100%
حتى يتفقهوا

التبنّي في ضوء الفقه الإمامي

السيد جاسم عبد الأمير البوحمد

الحوزة العلمية/ النجف الأشرف

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 204 – الصفحة (23)

 

 

إن ظاهرة التبنّي متجذرة إلى زمن بعيد في حياة المجتمعات البشرية، كما يظهر في بعض الآيات القرآنية التي جاءت تتحدث عن بعض الأنبياء، ومنهم  يوسف وموسى (عليها السلام)، إذ كانا صغيرين وقد ابتعدا عن أهلهما فالتقطهما بعض الناس في زمن الفراعنة؛ ليتخذوهما ولدين بالتبنّي، كما بيّن القرآن الكريم قصتيهما في آيات متعددة.

 

الآية الأولى: قال تعالى وهو يبين حال نبي الله يوسف (عليه السلام)، وقد صار بيد عزيز مصر الذي اشتراه، وهو بدوره خاطب زوجته بإمكانية اتخاذ هذا الغلام ولدًا لهما بالتبنّي، وقد قيل إن العزيز كان عقيمًا، (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أو نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) [يوسف: 21]. فدلّ هذا النص على وجود ظاهرة التبنّي في زمن يعقوب النبي (عليه السلام) ولعلها أقدم من هذا التاريخ بكثير.

الآية الثانية: قوله تعالى في الآية التي تتحدث عن زمن متأخر عن زمن يوسف النبي (عليه السلام)وهو زمن نبي الله موسى (عليه السلام) يوم كان طفلًا صغيرًا وقد ألقته أمه في البحر بعد أن جعلته في تابوت، وكان هذا بوحي من الله تعالى، ومن أجل غاية وهدف إلهي وهو القضاء على فرعون ونصرة المظلومين، فالتقطه آل فرعون ثم تبنّوه: (وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أو نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)[ القصص: 9].

ويعدّ التبنّي من المسائل التي لا بدّ من التوقف عندها وبيان الموقف الفقهي لأبرز حالاته، إذ سنسلط الضوء في هذا المقال على التبني على وفق فقهاء الإمامية، وسأقسم المقال على ثلاثة مطالب وبحسب ما يأتي:

المطلب الأول: تعريف التبنّي

أولًا: التبني لغة: يعرّف التبني لغة كما ذكر الخليل بن أحمد الفراهيدي: "والبنوّة: مصدرُ الابْنِ، ويُقال: تبنّيتُه، إذا ادّعيت بُنُوّته.. والنِّسبةُ إلى الابناء: بَنَويٌّ، وإنْ شئت فابناويّ، نحو أعرابيّ يُنْسَب إلى الأَعراب"(1).

إلى غير ذلك من الكلمات التي وردت في مجموعة كبيرة من قواميس اللغة ومعاجمها، وفي أبواب متنوعة وعديدة، والتي وإن اختلفت في ألفاظها أو تعابيرها، إلا أنها اتفقت على معنى واحد للفظ التبنّي وهو أن يتخذ شخص ولد غيره ابناً له، سواء كان هذا الولد معلوم النسب أم مجهول النسب، كما هو واضح من إطلاق التعريف اللغوي، والذي سيتضح فيما بعد أيضاً.

ثانيًا: الاصطلاح: نأتي إلى ما ذكره كلٌ من فقهاء الشريعة وعلماء القانون من تعريف لمصطلح التبنّي، لنعرف الموضوع الذي يرتب عليه كل من الفقهاء والقانونيين مجموعة الأحكام الخاصة به، وعليه سيكون حديثنا في هذا المجال من جهتين رئيستين: جهة فقهية شرعية، وجهة قانونية وضعية، وسيتضح لنا قول كل جهة ورأيها، مما جاء في كتب الفقه والقانون التي تطرقت لمصطلح التبنّي.

1- مصطلح التبنّي عند فقهاء الإمامية:

عرفه المشكيني قائلا: "التبنّي تفعل من البنوّة وهو اتخاذ الشخص ولد غيره ابناً له، وكان من أعمال الجاهلية ورسومها، فكان يأخذ الرجل ابن غيره ويتخذه ابناً لنفسه كالابن النسبي، ويرتب عليه جميع آثار البنوّة من التوارث والمحرمية لزوجته والمحرمية لأولاده وسائر أرحامه ويسمونه دعيا"(2).

2- التبنّي في اصطلاح القانونيين.

ذكر المستشار الدكتور عبد الفتاح مراد أن التبنّي: "هو عقد يُنشئ صلة مجازية بين شخصين يدعى أحدهما المتبنّي، والآخر المتبنّى، على أن يترتب على تبني القاصر، نقل ولاية أبيه عليه إلى متبنيه، وعقد التبنّي رسمي يجب أن تصدق عليه المحكمة المدنية المختصة"(3).

