100%
مع الحق

هل الدين منشأ للحروب والصراعات البشرية؟

 

آية الله السيد منير الخباز

أستاذ البحث الخارج/ النجف الأشرف

المصدر: مجلة الولاية العدد 206 الصفحة (38)

 

يطرح بعض الحداثيين والملحدين أَنَّ البشريَّةَ لم تَجنِ من الأديان شيئًا سوى الحروب والصراعات، ففي حين يرى المتدينون أَنَّ العوامل المُؤَجِّجة للحروب هي عوامل خارجة عن إطار الدين، يرى هؤلاء أَنَّ الدين هو الذي زرع بذرة الصراعات، وفتح باب الحروب على مصراعيه بين البشر، فالحروب الطاحنة على مدى التاريخ التي حدثت بين الكاثوليك والبروستات، وبين المسلمين واليهود، كان منشؤها هو الدِّين(1)، ويوجد شاهدان واضحان يدلّان على ذلك:

أوَّلًا: عندما نرجع إلى كتاب الدين الإسلامي وهو القرآن الكريم نجده يحفّز أتباعه على الصراع، حيث يقول: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ)، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)،
(فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)، (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)، ونحو ذلك من آيات الجهاد الموجودة في هذا الكتاب السماوي، ممّا يؤكّد أَنَّ الدِّين هو مصدر الحروب.

ثانيًا: عندما نراجع سيرة قادة الدين نجدها سيرةً حربيةً، فقد قاتل النبيُّ (صلى الله عليه وآله)قبيلته في بدر وأحد وحنين، وقاتل اليهود في خيبر، وقاتل الروم في مؤتة، وهكذا اصطنع حروبًا، فكانت سيرته سيرةً قتاليةً.

وعندما يحلِّل الحداثيون سرّ كون الدين منشأً للصراعات البشريّة، يذكرون ثلاث قضايا يختلف فيها الاتجاه الحداثي عن الاتجاه الديني، ويرون إطفاء شعلة الحروب على وجه الأرض متوقِّفًا على تفكيك هذه القضايا ومعالجتها، وهي:

1- احتكار الحقيقة: إذ المتدينون يعتقدون أنَّ دينهم حقيقةٌ مطلقةٌ لا تقبل النقد ولا الردَّ ولا التشكيك، ولذلك يفرضونه على الآخرين، فإن أجابوا وإلا قاتلوهم، فالمسلم يعتقد أنَّ الإسلام حقيقةٌ مطلقةٌ، بينما المسيحي يعتقد بأنَّ المسيحية حقيقةٌ مطلقةٌ، فكلٌّ يدّعي احتكار الحقيقة، ولأجل ذلك يحاول كل واحد أن يفرض دينه ومذهبه على الآخر، وهكذا تنشأ الصراعات وتشتعل الحروب.

وفي المقابل، يرى الحداثيون أَنَّ الحقيقة ليست مطلقةً، بل هي نسبيَّةٌ، بمعنى أَنَّ كلَّ اتّجاهٍ فكريٍّ قد أدرك نصيبًا من الحقيقة، فالأديان والمذاهب هي ورود تختلف ألوانها وروائحها وعطورها، وبالتالي ينبغي قبول جميع الأديان والمذاهب والاتجاهات، فلا يكون حينها أيّ داعٍ لافتعال الحروب والصراعات.

2- التقديس: إذ الدين يعتقد بوجود المقدَّس، بينما الحداثي لا يعتقد بوجود شيء مقدس، وإنما يرى الحداثيون أَنَّ الاعتقاد بوجود مقدَّس يؤدّي إلى سدِّ باب النقد وتضييق الخناق على الحرّية الفكريَّة، كما لو اعتقد المسلمون أنَّ النبيَّ إنسانٌ مقدَّسٌ، أو اعتقد أصحاب كلّ دين أنَّ دينهم فكرٌ مقدَّسٌ، والحال أَنَّ القداسة لا وجود لها، فلا يوجد شخصٌ مقدَّسٌ، ولا فكرٌ مقدَّسٌ، وإِنَّما (الأصل المقدَّس هو أن لا مقدَّس).

