100%
الكلم الطيب

صور نبوية خالدة: كيف صنع التشبيه أثره في القلوب؟

الباحثة: مروة حيدر

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 207 – الصفحة (33)

 

يتميّز الحديث النبوي الشريف ببلاغته العالية وبيانه المؤثّر؛ إذ أُوتي النبي (صلى الله عليه وآله) جوامع الكلم، فكان كلامه قليل الألفاظ عظيم المعاني، ومن أبرز الأساليب البلاغية التي ظهرت في أحاديثه (صلى الله عليه وآله) أسلوب التشبيه، إذ شبَّه المعاني المعنوية بصور محسوسة، لتقريبها إلى الأذهان، فيفهمها الناس بسهولة ويتأثرون بها.

وقد حضر التشبيه بوصفه أداة بيانية بارزة في الموروث العربي شعرًا ونثرًا؛ ولأنه يرتبط بالانفعال أكثر من غيره من الأساليب، فقد اقترن بالحسّيّة، فكلما ازداد انفعال المتحدث، ظهر التشبيه الحسي في كلامه، عن طريق الجمع بين المشبَّه والمشبَّه به.

 

من العوامل التي تزيد من حدّة هذا الانفعال: الخوف، والغضب، والقلق، وحرص المتحدث على إيصال قصده بسرعة، فضلاً عن اعتماده على عناصر البيئة المحيطة لتوضيح المعنى.

وقد ورد التشبيه بأنواعه في الحديث الشريف، وكان يحمل وظيفة تعليمية واضحة؛ لذلك جاءت مفرداته قريبة من بيئة المتلقّي، مما يسهم في ترسيخ المعاني في الأذهان.

 

التشبيه لغةً واصطلاحًا:

لغةً: هو التمثيل أو المماثلة، يقال شبَّهتُ هذا بهذا تشبيها، أي: مثلته به(١) فـ (الشَّبَه والشبه والشبيه: المِثل، والجمع أشباه، وأشبه الشيء ماثله.. وتشابه الشيئان واشتبها أشبه كل واحد منهما صاحبه وشبهه إياه وشبهه، والتشبيه: التمثيل)(٢) والتشابه يعني: الاستواء(٣).

اصطلاحًا: هو الدلالة على مشاركة أمرٍ لأمرٍ آخر في وجه أو أكثر من وجوه(٤)، أو هو عقد مماثلة بين أمرين أو اكثر قصد اشتراكهما في صفة أو أكثر بأداة لغرض يقصده المتكلم، ويرى بعض اشتراكهما في صفة أو أكثر بأداة لغرض يقصده المتكلم، ويرى بعض البلاغيين التشبيه تمثيلاً.

فعبد القاهر الجرجاني (ت: ٤٧١هـ) يجد التمثيل ضربا من ضروب التشبيه، فهو يعد التشبيه عاماً والتمثيل أخصّ منه، فكل تمثيل تشبيه، وليس كل تشبيه تمثيلا ً(٥).

بينما جعل كل من الزمخشري(٦) وابن الأثير(٧) التشبيه والتمثيل مترادفين.

 

أغراض التشبيه (حين يتحوّل المعنى إلى صورة):

يُعدّ الغرضُ التشبيهي عاملًا مهمًّا في إضفاء الأبعاد الفنية والدلالية على الصور التشبيهية، إذ يحمل وظائف الخطاب، ويُبنى البعدُ الدلالي فيه على تركيبٍ مقصود، يتجلّى من خلاله البعدُ التداولي حاملًا للدلالات الإيحائية بأعمق معانيها، ولا تخرج أغراضُ التشبيه في الحديث النبوي الشريف عمّا قرّره البلاغيون من الأغراض المعروفة.

فمن هذه الأغراض: بيان إمكان المشبَّه وبيان حاله، كقوله (صلى الله عليه وآله): ((العلم خزائن ومفتاحها السؤال، فاسألوا رحمكم الله، فإنه يُؤجر أربعة: السائل، والمجيب، والمستمع، والمحبّ لهم))(٨).

