الأسرة هي النواة الأساسية للمجتمع، ومرآة تُبرز تحولاته وتحدياته في العصر الرقمي الراهن؛ إذ أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية للمجتمع، تؤثر بشكل كبير في جوانب الوجود الإنساني كافة، بما في ذلك العلاقات الأسرية، فبينما توفر هذه الوسائل فرصًا للتواصل وتوسيع المدارك، فإنها تحمل في طياتها تحديات تهدد التماسك الأسري والاجتماعي، وهو ما يستدعي دراسة تحليلية معمقة للعوامل المؤثرة ودور الاستراتيجيات الوقائية(1)، وتحليل الأثر المزدوج لوسائل التواصل الاجتماعي والبرامجي في التماسك الأسري، والتركيز على العوامل التي تسهم في تفكك الروابط الأسرية أو تعزيزها، واقتراح آليات وقائية لضمان استقرار الأسرة في مواجهة هذه التحديات.
العوامل المؤثرة لوسائل التواصل الاجتماعي في التماسك الأسري
أولاً: العوامل السلبية:
العزلة والاغتراب الأسري:
على الرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي مصممة لربط الناس، إلا أنها قد تؤدي إلى مفارقة تتمثل في زيادة العزلة داخل الأسرة الواحدة، إذ يقضي أفراد الأسرة ساعات طويلة في التفاعل مع العالم الافتراضي، مما يقلل من فرص التواصل المباشر والفعال بينهم، وهذا النمط من السلوك قد يولد شعورًا بالاغتراب الأسري، إذ يشعر الأفراد بالبعد العاطفي والنفسي عن بعضهم البعض، حتى وهم في المكان نفسه(2).
صراع دور الأبوين وغياب الحوار:
قد تؤدي انشغالات الأبوين المستمرة بوسائل التواصل الاجتماعي إلى تداخل في الأدوار الأسرية، إذ يتراجع دور الوالدين في التوجيه والرقابة، وينشغل الأبناء بعوالمهم الافتراضية، ويقل الحوار الأسري المباشر، الذي يعد ركيزة أساسية للتماسك، ليحل محله ما يعرف بـ (الخرس الزوجي الرقمي) أو (الخرس الأسري الرقمي)، إذ يغيب التفاعل اللفظي والعاطفي والحسي(3).
المقارنة الاجتماعية وتأثيرها في رضا الأسرة:
تعرض وسائل التواصل الاجتماعي صورًا مثالية ومبالغًا فيها لحياة الآخرين، مما قد يدفع أفراد الأسرة إلى مقارنة حياتهم بهذه الصور غير الواقعية، وهذا الأمر قد يولّد شعورًا بعدم الرضا، ويؤثر سلبًا في السعادة الأسرية، ويزيد من الضغوط النفسية(4).
ثانيًا: العوامل الإيجابية
تسهل عملية التواصل مع الأقارب البعيدين:
لقد أسهمت وسائل الاتصال الحديثة في جعل العالم أكثر تقاربًا وترابطًا، إذ قربت المسافات واختصرت الزمن، حتى أصبح التواصل بين أفراد المجتمع يتم بسهولة وسرعة مهما تباعدت أماكنهم، فالأسر التي يتوزع أفرادها بين مدن ودول مختلفة باتت قادرة على متابعة تفاصيل حياتها اليومية والتواصل المستمر فيما بينها، وكأنها تعيش في منزل واحد، كما أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تجاوز الحواجز الجغرافية وإلغاء الحدود المكانية، فأصبح بإمكان الفرد في أقصى الشرق أن يتواصل مع آخر في أقصى الغرب بكل يسر وبساطة، وفي الماضي كان الوصول إلى الأقارب أو الأصدقاء في مدينة أو دولة أخرى يستغرق أياما وربما أشهر عبر الرسائل التقليدية، أما اليوم فقد أصبح الإنسان على اتصال دائم بالعالم كله، يتلقى الأخبار والمستجدات في لحظات معدودة، سواء كانت أخباراً مفرحة أم مؤلمة، من دون عناء أو تأخير(5).