ولذلك يقول (كانت): أوَّل خطوة في طريق اكتساب المعرفة أن تكون جريئًا في نقد المقدسات، ويقول الدكتور (سروش): نحن أهل التحليل لا أهل التجليل. فوظيفتنا ليست أن نقدِّس ونجلِّل، وإنما وظيفتنا هي أن نحلِّل وندقِّق وننقد، من غير أن نعتبر أيَّ قداسةٍ لأيِّ أحدٍ ولأيِّ فكرٍ، وإذا نفينا القداسة عن كلّ شيء فحينئذٍ تنطفئ الحروب، وتنتهي المشكلات بين المجتمع البشريّ.

3- محوريَّة الإنسانيّة: بمعنى أَنَّ قيمة الإنسان بإنسانيّته لا بدينه، وأمَّا إذا قلنا بأنَّ قيمة الإنسان بدينه فسوف تنشأ الحروب بحجّة أَنَّ هذا مسلم وذاك غير مسلم، وهذا شيعي وذاك سنّي، فينبغي ألا ندخل الدين والعقيدة في تقويمنا للبشر، وإلا سوف تشتعل الحروب وتنشأ الخلافات، بينما إذا ألغينا هذا التقويم واعتبرنا قيمة الإنسان بإنسانيّته لا بدينه فسوف تنطفئ الحروب وتنتهي المشكلات.

وبعد هذا العرض الموجز لهذه الأطروحة الحداثيّة، نرجع إلى الاتّجاه الدينيّ الذي لا يرى أَنَّ الدين هو منشأ الحروب والصراعات البشريّة، ونعرضه عبر بيان أربع ركائز مهمّة:

الركيزة الأولى: الكرامة وحدود استخدام القوّة

محور البحث في هذه الركيزة هو: هل أَنَّ الدين الإسلاميَّ قائمٌ على التمييز بين الناس بحسب أديانهم ومعتقداتهم، أم لا؟ وهنا توجد ثلاثة بنود:

أ/ البند الأول: الكرامة لكلِّ إنسان مسالم، وهو ما قرّره القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)، وهذه الآية مطلقةٌ، فتشمل جميع أفراد بني آدم، ولا تختصّ بالمسلمين ولا بالمؤمنين، ومفادها أَنَّ لكلِّ إنسان مسالم كرامة، بغضّ النظر عن دينه وعقيدته، وهذه الكرامة تشمل الكرامة التكوينية، بمعنى أَنَّ كلَّ إنسان قد أُعْطِيَ عقلًا وإرادةً، وتشمل الكرامة التشريعية، بمعنى أَنَّ لكلِّ إنسان مسالم حرمةً في دمه وعرضه وماله، ما دام محترمًا للعقود أو المعاهدات والمواثيق المرتكزة على تبادل السلم والأمان.

وهذا ما تحدّث عنه القرآن الكريم أيضًا في قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائلَ لِتَعَارَفُوا)، ومفادها أَنَّ الهدف من وجود البشريّة هو التعارف وتلاقح الأفكار والطاقات، وليس الهدف من وجودهم هو الاقتتال، وهذا يعني عدم التمييز في الدين بين أبناء البشرية المسالمين في الكرامة، وإلا لما كان الغرض من وجود البشريّة هو التعارف. وهذا ما قرّره الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر، إذ قال: ((وأشعر قلبك الرحمة للرعية واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنَّ الناس صنفان: إمَّا أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق)).

ب/ البند الثاني: حدود حالة الجهاد في الدين الإسلاميّ، إذ ليس القتال مشروعًا في كلّ وقت، بحيث يقتل كلّ مسلم من شاء من الناس الذين لا دين لهم، وإلا لصارت الحياة فوضى عارمة، وإنما هناك حدود وأسس لهذا الباب، وتفصيل ذلك ليس محل كلامنا في هذا البحث.

فالإسلام لا يمنع المسلم من أن يقيم علاقةً إنسانيّةً مع إنسان غير مسلم ما دام مسالمًا، وإِنَّما يمنع الإسلام من موالاة المعتدين، كما قال تعالى: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّه عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

وممّا ذكرناه يتّضح أَنَّ لغة القرآن الكريم هي لغة الكرامة الإنسانيّة، فلا يصحّ التمسّك ببضع آيات وترك آيات أُخر، كالتمسّك بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبي حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ)، وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)، من أجل إثبات أَنَّ الدين الإسلاميَّ يحثّ أتباعه على الحرب، مع أَنَّ هذه الآيات شُرِّعَت في مقام دفاع المسلمين عن أنفسهم، وصدّهم الهجمات الواردة عليهم من الجهات الأخرى، لأنَّ القتال مسألة استثنائية(2).

