100%
قُرَّة الأَعين

عدوٌّ خلف الجلد لماذا تدمر الحرب أجهزة الدفاع الطبيعية في أجساد صغارنا؟

 

أوس ستار الغانمي

هيئة استثمار كربلاء

المصدر: مجلة الولاية – العدد 205 – الصفحة (69)

 

في زحام الأخبار التي تضج بها شاشات التلفاز، وفي غمرة الإحصائيات التي تُسجل أعداد الشهداء، والجرحى، والبيوت التي استحالت ركاماً، يغيب عن المشهد رقمٌ خفي، وإحصائية صامتة لا تلتقطها كاميرات المراسلين.

إنها الحرب التي تشنها "الذكرى" ضد "الخلايا"، والمعركة التي تدور رحاها تحت جلود الأطفال الذين ظن الجميع أنهم "نجوا" لمجرد أن أجسادهم لم تلمسها شظية، ولم تنهش أطرافهم رصاصة، لكن الحقيقة التي يهمس بها العلم، وتصرخ بها ملامح الصغار الذابلة، تقول إن النجاة الظاهرية ليست سوى بداية لفصلٍ مرير من "الاستيطان البيولوجي" للصدمة.

 

ذاكرة الأنسجة:

يقول علماء علم النفس العصبي إنّ العقل البشري، وفي ذروة رحمة الله بعباده، يمتلك ميزة "الكبت"؛ وهي قدرة الطفل على طمر الذكريات البشعة في سراديب النسيان؛ لكي يتمكن من مواصلة اللعب، أو الذهاب إلى المدرسة، أو حتى الابتسام في وجه أمّه، لكن هذا "النسيان الذهني" ليس سوى خدعة بصرية، فبينما ينجح العقل في إغلاق الستار على مشهد الانفجار، تظل الخلايا المناعية، وكريات الدم البيضاء، وهرمونات الغدد الصماء، في حالة استنفارٍ دائم.

الجسد لا ينسى الارتجافة الأولى، ولا يغفر للرعد الذي هزّ أركان الطفولة، إنه يختزن الترددات الصادمة في ثنايا الأنسجة، ويحولها إلى "لغة كيميائية" قاسية تهاجم جدار المناعة من الداخل.

إننا إزاء ظاهرة "بيولوجيا القهر"، الطفل الذي عاصر الحرب يعيش في حالة "تأهب قصوى"، بالنسبة لجهازه العصبي، الحرب لم تنتهِ بوقف إطلاق النار، بل انتقلت لتعيش داخل شرايينه؛ هذا الاستنفار الدائم يستهلك مخزون "الطاقة الحيوية" التي كان يُفترض أن تُوجهه لنمو العظام، وتقوية الذاكرة، وبناء جدار دفاعي صلب ضد الفيروسات، بدلاً من ذلك تُهدر هذه الطاقة في ضخ هرمونات التوتر كـ "الكورتيزول" و"الأدرينالين" بكميات سامة، تحول الجسد الغض إلى ساحة حرب ميكروبية مفتوحة.

انكسار الدرع:

في الحالة الطبيعية، يُعد الكورتيزول حارساً أميناً، ينظم ضغط الدم ويواجه الالتهابات، لكن في ظروف الحرب، يتحول هذا الحارس إلى "عدوٍ حميم"، عندما يستمر تدفقه في دماء الطفل لأشهر أو سنوات نتيجة الخوف المزمن، فإنه يقوم بعملية "إبادة" ممنهجة للخلايا الليمفاوية، وهي الجنود الحقيقيون في جيش المناعة.

هنا تكمن المأساة؛ فالطفل الذي نجا من القصف، قد يسقط صريعاً أمام "إنفلونزا" عابرة، أو التهابٍ بسيط في الأمعاء، لأنّ جيشه الداخلي قد أُنهك في مطاردة أشباح الصدمة، الجسد المتذكر للرعب يرفض الاسترخاء، والرفض يعني الاستنزاف، والاستنزاف يعني انهيار المناعة، إنها حلقة مفرغة تبدأ بصوت طائرة، وتنتهي بجسدٍ هش يفقد قدرته على التمييز بين الصديق والعدو، ليبدأ أحياناً في مهاجمة نفسه فيما يُعرف بأمراض المناعة الذاتية، التي باتت تنتشر كالنار في الهشيم بين أطفال مناطق النزاع.

