100%
الكلمات الافتتاحية

أطول يومٍ في التاريخ

السيـد عيســى الخرســـان

الأميـــن العام

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 203 – الصفحة (5)

 

إنّ أيام الدنيا ليست متماثلة وإن تساوت في الساعات وعدد السنين والحساب، ويحصل أن يكون ليومٍ أو ليلةٍ من الأهمية والاستحقاق، ما ليس لغيرهما من أيام الدهر ولياليه، كما هو الحال مع ليلة القدر مثلًا التي فضّلها الرب الجليل عز اسمه على ألف شهر، وهو ما مقداره ثلاث وثمانون سنة ونيف من العبادة الخالصة والعمل الصالح.

وأحسبني لستُ من أهل الغلو إذا قلت بأنّ الشمس التي جعلها الله مصدرًا للحياة لأهل هذه الأرض، لتنتظر يومها الذي تضحي فيه بكامل وهجها وإشراقها، وهي تطلُّ على الثامن عشر من ذي الحجّة في كل عام، ذلك اليوم الذي ألقى بجناحيه على مشرق الأرض ومغربها.

  إنّ هذهِ الشمس التي رافقت بني البشر منذ أول عهدهم بها وحتى يوم الناس هذا، واستدارت وانعكفت على سننهم ومحاكيهم وأعمارهم، شهدت يومها الأطول في تاريخها عندما التحمت كفُّ النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله) التي تتصل عروقها بعروق النبيين والصدّيقين والصالحين المتجذرة في تاريخ الحق والفضيلة، بكفِّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) التي تورق من راحتها الشجرة الطيّبة للأئمة المعصومين الطاهرين، وثمرتهم الجنيّة التي سيتغذّى منها الشرف والكبرياء إلى نهاية الدهر، وكأن قرص الشمس لم يجد لحظةً أكمل من لحظة الالتحام هذه، ليدنو من أقتاب الإبل وغدير الماء وصعيد الصحراء، حتى يتعامد على تاريخ اللحظة وحاضرها، ويتسامى في مستقبلها، ليسجّل بذلك أطول يومٍ في التاريخ!

إنّ يوم الغدير الذي أرّخته الشمس، والتقى فيه اليوم الأول باليوم الأخير، هو العيد الذي باركه الله لآل محمّد (صلى الله عليه وآله) وشيعتهم ومحبّيهم، إنه اللحظة الشعائرية التي جرى خلالها كتابة الصفحة الثانية من كتاب الدنيا، في الوقت الذي استغرقت فيه كتابة الصفحة الأولى آلاف السنين!

وستلقي هذه اللحظة بإشراقاتها على المستقبل طال أم قصر، لأنها تمثّل اتحادًا ماهويًا للمعاني والمرادات الإلهية، حتى يظهر موعود البشرية الذي سيكمل مسيرة ذلك اليوم الذي لم تغادره الشمس، وإن تعاقبت عليه الليالي!

إنَّ عليًا (عليه السلام) الماثل في ضمائر المظلومين، والساكن في عيون الفقراء والمعدمين، هو نقطة الباء والالتقاء، وهو رأس كل فضيلة، وبداية كل شرف، وميثاق الحق الذي تعاهد عليه المؤمنون، وبذلوا دونه طريفهم وتلادهم.