ج/البند الثالث: وجوب الوفاء بعقد السلم الاجتماعيّ، فلو حدث قتالٌ بين المسلمين وغيرهم فإنَّ الحلّ الذي يدعو إليه القرآن الكريم هو السلم، كما قال تعالى: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)، وقال أيضًا: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ)، فعندما يستجير الكافر بالمسلم ينبغي له أن يعطيه الأمان، ويكون هذا العقد السلميّ عقدًا لازمًا محترمًا بنظر الإسلام، فلا يجوز نقضه والتمرّد عليه، وتتأكّد الحاجة إلى هذا العقد في المجتمعات التي تضمّ أديانًا ومذاهب مختلفة، ومنها العراق ولبنان .

الركيزة الثانية: هل الحقيقة مطلقة أم نسبية؟

وهنا لا بدَّ من التفريق بين النسبية الواقعية والنسبية الإدراكية، فهل النسبية في نفس الواقع، أم أَنَّ الواقع غير نسبي إلا أَنَّ فهمنا وإدراكنا له نسبيٌّ؟

من الواضح أَنَّ الواقع لا يمكن أن يكون نسبيًا، لأنَّه لا يتغيّر، فمثلاً: عندما نسأل شخصًا: هل الأرض كروية أم غير كروية؟ لا يصحّ له أن يقول: إِنَّ الحقيقة نسبيةٌ! وإنما الأرض في الواقع إمَّا أن تكون كروية أو غير كروية. كذلك عندما نسأل: هل نزل الوحي على النبيّ محمدٍ (صلى الله عليه وآله) أم لا؟ فالجواب عن ذلك إما بالسلب أو بالإيجاب، فهو إما نزل أو لم ينزل، ولا يصحّ أن يقال هنا: إِنَّ الحقيقة نسبيةٌ! إذ الواقع واحدٌ وليس متعدّدًا، سواء أدركناه بعقولنا أم لم ندركه.

وأمَّا ما يتعلق بالنسبية الإدراكية، فلا بدَّ من التفريق بين قسمين من الحقائق: فهناك حقائق مشكِّكة أي لها درجات ومراتب تقبل النسبية في إدراكها، وهناك حقائق غير مشكِّكة لا مجال للنسبية فيها، فمثلاً: معرفة الله شيءٌ متفاوتٌ ذو درجات متعدّدة، فقد ندرك نحن درجةً من معرفة الله، ويدرك العلماء درجة أكبر، ويدرك الأولياء درجة أعلى، ويدرك الأنبياء درجة أسمى، فلا يمكن لجميع البشر أن يعرفوا الله بدرجة واحدة، وإنما كلُّ واحدٍ منهم من هذه المعرفة بمقدار طاقته وقابليته، وبالتالي فنحن نؤمن بالإدراك النسبيّ في مثل هذه الحقائق المشكِّكة.

ولكنَّ بعض الحقائق لا توجد فيها نسبيةٌ، وإنما هي إمَّا مثبتةٌ أو منفيَّةٌ، فمثلاً: هل محمد نبيٌّ أم لا؟ هذه المعرفة ليست متفاوتة، ولا تختلف العقول في إدراكها، وإنما هي إما صحيحةٌ أو خاطئةٌ، فمن أدركها أصاب، ومن لم يدركها أخطأ، ولا معنى للقول بالنسبية.

والحاصل: فالحقيقة في نظر الاتّجاه الدينيّ مطلقةٌ، كما أَنَّ المعارف ليست بتمامها تقبل النسبية في الإدراك، وبالتالي فمن حقّ المسلم الذي لديه براهين على أَنَّ محمّدًا (صلى الله عليه وآله) رسولُ الله أن يقول: أنا مصيبٌ وغيري مخطئٌ، إذ هذه التخطئة تنسجم مع كون الواقع واحدًا وليس متعدِّدًا، وإِنَّما النسبية في خصوص إدراك بعض المعارف التي تقبل التفاوت.

