100%
الصِّراطُ المُستقيم

من فكر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)

الباحث محمد باقر رحيم الحسناوي

النجف الأشرف

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 206 – الصفحة (58)

 

 

يظن كثيرون أن قوة الإلقاء موهبة فطرية لكن الحقيقة غير ذلك، إن من أعظم الخطباء في العصر الحديث حينما أثنى أحد الصحفيين على قدرته على الارتجال، فأجابه مبتسمًا: "لقد استغرقت هذه الكلمات مني ثماني ساعات في التحضير!" يقول الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام): ((أحسن الكلام ما زانه حسن النظام))(1) إن الإلقاء المؤثر ليس صدفة، بل بناء واعٍ له قواعده لكل من أراد أن يملك القلوب قبل الآذان.

 

عبر استحضار أقوال سيد البلاغة (عليه السلام)، نسعى إلى أن نقدم رؤية متكاملة لفن الإلقاء، الذي لا يقتصر على البلاغة وحدها، بل يتجاوزها ليصبح أداة للتأثير والإلهام وبناء الوعي، بما يجعل الكلمة جسراً يربط بين المتحدث والمستمع في رحلة تواصل حية.

 الاستعداد النفسي

الخوف غريزة طبيعية، وكذلك الخوف من مواجهة الجمهور، ولكن اذا أعاق الانسان عن الحركة والتقدم هنا المشكلة، قال ابو الحسنين(عليه السلام): (ومن هاله ما بين يديه نكص على عقبيه)(2).

هذه الكلمات العميقة تختصر درسًا نفسيًا، فالخوف يشلّ التقدّم، ويجعل المرء يتراجع إلى الوراء بدل أن يخطو بثقة إلى الأمام، لأن الخائف لا يرى الحقيقة كما هي، بل كما يصوّرها له اضطرابه الداخلي.

ولذلك قال أخُ رسول الله (عليه السلام): (إِذَا هِبْتَ أَمْراً فَقَعْ فِيهِ، فَإِنَّ شِدَّةَ تَوَقِّيهِ أَشَدُّ مِنَ الْوُقُوعِ فِيهِ)(3)، أي أن مواجهة الخوف هي السبيل الوحيد لتجاوزه، املأ قلبك يقينًا وتوكّلًا على الله، فكلما ازداد يقينك، انحسر خوفك.

فلا تبحث عن عالمٍ خالٍ من المخاوف، بل عن قلبٍ قادرٍ على المواجهة، لأنك حين تقف بثبات أمام ما كنت تهابه، ستكتشف أنه لم يكن يستحق خوفك أصلًا.

وأشهر المحاضرين المحترفين تحدث لهم أخطاء، فإن الإلقاء الاحترافي لا يعني غياب الأخطاء، بل القدرة على تجاوزها بلباقة وثقة، توقّع كل ما قد يحدث: سؤال مفاجئ، ملاحظة حادّة، أو حتى لحظة ارتباك، فالمتحدث المتمكن هو من يحوّل الموقف الصعب إلى فرصة للتألق، فالتفكير المسبق يحوّل الفوضى إلى فرصة، فاستعد نفسيًا.

تعريف بالنفس وتأثيرها بالجمهور

إن من أولى خطوات الإلقاء الناجح أن يُعرّف المتحدث بنفسه أمام جمهوره، فذلك ليس أمرًا شكليًا، بل ضرورة تواصلية ونفسية، فحين يعرف المستمع مَنْ المتحدث، وما مقامه وما اختصاصه وما الغاية من حديثه، ينشأ في داخله احترام وثقة تُمهّد لتلقّي الرسالة بوعي وتأثر، ونرى ذلك في كلام باب مدينة العلم وأهل البيت (صلوات الله عليهم) هذه الطريقة في الالقاء، حين كانوا يقدّمون أنفسهم في المواقف التي تتطلب إيضاح المقام والهوية، لا للتفاخر ولا للتعالي، بل لتثبيت الحق، وتعزيز التأثير، وتنبيه العقول، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) ((أنا وضعت في الصغر بكلاكل العرب، وكسرت نواجم قرون ربيعة ومضر، وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة... أرى نور الوحي والرسالة ، وأشم ريح النبوة))(4)

وتقول السيدة الزهراء (عليها السلام) في خطبتها المعروفة بالمسجد النبوي: ((أيّها الناس، اعلموا أنّي فاطمة، وأبي محمّد (صلى الله عليه وآله)، أقول عوداً وبدواً، ولا أقول ما أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شططاً))(5).

