100%
قُرَّة الأَعين

التوازن النفسي للفرد والمجتمع في فكر الإمام الرضا (عليه السلام)

 

 

د. نجم عبدالله غالي الموسوي

جامعة ميسان/ كلية التربية

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 205 – الصفحة (65)

 

التوازن النفسي هو مفهوم معقد وواسع، يرى أنّ الإنسان مجموعة من المكونات (الجسم، الروح، العقل، العاطفة)، ومن منطلق علم النفس وعلم الاجتماع أنّ الذات الناجحة هي التي تتمكن من العيش والاستمرار بالحياة في تحقيق الاتزان، والابتعاد عن الإسراف في جانب، وترك الجوانب الأخرى، مثلاً الإسراف في الملذات المادية وإهمال الجانب الروحي، أو التركيز على الجانب الروحي وإهمال الجانب الجسدي، أو غيرها.

 

فالتوازن النفسي هو حالة توازن بين الغرائز والرغبات الخاصة والذات والضمير، وهي القدرة على العطاء والحب من دون انتظار لمقابل(1).

إنّ للصحة النفسية أثرًا مهمًا في تكوين شخصية الفرد، ولكونها أكثر خطورة من الصحة الجسدية عمل الإسلام الحنيف على وضع منهجٍ وأسسٍ تربوية، تضمن حياة الفرد، وتحصنه تجاه العقد النفسية، عن طريق وجود تعليمات سماوية ذات بعدٍ فعالٍ في عملية تربية الفرد والمجتمع.

التوازن والتكيف النفسي:

لقد منحنا الله -سبحانه وتعالى- منهجاً إلهياً ودستورا أخلاقياً كفيلاً بان يحصن الفرد المسلم من كل ما يعكر صفو حياته النفسية الآمنة، ويجعله يعيش متزناً ومستقراً ومطمئناً، ومن بين مرتكزات هذا المنهج والدستور صفة التوازن والتكيف النفسي، التي حث الله سبحانه وتعالى عليها في العديد من الآيات المباركات في القرآن الكريم، وحث عليها الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وآله) والأئمة الهداة (عليهم السلام).

فإذا أردنا أن يكون الفرد قوي الإرادة، صلب الإدراك، واثقاً من نفسه وذاته، لا بد أن يبنى بناءً متزناً، لا يهمل أي جانب من الجوانب؛ لأنها مجتمعةً تشكل الملامح الأساسية للشخصية السوية المعتدلة.

وقد حرص أئمة الهدى المعصومون (عليهم السلام)، ومنهم الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، على تحقيق التوازن النفسي للفرد المسلم وللمجتمع الإسلامي، فكان أثره (عليه السلام) أثراً مباشراً، وله إسهامات كثيرة في البناء الروحي والجسدي والفكري والعقدي والتربوي، فضلا عن البناء والدعم والتوازن النفسي، الذي لا يقل أهمية عن الجوانب والبناءات الأخرى؛ كونه الوسيلة الأهم لخلق إنسان ومجتمع متوازن نفسياً وجسدياً.

مرجعا للتوازن النفسي والصحة النفسية:

بالرجوع إلى أقوال الإمام الرضا (عليه السلام) الشريفة ومروياته، نجد أنّ هناك تشابهاً بينها وبين المقاييس والمعاير العالمية للتوازن النفسي والصحة النفسية التي وضعها كبار المتخصصين في عصرنا الراهن، وهنا سيتم استعراض بعضٍ من أقواله (عليه السلام)، بحسب مقياس الصحة النفسية العالمي.

فمن حيث الصحة الجسمانية، نجد أن هناك كثيراً من الأحاديث المباركة للإمام الرضا (عليه السلام) بخصوص الطب والأطعمة والأشربة موجودة في صحيفة الإمام الرضا (عليه السلام)، متضمنة توجيهات وأوامر ونواهي تخص صحة بدن الإنسان وسلامة أكله وشربه، منها قول الإمام الرضا (عليه السلام): ((إنْ يكن في شيء شفاء ففي شرطة حجام أو شربة عسل))(2)، وقال (عليه السلام): ((ليس الحمية من الشيء تركه، ولكن الإقلال منه))(3).

ومن حيث الاستقرار المهني: فقد روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: ((إن الذي يطلب من فضل ٍ يكف به عياله أعظم أجراً من المجاهد في سبيل الله))(4)، وعن أبي عمرو الشيباني قال: رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) وبيده مسحاة وعليه إزار غليظ يعمل في حائط له، والعرق يتصاب عن ظهره فقلت: جُعلت فداك أعطني أكفك، فقال لي: إني أحب أن يتأذى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة))(5).

كما أنّ الإمام الرضا (عليه السلام) أكد على الاستقرار الأسري، فقد روى يعقوب بن يزيد عن الحسين بن بشار الواسطي قال: كَتَبْتُ إِلَى‏ أَبِي اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا (عليه السلام): ((أَنَّ لِي قَرَابَةً قَدْ خَطَبَ إِلَيَّ اِبْنَتِي وفِي خُلُقِهِ سُوءٌ، فَقَالَ لاَ تُزَوِّجْهُ إِنْ كَانَ سَيِّئَ اَلْخُلُقِ))(6).