وقد ذكرنا أَنَّ الإسلام لا يشرعن قتال الكافر بلا قيود، وإنما يكون القتال للمعتدي وإن لم يكن كافرًا، وبالتالي فالاعتقاد بكون الحقيقة مطلقةً لا يؤدّي إلى افتعال الحروب والصراعات، لأنَّ من يعتقد أنّه يملك الحقيقة لا يجوز له في نظر الدِّين قتل الكافر لمجرّد كفره.

الركيزة الثالثة: الفرق بين الدِّين الواقعيِّ والدِّين الظاهريِّ

قد يقول قائلٌ: إنَّ رجال الدين يُكفِّر بعضهم بعضًا، ومن ثَمّ فالدين منشأٌ للصراع والقتال.

ولا يخفى أَنَّ هذا الكلام فيه خلطٌ بين الدين الواقعيِّ والدين الظاهريِّ، إذ فتوى رجل الدين ليست دينًا واقعيًا، وإِنَّما الدين الواقعيّ هو ما نزل من السماء على قلب النبيّ(صلى الله عليه وآله)، أمَّا فهم رجال الدين للآيات والروايات فهو دين ظاهريٌّ، أي، ما يظهر لهم من الدين بحسب فهمهم وتحليلاتهم، وليس هو الدين نفسه.

وبعبارة أوضح: يوجد قسمٌ من الدين وصل إلينا بأدلّة قطعية وبطرق متواترة، من ذلك أصول الدين من توحيد وعدل ونبوّة وإمامة ومعاد، وكذلك بعض فروع الدين، ومنها وجوب الصلاة والحجّ والصيام ونحوها ممّا تسالم عليه الفقهاء والعلماء من الأحكام في باب العبادات والمعاملات، فهذا القسم يعبَّر عنه بالدين الواقعيّ. أمَّا الفتاوى التي بُنِيَت على أدلّة ظنّية نظرية فهي ظاهر الدين وليست هي الدين، ولا يصحّ أن نحاكم الدين الواقعيَّ نفسه على أساس هذه الفتاوى، فنقول بأنّه يحثّ على الصراع بسبب وجود فتاوى تكفيرية مثلًا، إذ يوجد في هذه المحاكمة خلطٌ واضحٌ بين الدين الواقعي والدين الظاهري.

الركيزة الرابعة: مبدأ القداسة

لا شكَّ في أنَّنا، بوصفنا مسلمين، نؤمن بوجود جملة من المقدَّسات، ولكنَّ المشكلة التي تحدث غالبًا عند عرض مسألة القداسة هي عدم تحديد مفهومها بدقّة، حيث ينفي أحد الطرفين وجود مقدَّس ويثبته طرفٌ آخر، من غير أن يتفقا على معنى جليٍّ ومعيار واضح لتمييز المقدَّس عن غيره، فما هو معنى القداسة؟ ومتى يكون الشيء مقدَّسًا؟ ومن أجل الإجابة عن هذين التساؤلين، نذكر ثلاثة أمور:

الأمر الأوَّل: إنَّ القداسة هي عدم إمكان الخدش، لا بمعنى أَنَّ المقدَّس لا يجوز جرحه، وإنما بمعنى أنّه لا يمكن أصلاً لأحدٍ الخدشة فيه، فمثلاً: إنَّ البشرية بجميع أديانها ومذاهبها وألوانها تقول: إنَّ العدالة والأمانة والصدق أمورٌ مقدَّسةٌ، بمعنى أَنَّها مفاهيم لا يمكن هدمها، والحداثي نفسه يعترف بأنَّ الكرامة الإنسانية مثلاً أصلٌ مقدَّسٌ، بمعنى أنّه فوق النقاش، فلا يقبل الجرح ولا الخدش.

الأمر الثاني: إنَّ المقدَّس الحقيقيَّ هو الله (عزَّ وجلَّ)، كما قال تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ)، فهذا الكون الذي نعيش فيه مملوءٌ بالكمالات، من حياة وقدرة وطاقة وعلم، وإنَّما اكتسب الكون هذا الكمال من وجود هو الكمال المطلق، ولأنَّ ذلك الوجود هو الكمال المطلق فهو المقدَّس الحقيقيّ، فالله مقدَّسٌ لأنه مصدر الكمال، والكمال لا يمكن هدمه ولا جرحه ولا خدشه، فهو كما وصف نفسه: (نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ).