وكذلك الإمام زين العابدين (عليه السلام)حين وقف في مجلس يزيد بعد فاجعة كربلاء قائلاً: ((من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي))(6).

هذه الشواهد تُرشدنا إلى أن التعريف بالنفس ليس تباهيًا، بل تأكيدٌ للهوية ومفتاحٌ للتأثير فالمتحدث حين يقدّم نفسه بثقة وصدق، يوقظ في المستمع احترامًا فطريًا يجعله أكثر استعدادًا للإصغاء والتفاعل، وليس مجرد مقدّمة لفظية.

التحضير الجيّد أساس الإلقاء المؤثّر

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): ((أحسن الكلام ما زانه حسن النظام))، فالإعداد الجيد ليس ترفًا، بل هو ضرورة لكل من يسعى إلى إلقاء ناجح ومؤثر، فالكلمة وإن كانت صادقة تفقد قوتها إن لم تُقدّم في إطار من التنظيم والتخطيط، إن التحضير هو الفن الذي يحوّل الفكرة من مجرد خاطر إلى رسالة تُلهم وتُقنع.

ويبدأ التحضير من اختيار الموضوع المناسب، واختيار الموضوع بدوره ينطلق من تحديد الهدف، يقول الصِّدِّيق الأكبر (عليه السلام): ((لا تتكلمن إذا لم تجد للكلام موقعاً))(7).

أي لا تنطق إلا حين يكون لك مقصد وغاية، فالمتحدث الذي لا يعرف وجهته كمن يسير في طريق بلا بوصلة؛ كل الدروب ستقوده إلى لا شيء، فقبل ان تقف أمام جمهورك، اسأل نفسك بصدق: ما الذي أريد أن أُحدثه بكلامي؟

فحين تتضح البوصلة يصبح إعداد المحتوى أكثر تسلسلا، وتنظيم الأفكار أكثر دقة، وتأثير الكلمات أعمق وأقوى، إن الإلقاء الناجح لا يبدأ على المنصة، بل يبدأ في مرحلة التحضير، حيث تُبنى الأفكار، ويُصاغ الإلهام، ويُصقل الخطاب، ليصل إلى القلوب والعقول معًا.

فهم الجمهور يصلك الى خطاب مؤثر:

اعلم أن أعظم الخطب قد تفشل إن وُجّهت إلى جمهورٍ لا يُناسبها، فالكلمة لا تؤتي ثمارها إلا إذا زُرعت في التربة المناسبة، الفاروق الأعظم (عليه السلام) يصف تفاوت وعي الناس في ما بينهم فيقول: ((يا كميل بن زياد، إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها))(8)، إن الناس متفاوتون في الفهم والادراك والعلم، فيجب أن نتعامل مع هذا التفاوت بشكل يراعي جميع طبقات الجمهور من خلال تطبيق قوله (عليه السلام): ((أحسن الكلام ما زانه حسن النظام، وفهمه الخاص والعام))(9).

وثمة قاعدة بليغة تجمع بين جمال الصياغة وعمق المعنى، وهي مبدأ لكل من أراد أن يكون خطابه مؤثرًا وشاملًا، فالكلام المتقن ليس في زخرفته، بل في قدرته على أن يُفهَم من قِبَل الجميع، سواء أكان العالم أم المتعلم المختص أم العامّي.

وقد تمتلك علمًا عميقًا أو مصطلحات دقيقة في مجالك، لكن إن لم تُحسن تبسيطها، فلن تصل رسالتك، فالكلمة المتعالية على الأفهام لا تصنع أثرًا، والمأثور عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم))(10)، فاجعل خطابك كالماء العذب، ينحدر من الجبال إلى السهول، يصل إلى كل قلب من دون عناء، فالفهم الحقيقي لجمهورك مهم جداً، اسأل نفسك قبل أن تبدأ: من هم؟ ماذا يريدون أن يسمعوا؟ وما الذي يحركهم؟

فما يُقنع أحدهم، قد لا يُحرّك في الآخر ساكنًا، فالجمهور ليس كتلة واحدة، بل أربعة أنماط غالباً تحتاج إلى مفاتيح مختلفة لتصل للعقول:

المؤيّد:شاركه الحماس، وامنحه طاقة الاستمرار، فالتشجيع يُضاعف الإيمان بالفكرة.

