تُعَدُّ التربية الدينية من أبرز الغايات التي تسعى التعاليم الإسلامية إلى تحقيقها، ويُشكّل القرآن الكريم وأقوال أهل البيت (عليهم السلام) المصدرين الأساسيين في بيان أسسها وتحديد معالمها، وفي هذا السياق، يحتلّ نهج البلاغة مكانةً متميّزة بوصفه موسوعةً ثريّةً بالمعارف العقدية والأخلاقية والتربوية، إذ يقدّم تصوراً متكاملاً للإنسان النموذجي الذي تنشده الرسالة الإسلامية.
وتُعَدُّ خطبة المتقين من أبرز خطب نهج البلاغة وأعمقها مضموناً في المجال التربوي؛ فقد ألقاها الإمام علي(عليه السلام) استجابةً لطلب همّام، فصوّر فيها صورةً شاملةً للمتقين، مبيِّناً خصائصهم الروحية والأخلاقية والسلوكية، ولا يُقدَّم المتقون في هذه الخطبة بوصفهم أصحاب فضائل أخلاقية فحسب، وإنما باعتبارهم أفراداً تخرّجوا في المدرسة الإلهية، فاجتمع في شخصياتهم الإيمان الراسخ، والعبادة الواعية، ومجاهدة النفس، وتحمل المسؤولية الاجتماعية.
وانطلاقاً من ذلك، نسعى في هذا المقال ـ اعتماداً على المنهج الوصفي التحليلي ـ إلى استكشاف أهمّ مقوِّمات التربية الدينية الواردة في خطبة المتقين، والكشف عن أثرها في بناء شخصية المؤمن وصياغة هويته الإيمانية والأخلاقية وفق الرؤية الإسلامية التي يعرضها الإمام علي (عليه السلام).
مقوِّمات التربية الدينية في خطبة المتقين:
تُمثِّل التربية العقدية وترسيخ اليقين أولَ مقوِّمٍ وأساسَه في البناء التربوي الذي تعرضه خطبة المتقين، فالإمام علي (عليه السلام) يُرجِع جميع الفضائل التي يتحلّى بها المتقون إلى نوع رؤيتهم لله تعالى وللوجود، إذ يقول: ((عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ))(1)، ويدلّ هذا النص على أنّ عظمة الله سبحانه قد استقرّت في نفوسهم استقراراً جعل كلَّ مظاهر الدنيا ومغرياتها تبدو ضئيلةً في أعينهم أمام جلال الخالق وعظمته، ومن ثمّ، يتّضح أنّ التربية الدينية في منظور الإمام (عليه السلام) لا تنطلق من إصلاح السلوك فحسب، وإنما تؤسَّس ابتداءً على تقويم الرؤية الفكرية وبناء التصوّر العقدي السليم للإنسان تجاه الله والكون والحياة، ويؤكد القرآن الكريم هذا المعنى حين يجعل المعرفة الإلهية منبع الخشية الحقيقية وأساس العبودية الصادقة، قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: 28]، ولذلك فكلّما ازداد الإنسان معرفةً بالله تعالى وتعمّقاً في إدراك صفاته وآلائه، تجلّت الآثار التربوية لهذه المعرفة بصورة أوضح في سلوكه ومواقفه.
ومن أبرز تجليات هذه التربية العقدية اليقينُ بعالم الغيب والإيمانُ الجازم بالآخرة، وفي هذا السياق یقول الإمام علي (عليه السلام): ((فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ))(2)، فالمتقون يمتلكون من رسوخ اليقين بوعود الله تعالى ما يجعلهم يتعاملون مع الجنّة والنار بوصفهما حقيقتين مشهودتين لا غيباً منتظراً، حتى كأنّهم يعاينونهما رأي العين، ويعدّ هذا الوصف تجسيداً عمليّاً لقوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: 3]، إذ إنّ الإيمان بالغيب لا يؤتي ثماره التربوية إلا إذا ارتقى إلى مرتبة اليقين الراسخ الذي يوجّه السلوك ويضبط المواقف، وقد أكد الإمام علي(عليه السلام) هذه الحقيقة في قوله: ((اليَقِينُ رَأْسُ الدِّينِ))(3)، الأمر الذي يدلّ على أنّ اليقين يمثّل الأساس الذي تقوم عليه سائر القيم الدينية والأخلاقية، ومن ثمّ، فإنّ التربية الدينية إذا خلت من بناء اليقين وترسيخه في النفس، غدت محصورةً في مستوى التدين الشكلي والممارسات الظاهرية التي تفتقر إلى العمق والتأثير.