الأمر الثالث: بما أَنَّ المقدَّس الحقيقيَّ هو الله، فما ينتسب إلى الله يكتسب القداسة منه، وتصبح له قداسةٌ اكتسابيَّةٌ، فمثلاً: الدين الواقعيّ من الله (سبحانه وتعالى)، ولذلك فإنه يكتسب قداسةً منه، فقداسة الدين قداسةٌ اكتسابيَّةٌ، بينما قداسة الله قداسةٌ ذاتيَّةٌ. وكذلك حال الأنبياء والأئمة، فإنَّ لهم قداسة اكتسابية بلحاظ انتسابهم وارتباطهم بالقدوس (سبحانه وتعالى).

ولأنَّ هذا هو معيار القداسة الاكتسابية، قد تكون الجمادات أيضًا مقدَّسةً، فمثلاً: عندما أراد موسى (عليه السلام) أن يطأ تراب وادي طوى بحذائه أتاه النداء: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى)، فلماذا كان هذا التراب المحيط بالجبل الذي كلّم الله فيه موسى مقدَّسًا؟ وما هي ميزته على باقي التراب؟ والجواب عن ذلك: إنَّ هذا المكان قد أفاض الله (عزَّ وجلَّ)عليه نورًا من نوره، كما قال تعالى: (فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا)، أي لأنَّ هذه الحبيبات من التراب تضمّنت نورًا من نور الله أصبحت ترابًا مقدسًا.

وكذلك حال مقام إبراهيم (عليه السلام) مثلاً، فإنّه مكان مقدَّسٌ، كما قال تعالى: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ)، وقال في آية أخرى: (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)، وسرّ قداسة هذا المكان هو أَنَّ أبا الأنبياء قد وطأه، وبنى الكعبة المشرّفة بيت العبادة لله عزَّ وجلَّ وهو عليه، فاكتسب قداسةً بسبب ذلك.

----------------------

* مقال مقتبس من كتاب الدين بين معطيات العلم، وإثارات الإلحاد، للسيد منير السيد عدنان الخباز القطيفي، إعداد: شبكة الفكر: ص170-178.

1- قام المؤلفان (شارلس فليبس-Charles Phillips) و(ألان أكسيلرود-Alan Axelrod) بتوثيق تواريخ الحروب في كتابهما المعنون بـ (موسوعة الحروب-Encyclopedia of Wars) في ثلاث مجلدات، ومن ضمن قائمة من 1763 حرب، فقط 123 حرب كانت متضمنة لسبب ديني، أي أن نسبتها لمجموع الحروب هي أقل من 7%، ونسبة القتلى فيها للمجموع هي فقط 2%.

2 - هنالك مشكلة فكريّة يمكن أن نُطلق عليها (مشكلة المثال السيئ)، وهي أن الإنسان يُحاكم فكرة معينة أو مفهومًا محدّدًا بالنظر إلى أحد مصاديقه وأمثلته السيئة التي لا تعكس مضمونه الحقيقي، فترى بعض الأشخاص يشمئز من ذكر القرآن للجهاد لما طرأ في ذهنه من المجازر الشنيعة التي ارتكبها بعض المسلمين، وآخر يرفض إعجاز القرآن لأنه تصور الإعجاز المُدّعى على أنه إعجاز الأرقام، أو الإعجاز العلمي بمعنى تجيير بعض الآيات القرآنية لمصلحة نظريّة علميّة على طريقة بعض المعاصرين، ومن هذا القبيل الحديث عن وجود عالم آخر يُسمّى بعالم الجن، فما هو إلا خرافة بنظر بعض الناس لأنهم شاهدوا ما يُمارس من دجل في هذا الموضوع فاستبعدوا أصل الفكرة، ولعل سبب هذه المشكلة هو نفس سبب (الصور النمطية-Stereotype) التي يخلقها العقل حول الشعوب والمجتمعات، وهو أن هذا يساعد على تبسيط العالم من حولنا ويقلل من عملية التفكير حينما يواجه فكرة جديدة.