وقد حذر الإمام الرضا (عليه السلام): من ترك الزواج فيروى: ((إن امرأة سألت أبا جعفر (عليه السلام) فقالت: أصلحك الله إني متبتلة فقال لها: وما التبتل عندك؟ قالت: لا أريد التزويج أبدا، قال: ولم؟ قالت: ألتمس في ذلك الفضل، فقال: انصرفي فلو كان في ذلك فضل لكانت فاطمة (عليه السلام) أحق به منك، إنه ليس أحد يسبقها إلى الفضل))(7).

ومن حيث الضغوط النفسية، فقد وجّه الإمام (عليه السلام) لتجنب الضغوط، وعدم الاكتراث بها، فقد روي إنه قال لأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، أحد أصحابه الثقات المعتمدين، في حديث طويل جاء في ضمنه: ((وَإِيَّاكَ وَمُكَاشَفَةَ النَّاسِ، فَإِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ: نَصِلُ مَنْ قَطَعَنَا وَ نُحْسِنُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْنَا فَنَرَى وَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْعَاقِبَةَ الْحَسَنَةَ))(8).

فيجب على الشخص أن يواجه الضغوط، التي يتعرض إليها، وأن يتغلب عليها، فلا يكشف عن عيوب الآخرين، وإن كان معهم في نزاع وصراع، وأن يتجنب النزاعات المختلفة مع الناس، وأن يتسامح ويتساهل معهم، وأن يصلهم ويُحسن إلى من اعتدى عليه وأساء إليه؛ لأن هذا هو المعيار الحقيقي لتحقيق الصحة النفسية، وتحقيق التوازن النفسي الواقعي.

أما مهارات حل المشكلات فقد كان لها موقع كبير في أحاديث الإمام الرضا (عليه السلام)، فقد قال(عليه السلام): ((صديق كل أمرئ عقله وعدوه جهله))(9)، فالإنسان في هذه الحياة معرض إلى العديد من الابتلاءات والاختبارات، فضلاً عن طبيعة الحياة المليئة بالمتاعب والمصاعب، فلا بد من امتلاك القدرة العقلية والجسدية والنفسية، التي تدعمه وتعينه على المواجهة والقدرة على الصبر والتحمل وبذل الجهد، لمواجهة الأزمات، والتغلب عليها، وتذليلها وتفعيل العقل والتفكر والتدبر في حل المشكلات، ومواجهتها نفسياً وروحياً وعدم الانهزام إزاءها.

كما أن للطاقة السلبية تأثيراً في نظر الإمام الرضا (عليه السلام)، فقد اكد (عليه السلام) على ضرورة التخلص من الطاقة السلبية، بوصفها مصدرا للألم والانزعاج والمشكلات، فقد روي عنه (عليه السلام) أنه قال ((المسكنة مفتاح البؤس))(10)، وقال (عليه السلام): ((الْمَسْأَلَةُ مِفْتَاحُ الْبُؤْسِ‏))، وقال (عليه السلام) أيضا: ((مَنْ تَكَلَّفَ مَا لَيْسَ مِنْ عَمَلِهِ‏ ضَاعَ عَمَلُهُ، وَ خَابَ أَمَلُهُ‏))(11).

إن من الضروري أن يكون الإنسان والمجتمع متسمين بالطاقة الإيجابية، وفي الوقت نفسه قادرين على التخلص من الطاقة السلبية التي تعترضهم، ولاسيما تلك الطاقة السلبية، التي تكمن فيها مشاعر القلق والخوف والحزن والحسد والغيرة والنفاق ... وما إلى ذلك، وعدم التكاسل والتثاقل ، بل  بذل الجد والاجتهاد والسعي في طلب الخير والتوفيق له.

لقد كان للاستعداد للطوارئ مكانة بارزة في أحاديث الإمام الرضا (عليه السلام)، فقد قال الإمام الرضا (عليه السلام): ((الصبرُ عُدّةُ البلاء))(12)، وقال (عليه السلام): ((المرض للمؤمن تطهير ورحمة، وللكافر تعذيب ولعنة، وإن المرض لا يزال بالمؤمن حتى لا يكون عليه ذنب))(13).

ومن حيث التمسك بالعلاقات الإنسانية، كان للإمام رأي فيها وأحاديث كثيرة، منها أنه قال: ((رأس العقل بعد الدين التودد إلى الناس، واصطناع الخير إلى كل بر وفاجر))(14)، وقال (عليه السلام) أيضا: ((عنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه))(15).