والمراد تشبيه العلم في قلوب العلماء بالخزائن المستبهمة، فأسند أمراً غريباً إلى العلم (الخزائن) لا يمكن فهمه وتصوره إلا بالمثال، أو ذكر شبيه له متفق على إمكان وقوعه، بإسناد لفظ (المفتاح) لخزينة، فتوافقت دلالة المفتاح مع دلالة الخزينة، وتبينت بذلك صحة القياس.

وكذلك بيان حال المشبَّه، ومنه قوله (صلى الله عليه وآله): ((الحياء من الإيمان كالرأس من الجسد))(٩)، فقد كانت منزلة الحياء من الإيمان مبهمة وغير معروفه عند المخاطب، فأتى بمشبه به معروف، لتتضح صورة المشبه وتتجدد معالمه.

ومنها بيان مقدار حال المشبَّه، ومنه قوله (صلى الله عليه وآله): ((مُضَر صخرةُ الله التي لا تُنكَل))(١٠)، أي: جعل (صلى الله عليه وآله) مضر القبيلة، المعروفة بمنزله الصخرة الراسية أي: ثابتة في الدين ثبوت الصخرة، التي لا تتزحزح من مكانها.

ومنها تقرير حال المشبَّه في نفس السامع، ومنه قوله (صلى الله عليه وآله): ((إيّاكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب))(١١)، فقد شبّه الحسد بالنار من جانبين، الأول أكل السيئات للحسنات، والثاني أكل النار للحطب، وشبه بذلك لأنّ الحسد يجري في قلب الإنسان مجرى النار اللاهبة لاهتياجه وإحراقه، فأوضح بذلك حال المشبه في نفس السامع ومكن معناه من خاطره، ورسخه في نفسه، بإظهار الأمور المعنوية الذهنية في صور محسوسة استجاب لها ذهن السامع، وبذلك توضح الأمر للمتلقي.

وكذلك تزيين حال المشبَّه، ومنه قوله (صلى الله عليه وآله):  ((أنا مدينةُ العلم وعليٌّ بابها، ولن تُؤتَى المدينة إلا من بابها))(١٢)، فقد شبَّه (صلى الله عليه وآله) علمه بالمدينة المحصّنة التي لا يُنال ما فيها إلا من بابها، وأقام عليًّا (عليه السلام) مقامَ الباب الذي يُتوصل من جهته إليها، فكان في ذلك تصويرٌ بديع لمكانته بالنسبة إليه (صلى الله عليه وآله).

ومن الأغراض أيضًا تقبيح حال المشبَّه، إذ يؤدّي هذا الغرض وظيفةً إفهاميّة، عبر تصوير المشبَّه بصورةٍ منفّرة، إذا شُبِّه بما هو معروف بالمهانة والدناءة؛ تحقيرًا له وتقبيحًا، ومن ذلك قوله (صلى الله عليه وآله): ((مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، لا تدري أيهما تتبع))(١٣)، أي: أن حال المنافق منظور معروف يصاب بالخزي والنظرة الذليلة إليه، لما يلحق به من مهانة وقبح وتحقير، فمثله مثل الشاة العاثرة التي تخالف سير الغنم؛ بسبب ما يصيبها من انكسار، فبين الفرض التشبيهي سوء حال المنافق وقباحة فعله.

وأخيرًا، استطراف التشبيه وإبداعه، حيث يبرز البعد الجمالي للنص عبر تشبيهٍ جديدٍ أو نادر الحضور في الذهن، فيكسب المشبَّه طابعًا من الغرابة والتميّز،(١٤) ومنه قوله (صلى الله عليه وآله): ((الصوم جُنّة، والصدقة تُطفئ الخطيئة))(١٥).