المعارض: لا تواجهه، بل احتضن منطقه، واحتجّ عليه بما يؤمن به هو، لا بما تؤمن به أنت.

المحايد: خاطبه بالعقل والأدلة، فهنا المنطق هو اللغة الوحيدة التي تُقنع.

اللامبالي: وهو الأصعب، يحتاج إلى شرارة توقظه لبدايةٍ صادمة، أو قصةٍ مشوقة، أو حقيقةٍ تلامس وجدانه.

الكلمة طاقة لها صوت وجسد:

الكلمة ليست صوتًا يُقال فحسب، بل طاقة تُغيّر اتجاه القلوب والعقول، قد تُسعد إنسانًا أو تُحبطه، تفتح بابًا أو تُغلق آخر.

يُروى أن رجلًا أعمى جلس على جانب الطريق، وكتب على لافتته: "أنا أعمى، أرجوكم ساعدوني"، ومع ذلك مرّ الناس دون أن يلتفت إليه أحد، حتى جاءت امرأة وبدّلت عبارته لتكتب: "إنه يوم جميل، لكنني لا أستطيع رؤيته"، فما إن قرأها المارّة حتى انهالت عليه المساعدات! لم يتغيّر حال الرجل بل تغيّرت كلماته، فتحوّل وقعها من طلب إلى إحساس، ومن شكوى إلى تجربة إنسانية لامست القلوب، فحين تقول "لا تخف"، تُذكّر المستمع بالخوف، ولكن حين تقول "كن شجاعًا"، فإنك تُوقظ فيه الإقدام، استبدل "لا تفشل" بـ "ستنجح"، و"لا تقلق" بـ "ثق بنفسك"، فالكلام الإيجابي يبني الوعي قبل أن يصنع الفعل، فاختر كلماتك كما يختار الرسام ألوان لوحته.

وأيضاً يجب أن تؤمن بما تقول ليظهر ذلك في حماسك وتعابيرك وصوتك ،لا تكن مجرد ملقٍ للمعلومات، بل واثقًا بما تقول محبًا له، عن إمام المتقين(عليه السلام)أنه قال: ((الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان))(11).

تشير الدراسات الحديثة إلى أن 55% من أثر الخطاب يأتي من لغة الجسد و38% من نبرة الصوت، أما الكلمات نفسها فلا تتجاوز 7% فقط من التأثير الكلي، وهذا يعني أن المتحدث لا يُقاس فقط بما يقول؟ بل كيف يقول.

وقد أشار ساقي الكوثر (عليه السلام) إلى هذا البعد العميق في التواصل الإنساني بقوله: ((مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً، إِلَّا ظَهَرَ في فَلَتاتِ لِسانِهِ وَصَفَحاتِ وَجْهِهِ))(12).

فما يختلج في النفس لا يخفى على الملامح، إذ تعبّر ملامح الوجه وحركات الجسد عمّا يضمره القلب، ومن هنا تكمن قوة الإلقاء الحقيقية في انسجام الداخل مع الخارج، وفي توافق المشاعر مع التعبير.

فالصوت في الإلقاء هو روح الخطاب يقال: "الكلمات بلا نغمة كالعطر بلا رائحة" والصوت الثابت الرتيب يُميت المعنى مهما كان جميلًا، ارفع نبرتك حين تتحمس، واهدأ حين تتأمل، وأسرع لتُثير الحماسة، وأبطئ لتعطي شعورا بالحزن.

الصوت ليس مجرد وسيلة لنقل الكلمات، بل جسر تعبر عن طريقه المشاعر إلى القلوب، هو أداة توجيه عاطفية، تجعل المستمع يعيش ما تقول، لا يسمعه فقط، ولا يكتمل الإلقاء المؤثر من دون حضور الجسد، فهو اللغة التي لا تُقال، ولكنها تُفهم بوضوح، تحركْ بثقة وابتسمْ بصدق واجعلْ خطواتك متزنة، يجب أن تكون كل حركة تخدم المعنى لا أن تشتت الانتباه، فالجمهور لا يسمعك فحسب، بل يراك ويشعر بك، إن لغة الجسد الصادقة تعزز مصداقيتك، وتمنحك حضورًا آسِرًا.

