لإظهار صدق الإيمان من زيفه، والإمام الحسين (عليه السلام) جسّد هذا الفهم حين اختار طريق الشهادة عن وعي وبصيرة، وقدّم أغلى ما يملك، أهله وولده وذاته؛ ليكون امتحانًا لأمّة فقدت معاييرها؛ وكي يكشف من باع دينه بدنيا غيره، ممن ثبت على عهد الله عز وجل.

من هنا قال (عليه السلام) يوم عاشوراء: ((صبرًا بني الكرام، فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم من البؤس والضراء إلى الجنان الواسعة))(5)، كما كان يقرأ على أصحابه:(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ...)[الفجر: 27–28]، في مشهد يجمع بين التسليم السنني والبصيرة القرآنية.

ثالثًا: الشهادة وسيلة لفضح الباطل وإقامة الحجة

قال تعالى:(لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ)[الأنفال:42]، وهذا ما طبقه الإمام الحسيىن (عليه السلام) في نهضته، إذ إن شهادته لم تكن للهلاك بل لإقامة الحجة التأريخية والأخلاقية على الأمّة؛ لذلك قال يوم عاشوراء: ((إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارًا في دنياكم...))(6).

لقد كان الحسين(عليه السلام) يقدّم دمه ليبقى صوت الحق عاليًا، ويجعل من كربلاء منصةً أبدية لفضح الزيف، تمامًا كما جعل القرآن الكريم من نصوصه الواردة في قصة يوسف وموسى وعيسى (عليهم السلام) كشفًا لوجوه الباطل المتجدد لمن يدعى وصلًا بالدين وأحكامه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- أحمد بن أعثم الكوفي، الفتوح: 5/14.

2- المصدر نفسه.

3- المصدر نفسه.

4- المسعودي، إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب: 166.

5- الصدوق، الاعتقادات في دين الإمامية: 52.

6- الموفق الخوارزمي، مقتل الحسين ((عليه السلام): 2/38.