تبادل المعلومات والمعرفة:
تعد وسائل التواصل الرقمي والمنصات الإلكترونية الحديثة مصدرًا مهمًا لتلقي المعلومات والأخبار تفاصيلها كافة، ومتابعة مجريات الأحداث، ولا سيما في المجتمعات التي تعاني من الأزمات والحروب والاضطرابات، وقد أسهم الانتشار الواسع لهذه الوسائل في تراجع معدلات مشاهدة القنوات الفضائية، وانخفاض الإقبال على الصحف الورقية والجرائد الرسمية؛ نظرًا لما تمتاز به من سهولة الاستعمال، وسرعة الوصول إلى المعلومة، فضلًا عن مجانية خدماتها في أغلب الأحيان، كما أتاحت هذه الوسائل للأفراد إمكانية متابعة المستجدات والأحداث الجارية بصورة فورية، بغض النظر عن أماكن وجودهم، سواء أكانوا في أماكن العمل أم في الأسواق أم في أثناء تنقلهم، من دون الحاجة إلى انتظار العودة إلى المنزل لمتابعة نشرات الأخبار أو البرامج التلفزيونية التقليدية، كما يمكن للأسر الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي لتبادل المعلومات التربوية، الصحية، والاجتماعية، مما يعزز الوعي ويدعم اتخاذ القرارات الأسرية السليمة(6).
الاستراتيجيات الوقائية لتعزيز التماسك الأسري:
من أجل مواجهة التحديات التي تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي، يجب على الأسر والمجتمعات تبني استراتيجيات وقائية فعالة(7)، ومن أهم هذه الاستراتيجيات(8):
1-التربية الرقمية للوالدين: يجب على الوالدين أن يكونوا قدوة حسنة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وأن يعلّموا أبناءهم كيفيّة الاستعمال الآمن والمسؤول لهذه الوسائل، ويشمل ذلك تحديد أوقات معينة لاستخدام الوسائل التكنولوجية، وتوعيتهم بالمخاطر المحتملة منها، وتشجيعهم على التفكير الجدّي في المحتوى الذي يتعرضون له.
2-تحديد أوقات محددة لاستعمال الوسائل الالكترونية: تخصيص أوقات معينة يومية أو أسبوعية تكون فيها الأجهزة الإلكترونية بعيدة عن متناول الجميع وخاصة الأطفال، وتشجيع الأنشطة الأسرية المشتركة منها القراءة، الألعاب، أو النزهات وهذا يعزز التواصل المباشر ويقوي الروابط العاطفية والاجتماعية.
3- تقوية الحوار الأسري المباشر: تشجيع النقاشات الصريحة بين أفراد الأسرة في مختلف القضايا، بما في ذلك تجاربهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا يساعد على بناء الثقة والتفاهم المتبادل.
4-التوعية بمخاطر الإدمان الرقمي والرقابة الذاتية: توعية أفراد الأسرة، ولاسيما المراهقون، بمخاطر الإفراط في استعمال وسائل التواصل الاجتماعي، وتشجيعهم على تطوير مهارات الرقابة الذاتية لإدارة وقتهم وتفاعلهم الرقمي بفعالية.
تعد وسائل التواصل الاجتماعي قوة مؤثرة لا يمكن تجاهلها في العصر الحديث، وبينما تقدم فرصا للتواصل والمعرفة، فإنها تفرض تحديات حقيقية على التماسك الأسري، وإن فهم هذه العوامل، سواء كانت إيجابية أم سلبية، وتبني استراتيجيات وقائية مدروسة، هو السبيل لضمان استقرار الأسرة وقدرتها على مواجهة التحولات الرقمية، ويتطلب ذلك جهدًا مشتركًا من الأفراد، والأسر، والمؤسسات التعليمية والاجتماعية لتعزيز الوعي وتنمية المهارات اللازمة للاستعمال الأمثل والفعال لهذه الوسائل، بما يحفظ للأسرة دورها المحوري في بناء المجتمع المتماسك، الذي يقدر كيفية استعمال هذه الوسائل ضمن الأطر العلمية، التي يستفيد منها الفرد في المجال الحيوي البناء.
-----------------------
1) عبد الغني الحاوري، العلاقات الأسرية في ظل الإدمان على وسائل التواصل الاجتماعي: 12 - 14 .
2) أميرة محمد العجمي، الاغتراب الأسري وتحديات عصر التكنولوجيا: 4 – 6.
3) عبد الغني الحاوري، العلاقات الأسرية في ظل الإدمان على وسائل التواصل الاجتماعي: 40.
4) افين قاسم الكردي، الاتجاهات نحو تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على الروابط الأسرية الأردنية: دراسة ميدانية على الجمهور الأردني، مجلة البحوث الإعلام الرقمي، العدد 8: 650.
5) عبد الغني الحاوري، العلاقات الأسرية في ظل الإدمان على وسائل التواصل الاجتماعي:80 - 84 .
6) المصدر نفسه: 81.
7) محمود سليمان عطيه، وإيمان محمد الصفتي، دور التربية الوقائية في مواجهة بعض مشكلات المجتمع المعاصر من منظور إسلامي رؤية استشرافية، مجلة كلية التربية: 120.
8) دفاف جابر، وحسين خليفي، استخدامات مواقع التواصل الاجتماعي لدى الأسرة الجزائرية وانعكاساتها على الأمن الأسري: 77.