جمال الافتتاح وروعة الختام في الإلقاء المؤثر:

البداية سهم، إن أصاب أسر القلوب، وإن أخطأ شتّت العقول، يقول الإمام علي (عليه السلام): ((تكلموا تُعرفوا، فإن المرء مخبوء تحت لسانه))(13)

فالكلمة الأولى ليست مجرد افتتاح، بل هي مرآة المتحدث، تكشف علمه ووعيه وثقته، ابدأ بسؤال مثير، أو رقم صادم، أو قصة قصيرة، مثال تحدث احدهم قال: "الملاريا تقتل مليون شخص سنويًا"، ثم فتح وعاءً زجاجيًا وقال: "سأطلق الآن بعض البعوض هنا، فلا داعي أن يعيش الفقراء هذه التجربة وحدهم!"، لقد ربط الجمهور بالموضوع قبل أن يبدأ شرحه.

وكما قال لسان الصّدق (عليه السلام) في بداية خطبته: ((الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعماءه العادون، ولا يؤدي حقه المجتهدون))(14)، فأن محاولة البشر مدح الله لا تكتمل، فقدرات العقول محدودة عن الإحاطة بعظمة الله، إن نعمه لا تُعد ولا تُحصى؛ فهي كثيرة ومتجددة ومتتالية، وأن العبادات والأعمال التي نقوم بها من شكر وحمد لا تُعتبر أداًء كاملًا لحق الله، لأن هذه الأعمال نفسها مستمدة من نِعَم الله وفضله، وهنا فإن إمام الموحدين (عليه السلام) قد اثار فضولنا وشوقنا لتعرف على عظمة الله، مما شوق الاسماع لمعرفة المزيد.

أما النهاية فهي آخر ما يبقى في الذاكرة، قال النَبَأُ العظيم (عليه السلام) في آخر عهده لمالك الاشتر (رضي الله عنه): ((وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا واستوثقت به من الحجة لنفسي عليك، لكيلا تكون لك علة عند تسرع نفسك إلى هواها))(15)، هنا الإمام يختم رسالته لمالك (رضي الله عنه) بشكل قوي، يجعله الوالي، إذ يعيد ويتأمل في كل ما سبق من كلامه.

ختامًا:

إن فنّ الإلقاء المؤثر في الكلمة من فكر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ليس موهبة فطرية فحسب، بل علم وفنّ يقوم على الإعداد الواعي وفهم النفس والجمهور، فأهمية الاستعداد النفسي وتجاوز الخوف من الجمهور وضرورة التعريف بالنفس لإيجاد الثقة والتواصل الفعّال، وأيضاً أثر التحضير الجيد وتنظيم وفهم الجمهور مفتاح الخطاب الناجح، لأن الناس متفاوتون في الوعي والفهم، وأن الكلمة طاقة حيّة تتجاوز حدود الصوت، فهي قادرة على الإلهام أو الإحباط بحسب طريقة عرضها ونبرة قائلها، وأن لغة الجسد والصوت تشكلان جزءًا كبيرًا من التأثير، وأخيرًا، أهمية الافتتاح المميز والخاتمة القوية في الإلقاء، لأن البداية تشدّ الانتباه والنهاية تترك الأثر.

إن الإلقاء الناجح هو مزيج من الصدق، والفهم، والإعداد، وروح الكلمة، كما أرشد إليه الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، لتكون الكلمة رسالة حياة، لا تُقال فحسب، بل تُشعر وتُؤثّر.

 

 

--------------
1- الكافي، الكليني : ٢ / ١١٧

2- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ: 475.

3- المصدر نفسه: 132.

4- نهج البلاغة: 2/156.

5- المجلسي، بحار الانوار: 29/223.

6- أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين: 33.

7- محمد الريشهري، ميزان الحكمة: 3/2734.

8- نهج البلاغة: 4/35.

9- الريشهري، ميزان الحكمة: 1/290.

10- الفيض الكاشاني، الوافي: 1/108.

11- ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 20/287.

12- نهج البلاغة: 4/7.

13- المصدر نفسه: 4/93.

14- المصدر نفسه: 1/14.

15- المصدر نفسه: 3/110.