بناء المجتمع الصحيح:

تعتبر عملية بناء المجتمع من الأمور المهمة، التي أكدتها جميع الأديان السماوية والقوانين الوضعية، فهي ترى أنه لا تبنى البشرية ولا تستقيم إلا بوجود بناءات مجتمعية صحيحة، ولا يطمئن الفرد ولا يستقر إلا بوجوده داخل مجتمع قويم، يمنح الاطمئنان، ويحفظ حقه وكرامته ويصونه.

كما كان للاستقرار الروحي أثر كبير في أقواله الشريفة فقد أكد (عليه السلام)) على الاستقرار الروحي عندما قال (عليه السلام): ((أحسن الناس إيماناً أحسنهم خلقاً))(16)، كما قال (عليه السلام): ((أحسن الظن بالله، فان من حسن ظنه بالله كان الله عند ظنه))(17).

إن الأخلاق الإسلامية الأصيلة هي إحدى الركائز المهمة في البناء النفسي والاستقرار الروحي لدى الفرد والمجتمع، فكلما زاد التقرب إلى الله تعالى استقرت الأنفس والأرواح، وسلمت من الموبقات والرزايا والآثام والأدناس، ونرى أن الإمام الرضا (عليه السلام) يؤكد على تكوين المنظومة الأخلاقية، وضرورة الالتزام بها والسير عليها، فهي السبيل والطريق الذي يوصل إلى رضا الله تعالى، وإلى حصول الخير والفائدة، فضلاً عن أن التعلم من التجارب، إذ قال الإمام الرضا (عليه السلام): ((كلما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعملون أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون)) (18)، وقال (عليه السلام) أيضا: ((من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له))(19).

وبالطبع يمر الإنسان بخبرات مستمرة، منها الجيد ومنها السيئ، لهذا يجب على كل فرد، ألا يعتمد على خبراته الشخصية فحسب، بل يجب عليه أن يتعلم من خبرات الآخرين، ولاسيما المقربين منه، ذوي الحكمة والتعقل، فهذا الأمر يرفع من كفاءة التهيئة للمواقف، والاستعداد للطوارئ طوال الوقت، فيشعر الإنسان أنه مسلح، ويستطيع أن يستقر نفسيًا؛ نظراً لاطمئنانه وثقته بقدراته.

خلاصة الكلام:

إن الإمام الرضا (عليه السلام) يدعو الفرد إلى التكيف الإيجابي مع المجموعة الصالحة، والعيش بأمن وأمان وعافية في النفس والجسد، ومن ثم تكون حياة الأفراد الآخرين أكثر قيمة وذات معنى وجدوى، وقد سعى (عليه السلام) إلى محاربة اليأس والقنوط؛ لأنهما حالة مقيتة، قد تؤدي إلى الإيغال في الأمور السلبية، وتزيد من الابتعاد عن الله تعالى ، وتزيد من توقع الخيبة والفشل، وتبعد عن الرجاء والأمل وحسن الظن بالله تعالى، ولشدة ضرر اليأس والقنوط فقد أنزلهما الله بمنزلة الضلال والكفر؛ بسبب خطرهما الكبير ونتيجة لآثارهما السلبية على الإنسان، التي منها أنّ اليأس والقنوط تزيد من هم الفرد وغمّه وحزنه وعدم استقراره النفسي وتدمير صحته النفسية، وقد كان توجيه الإمام الرضا (عليه السلام) باعتماد الصبر والثبات والقوة في الشخصية وزيادة قوة التحمل؛ لأنهما من أساسيات الحياة المملوءة بالمتاعب والمصاعب، فالإنسان الصابر قوي الشخصية لديه إرادة وعزيمة، وثقة بربه ونفسه عند كل بلاء. 

-----------------------------

1) أحمد عكاشة، الرضا النفسي الباب الملكي للصحة والسعادة: ط1.

2) محمد مهدي نجف، صحيفة الإمام الرضا (عليه السلام): 53.

3) محمد الريشهري، ميزان الحكمة: 2/ ٩٤١.

4) محمد بن الحسن الحر العاملي، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة:43.  

5) المجلسي، بحار الأنوار: 47/57.

6) الصدوق، من لا يحضره الفقيه: 3/409.

7) محمد الريشهري، ميزان الحكمة: 2/ 1.

8) الكليني، الكافي: 3/ 488.

9) محمد الريشهري، ميزان الحكمة: 3/2037.

10) الشيخ عزيز الله عطاردي، مسند الإمام الرضا (عليه السلام): 1/ ٣٠٣.

11) حسين بن محمد، نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: 1/ 122.

12) اغا جمال الخونساري، شرح غرر الحكم ودرر الكلم: 1/ 195.

13) محمد الريشهري، ميزان الحكمة: 2/٩٩٩.

14) محمد مهدي نجف، صحيفة الإمام الرضا (عليه السلام): 52.

15) المصدر نفسه: 67.

16) المصدر نفسه.

17) محمد الغروي، أمثال وحكم الإمام الرضا (عليه السلام): 441.

18) محمد الريشهري، ميزان الحكمة: 2/995.

19) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار: 85/ 36.