وبذلك تتجلّى أغراض التشبيه في الحديث الشريف بوصفها أدواتٍ بيانية تجمع بين الإقناع والتأثير والجمال.

 

أنواع التشبيه (حين تتسع الصورة لطرائق الإدراك):

يتجلّى ثراء التشبيه في تنوّعه الذي يواكب تنوّع الإدراك الإنساني، ويكشف عن قدرة اللغة على الانتقال بين المحسوس والمجرّد، وبين ما يُرى وما يُستشعر، فالتشبيه هو وسيلة عميقة لإعادة تشكيل المعنى، وصياغته في صورة أقرب إلى الفهم وأشدّ تأثيرًا في النفس.

حين يتكئ التشبيه على طرفين من عالم الحسّ، تتشكّل صورة واضحة المعالم، تدركها الحواسّ بلا عناء، فيغدو المعنى مرئيًا أو مسموعًا أو ملموسًا، وكأنّه حاضر إزاء المتلقي، هذا النمط يمنح الخطاب بساطةً في التلقّي وقوّةً في الإقناع؛ لأنه يستند إلى ما هو مألوف في التجربة اليومية، ومن أمثلته في الحديث النبوي الشريف قوله (صلى الله عليه وآله): ((المسلمون سواسية كأسنان المشط))(١٦)، وقوله (صلى الله عليه وآله): ((الناس معادن))(١٧)، وقوله (صلى الله عليه وآله) أيضًا: ((الصوم جُنّة ما لم يخرقها))(١٨).

أمّا إذا ارتفع التشبيه عن دائرة الحسّ، ودخل حيّز المعاني المجرّدة، فإنّه يتحوّل إلى بناء ذهنيّ تتداخل فيه عناصر الخيال والشعور، وهو ما يُعرف بالتشبيه العقلي، وفي هذا السياق قد يستمدّ التشبيه صورته من الخيال الجمعي، حيث تتكوّن تمثّلات ذهنية لا تُرى بالعين لكنها راسخة في الوعي(١٩)، ومن ذلك ما ورد في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لأمراء جيشه: ((وستجدون آخرين للشيطان في رؤوسهم مفاحص، فاقلعوها بالسيوف))(٢٠)، فالمفحص: هو الموضع الذي تهيّئه القطاة لوضع بيضها، وهي صورة بيئية مألوفة لدى العربي، استُحضرت لتجسيد شدّة التمكّن والانغراس، وقد أدرك المتلقي العربي قبح الشيطان عن طريق ما استقرّ في وعيه الجمعي من دلالات الشرّ، فصار يُعبَّر عن شدّة الضلال بقولهم: "قد فرّخ الشيطان في رأسه" أو "عشّش في قلبه"، فجاء التعبير النبوي منسجمًا مع هذا الأفق الإدراكي.

وقد ينفذ التشبيه إلى عمق التجربة الوجدانية، فيجسّد ما يختلج في النفس من خوف أو رهبة أو قلق أو حب أو كره أو رضا أو غضب أو حقد أو حسد أو بغضاء، فتتحوّل المعاني إلى حالات شعورية حيّة تُعاش قبل أن تُفهم، ومن ذلك ما ورد في تصوير أهوال الآخرة، ومنه قوله (صلى الله عليه وآله): ((تُعرض للناس جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا))(٢١) حيث تتجلّى صورة مقترنة بالرهبة، تستدعي الإحساس قبل الإدراك، وتُحدث أثرًا عميقًا في النفس.

وعندما يختلف طرفا التشبيه، تنفتح أمامه إمكانات أوسع، إذ يغدو جسرًا يصل بين عالمين متباينين، وينقل المعنى من حيّز إلى آخر أكثر حضورًا وتأثيرًا، فإذا كان المشبَّه معنويًا والمشبَّه به محسوسًا، تجسّد المعنى في صورة حسّية تقرّبه إلى الإدراك، كما في قوله (صلى الله عليه وآله): ((الغضب جمرة توقد في جنب ابن آدم، ألم تروا إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه))(٢٢)، فالغضب معنى عقلي، والجمرة صورة حسّية، وبذلك يُرى الشعور كأنّه نار متّقدة، فتُدرك شدّته عبر آثارها الظاهرة في الجسد.