ويأتي بعد ذلك مقوِّمُ التربية العبادية والروحية بوصفه أحد المرتكزات الأساسية في شخصية المتقين، فقد وصف الإمام علي(عليه السلام)حالهم في الليل بقوله (عليه السلام): ((أَمَّا اللَّيْلُ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِينَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلًا))(4)، وهو وصف يبرز عمق ارتباطهم بالعبادة القائمة على التلاوة الواعية والتدبّر المتأمّل في آيات القرآن الكريم، ثم يبيّن الغاية التربوية من هذه الممارسة التعبدية بقوله (عليه السلام): ((يَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ))(5)، أي: إنّهم يجعلون من القرآن وسيلةً لمعالجة أمراض النفوس وآفات القلوب، فيستمدّون منه أسباب الإصلاح والتزكية والهداية.
وتنسجم هذه الرؤية مع قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ)[يونس: 57]، إذ يقدّم القرآن الكريم نفسه باعتباره مصدراً للهداية ودواءً لأدواء النفس البشرية، كما تتوافق مع ما ورد عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) من قوله: ((أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ التَّفَكُّرُ))(6)، بما يؤكد أنّ قيمة العبادة لا تكمن في صورتها الخارجية فحسب، وإنما فيما تُحدثه من وعي وتأمّلٍ وتحولٍ داخلي في الإنسان، وبناءً على ذلك، فإنّ العبادة في المنظومة التربوية للإمام علي(عليه السلام) لا تُختزل في أداء طقوس وشعائر ظاهرية، وإنّما تُعدّ أداةً فاعلةً في تهذيب النفس، وترقية الروح، وبناء الإنسان المؤمن القادر على تحقيق التوازن بين علاقته بربّه وعلاقته بذاته ومجتمعه.
ويتمثّل المقوِّم الثالث في تزكية النفس والمراقبة الذاتية المستمرة، وفي وصف المتقين يقول الإمام علي (عليه السلام): ((فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَمِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ))(7)؛ أي: إنّهم لا يكفّون عن محاسبة أنفسهم ومراجعة أعمالهم، ويخشون التقصير مهما بلغت طاعاتهم وأعمالهم الصالحة، وتكشف هذه الخصيصة عن حضور روح النقد الذاتي والمراقبة الداخلية في شخصياتهم، وهي من المبادئ المحورية في البناء التربوي الإسلامي، فالتربية لا تكتمل بمجرد الالتزام الظاهري بالتكاليف الشرعية، وإنما تستلزم وعياً دائماً بالنفس ومتابعةً مستمرة لمسارها الأخلاقي والإيماني.
وقد ربط القرآن الكريم الفلاح الحقيقي بتزكية النفس، فقال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) [الشمس: 9]، ما يدلّ على أنّ تهذيب النفس وتنقية باطن الإنسان من الرذائل يُعدّان شرطاً أساسياً لتحقيق الكمال الإنساني، كما ورد عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) قوله: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُحَاسِبْ نَفْسَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ))(8)، وهو نصّ يؤكد أهمية المحاسبة اليومية باعتبارها آلية تربوية تحفظ الإنسان من الغفلة والانحراف، ومن المنظور التربوي، فإنّ هذه المراجعة المستمرة للنفس تُبقي الإنسان في حالة دائمة من الإصلاح والترقي، وتحصّنه من آفات العجب والاغترار بالنفس، وتدفعه إلى مزيد من السعي نحو الكمال الأخلاقي والروحي.