الأمعاء المنكوبة.. الدماغ الثاني الذي لا يكذب:

لا تتوقف الحرب عند حدود الجلد، بل تغوص عميقاً لتصل إلى "الدماغ الثاني" للطفل؛ جهازه الهضمي هناك، حيث تسكن 70% من القوة الدفاعية للإنسان، تشن الصدمة غارة شعواء على ما يُعرف بـ "الميكروبيوم" أو البكتيريا النافعة، هذه الكائنات الدقيقة هي التي تعلم جهاز المناعة كيف يفرق بين الغذاء والسم، وبين البكتيريا النافعة والجرثومة الغازية.

التوتر المزمن الذي يخلفه الرعب يغير كيمياء الأمعاء، ويحولها من بيئة حاضنة للحياة إلى وسطٍ ملتهب، تظهر "متلازمة الأمعاء المتسربة"، حيث تبدأ السموم بالتسلل إلى مجرى الدم، مما يضع الجهاز المناعي في حالة "هستيريا" دائمة.

هذا يفسر لماذا نجد أطفال الحروب يعانون من حساسيات مفرطة، واضطرابات هضمية مزمنة، ونحولٍ لا تفسره قلة الطعام وحدها، بل يفسره "الاحتراق الداخلي" للقلق الذي يسكن أحشاءهم.

وراثة الوجع:

لعل أخطر ما كشف عنه العلم الحديث في مجال "تخلق الجينات" هو أنّ أثر الحرب لا يمحوه الزمن، بل قد يورثه الآباء للأبناء، والصدمات العنيفة تترك "وشوماً كيميائية" على جينات الطفل، لا تغير تركيبها، لكنها تعطل مفاتيحها، إذ إنها تجعل جين "الهدوء" معطلاً، وجين "التحفز للمرض" مشتعلًا دائماً، هكذا يولد جيلٌ جديد يحمل في جيناته استجابة مناعية مشوهة، حتى لو ولد في خيمة بعيدة عن القصف، لأن جسد الأب أو الأم قد "تذكر" الحرب وطبعها في بويضاته ونطافه كوصيةٍ حزينة بالضعف والوهن.

الملاذ الروحي:

إزاء هذا التدمير البيولوجي الشامل، تبرز مسؤوليتنا الرسالية والتربوية في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، إن "الأمان" في منطقنا ليس مجرد غياب للخوف، بل هو "عبادة" و" حق أصيل"، عندما نقرأ في الأثر عن عظيم أجر المسح على رأس اليتيم، أو ضرورة ملاعبة الطفل وتأمين روعه، فنحن لا نتحدث عن سلوكٍ عاطفي مجرد، بل عن "هندسة بيولوجية" لإعادة ترميم المناعة.

إنّ لحظة الاحتضان الدافئة ترفع مستويات هرمون "الأوكسيتوسين" (هرمون الحب والأمان) في دم الطفل، وهذا الهرمون هو الترياق الوحيد القادر على إطفاء حرائق الكورتيزول.

إنّ غرس قيم التوكل، وربط قلب الصغير بخالقه، ومنحه شعوراً بالانتماء لبيئة إيمانية حاضنة، يقلل من حدة "الاستجابة الهرمونية" للرعب، فنحن بحاجة إلى تحويل مساجدنا، ومدارسنا، وبيوتنا إلى "واحات مناعية"، حيث تُرمم الروح؛ لكي يستعيد الجسد عافيته.

مسؤولية الجيل

إنّ الطفل الذي تنهش الحرب مناعته اليوم، هو الشاب الذي سيتعين عليه بناء الأمّة غداً، فإذا كان العقل قد نسي تفاصيل الفاجعة ليتمكن من العيش، فإن الجسد ما يزال يصرخ طالباً النجدة عبر الأمراض المتلاحقة والوهن المزمن؛ إنّ معركتنا مع العدو ليست في الجبهات فقط، بل في مختبرات الصحة النفسية، وفي أطباق الطعام المغذية، وفي الكلمات المطمئنة التي نهمس بها في آذان صغارنا قبل النوم.

يجب أنّ نعلم يقيناً أن "الجسد يتذكر"، ومهمتنا المقدسة هي أن نملأ تلك الذاكرة بآيات السكينة، وبصناعة الأمل، وببناء جدران دفاعية من الحب واليقين، لكي لا تظل الحرب "ساكنًا سريًا" تحت جلد أطفالنا، يسرق منهم عافيتهم بعد أن سرق منهم طفولتهم، إنها أمانة الله في أعناقنا، وحفظ النفس يبدأ من حفظ سكينتها.