وعلى النقيض من ذلك، إذا كان المشبَّه محسوسًا والمشبَّه به معنويًا، ارتفع المحسوس إلى مستوى الرمز، واتّسع مجال التأويل، ومنه قوله (صلى الله عليه وآله): ((النساء حبائل الشيطان))(٢٣)، حيث يُحمَّل اللفظ المحسوس دلالاتٍ أعمق تتصل بالإغواء والاختبار، فيغدو التعبير بنيةً إيحائية تتجاوز ظاهرها إلى شبكة من المعاني المركّبة.

وفي ختام مقالنا هذا، نؤكد أنّ التشبيه النبوي أكثر من مجرّد أداة بيانية؛ إنّه رؤية تعبيرية عميقة تعيد تشكيل المعنى في صورة نابضة، تقرّبه إلى الفهم وتغرسه في الوجدان، فقد استطاع البيان النبوي أن يوظّف عناصر البيئة والحسّ والخيال ليبني صورًا، تختصر المعنى وتكثّف أثره، فتبلغ الغاية بأوجز لفظ وأبلغ تصوير.

إنّ سرّ خلود هذه الصور يكمن في قدرتها على ملامسة التجربة الإنسانية في كل زمان ومكان، إذ تظلّ قابلة للاستحضار كلما تجددت مواقف الحياة، وهنا تتجلّى وظيفة التشبيه بوصفه جسرًا بين المجرّد والمحسوس، وبين الفكرة والتجربة، فيغدو المعنى أقرب حضورًا، وأشدّ تأثيرًا.

وبذلك، يبقى التشبيه في الحديث النبوي شاهدًا حيًّا على عظمة البيان، ودليلًا على أن الكلمة حين تصدر عن وعيٍ صادق، تتحوّل إلى صورةٍ لا تُنسى، وأثرٍ يمتدّ في النفس طويلًا.

 

---------------------

  1. ابن منظور، لسان العرب، مادة (شبه).
  2. المصدر نفسه.
  3. الفيروز آبادي، القاموس المحيط مادة (شبه).
  4. الخطيب القزويني، الإيضاح في علوم البلاغة: ٢١٣.
  5. الجرجاني، أسرار البلاغة: ٨٤.
  6. الزمخشري، الكشاف: ٣/١٤٣.
  7. ابن كثير، المثل السائر: ٢/١٥٣
  8. الشريف الرضي، المجازات النبوية: ٢٠٩.
  9. مصدر نفسه: ٢٧.
  10. ظ: المصدر نفسه ٧٩.
  11. ظ: الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء: ٥/٢٦٤.
  12. الشريف الرضي، المجازات النبوية: ٢١٠.
  13. جلال الدين السيوطي، الجامع الصغير:٢ /٥٣٣.
  14. يحيى بن حمزة، الطراز: 1/٣٣٠.
  15. الشريف الرضي، المجازات النبوية: ١٨٩.
  16. المصدر نفسه: ٢١٢.
  17. ظ: صحيح البخاري: ٦/٧٦، مسند أحمد: ٢/٢٤٣.
  18. الشريف الرضي، المجازات النبوية: ٣١٤.
  19. ظ: محمد القزويني، الإيضاح: ٣٣٦.
  20. الشريف الرضي، المجازات النبوية:٥٥.
  21. صحيح البخاري:١٣/٣٥٨-٣٦٠.
  22. الشريف الرضي، المجازات النبوية،٢٠٣
  23. الشريف الرضي، المجازات النبوية،١٨٠؛ ظ: المنذري، الترغيب والترهيب: ٣/١٨٤.