أما المقوِّم الرابع فيتمثّل في التربية الأخلاقية والاجتماعية، فالإمام علي(عليه السلام) يعرض المتقين بوصفهم أنموذجاً أخلاقياً تتجلّى في سلوكهم الاجتماعي أسمى القيم الإنسانية، إذ يقول (عليه السلام): ((يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَيُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ))(9)، ويعكس هذا النص ذروة النضج الأخلاقي؛ لأنّ الإنسان لا يقتصر فيه على مقابلة الإحسان بالإحسان، وإنما يرتقي إلى مستوى التعامل الأخلاقي حتى مع من أساء إليه أو حرمه حقّه أو قطع صلته به، ومن هنا تتجلّى حقيقة التربية الدينية بوصفها قدرةً على تجاوز الانفعالات الشخصية وتحويل القيم الأخلاقية إلى سلوك عملي في مختلف العلاقات الاجتماعي، ويتّسق هذا المعنى مع قوله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 134]، إذ يربط القرآن بين ضبط الانفعال والعفو والإحسان باعتبارها مراتب متكاملة في البناء الأخلاقي، كما أكد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) المركزية التربوية للأخلاق في الرسالة الإسلامية بقوله: ((إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ))(10)، وبناءً على ذلك فإنّ التربية الدينية في الرؤية العلوية لا تبلغ غايتها المنشودة ما لم تتمثّل آثارها في التعامل مع الآخر، وصيانة حقوق الناس، وبناء العلاقات الاجتماعية على أساس الرحمة والعفو والإحسان.
ومن جهة أخرى، يُعَدُّ ذكر الله تعالى أحد الأركان الأساسية للتربية الدينية في خطبة المتقين، وفي هذا السياق يقول الإمام علي(عليه السلام): ((يُمْسِي وَهَمُّهُ الشُّكْرُ وَيُصْبِحُ وَهَمُّهُ الذِّكْرُ))(11)؛ فالمتقي يختم يومه بشكر الله تعالى على نعمه، ويستقبل يومه الجديد بذكره واستحضار حضوره في القلب والوجدان، وترتبط هذه الحالة الإيمانية ارتباطاً وثيقاً بقوله تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28]، إذ يُمثِّل الذكر مصدراً للسكينة النفسية والاستقرار الروحي، ولا يُراد بالذكر هنا مجرد الترديد اللفظي للأذكار والأوراد، وإنما يُقصد به حالة الوعي الدائم بالله تعالى واستحضار رقابته وهدايته في مختلف شؤون الحياة، ومن ثمّ، يغدو الذكر قوةً موجِّهةً للسلوك الإنساني، تضبط القرارات والمواقف، وتحول من دون الوقوع في الغفلة أو الانجراف وراء الأهواء والانحرافات.
خلاصة القول، إنّ خطبة المتقين تقدّم منظومةً تربويةً متكاملةً ومنسجمةً تقوم على جملة من المرتكزات الأساسية، في مقدمتها الإيمان الراسخ واليقين، والتربية العبادية والروحية، وتزكية النفس والمحاسبة الذاتية، والتربية الأخلاقية والاجتماعية، فضلاً عن الذكر الدائم لله تعالى، وتتكامل هذه المقوِّمات فيما بينها لتشكل أنموذجاً شاملاً للإنسان المتقي الذي يجمع بين سلامة العقيدة، وصفاء الروح، واستقامة السلوك، وحسن العلاقة بالله تعالى وبالناس، وينطلق هذا النموذج من أصوله الراسخة في القرآن الكريم والسنّة النبوية، الأمر الذي يجعل خطبة المتقين مرجعاً أساسياً في استكشاف معالم التربية الإسلامية وفهم أسسها في الفكر العلوي.
------------------------
1) نهج البلاغة، الخطبة 193.
2) المصدر نفسه.
3) ابن شعبة الحراني، تحف العقول:92.
4) نهج البلاغة، الخطبة 193.
5) المصدر نفسه.
6) المجلسي، بحار الأنوار: 67/73.
7) نهج البلاغة، الخطبة 193.
8) الكلیني، الكافي: 2/453.
9) نهج البلاغة، الخطبة 193.
10) المجلسي، بحار الأنوار: 68/382.
11) نهج البلاغة، الخطبة 193.