ومما تقدم، يتبين: أن التبنّي في الاصطلاح القانوني لا يختلف روحًا عما ذكرته كتب اللغة، والفقه الإسلامي، وإن اختلفت التعابير والكلمات في الظاهر، فإن المحتوى والمضمون واحد.

المطلب الثاني: حكم التبنّي في الفقه الإمامي

لم يتعرض فقهاؤنا العظام، سواء منهم القدماء أم المعاصرون، إلى موضوع التبنّي بشكل مستقل ومفصل في أبحاثهم الفقهية أو رسائلهم العملية، بل كانت كلماتهم استطرادية في بيان حكمه وما يترتب عليه، أو عبر إجابتهم عن سؤال يطرح من قبل بعض الناس في بعض الأحيان، ويتفق على حكمه الفقهاء سواء منهم الإمامية أم غيرهم من بقية المذاهب الإسلامية الأخرى، وهذا القول عبارة عن عدم جواز التبنّي في الشريعة الاسلامية، وإن ذلك مما لا شبهة فيه، فالتبنّي غير جائز عند كل من تعرّض له من الفقهاء، وإليك مجموعة من آراء الفقهاء في بيان حكم التبنّي بشكل واضح وبيّن:

فقد جاء في كتاب منية السائل للسيد الخوئي في معرض جوابه عن اللّقيط ما نصه "هل يجوز تسجيل اللّقيط على اسم المتبنّي في الدوائر الرسمية مع التحفظ على بقية الأمور الشرعية؟ الجواب: لا يجوز التبنّي وما يستلزمه أو يقتضيه"(4).

وهكذا الحال عند السيد الكلبايكاني في كتابه إرشاد السائل، إذ أجاب موضحًا بعض الاحكام المتعلقة بالتبنّي كما في السؤال (431) وهذا نصه:"هل يجوز التبنّي في الشريعة الإسلامية؟ الجواب: لا يجوز التبنّي، ولا تجري أحكام البنوّة والأبوة بين الطفل ومن تبناه من التوارث والمحرمية وغيرهما وعدم حصول الولاية عليه"(5).

وفي استفتاء عرضناه على مجموعة من فقهائنا المعاصرين في خصوص التبنّي وهو:

سؤال: شخص يعاني من مشكلة عدم حصوله على ذرية نتيجة إصابته بمرض العقم، وأراد أن يتبنّى ولدًا من غيره ويسجله باسمه في سجل الأحوال الشخصية، مع التفاته إلى عدم صحة انتسابه له حقيقة لعلمه بحرمة التبنّي الذي كان معروفًا قبل الإسلام.

1- ما حكم هذا التبنّي؟

2- على فرض جوازه، كيف تعالج مشكلة المحرمية الغير ثابتة بين المتبنّى وافراد العائلة المتبنّية من الام وغيرها مثلًا؟

3- لو جنى الولد المتبنّى جناية توجب الدية، هل يتحمل -الأب- المتبنّي له تلك الدية أم ماذا؟

أوّلاً: جواب السيد علي السيستاني:

أجاب السيد علي السيستاني بما نصه: "لا يجوز التبنّي ولا يثبت به النسب ولا التوارث ولا بد من إعلامه بالواقع بطريقة لا تؤثر على نفسيته سلبًا ولا بد من نفي اسمه عن الجنسية، وإن لم يمكن ذلك ولو من جهة الحرج أو الضرر وجب تثبيت الحقيقة وتوثيقها بالشهود"(6).

ثانياً: جواب السيد محمد سعيد الحكيم:

وكان جواب السيد محمد سعيد الحكيم أكثر تفصيلًا، إذ قال: "التبنّي في حد نفسه جائز(7)، بل يؤجر عليه لكن بشرط أن لا يختلط نسب الطفل بنسبه، فيثبت ذلك ويشهد عليه بصورة شرعية ليمنعه من الميراث ومن الدخول على النساء ولا أثر لتسجيل الهوية بل لا يجوز تسجيل الولد باسمٍ غير أبيه إذا وجب ضياع نسبه، كما أن الولد يبقى أجنبيًا عن زوجته(8)، ويجب عليها التحجب منه إذا بلغ وكان الولد المتبنّى ذكراً، وإن كان أنثى فهي مما يجب عليها التحجب عن الأب المتبنّي، نعم لو كانت أمّ الزوجة ذات ولد فاسترضعت الولد المتبنّى وفق الضوابط الشرعية للرضاع المحرم لصار الولد المتبنّى أخاً لزوجته(9)، وكذا لو كانت أمّ الزوج ذات ولد فاسترضعت البنت المتبناة لصارت أختاً للزوج، بل يجوز لأب الزوج أن يتزوج بالبنت المتبناة في فرض ذلك كي تصير زوجة أبيه وتكون محرمًا للزوج، وأما جناياته فديتها عليه ولا ربط للأب والأم المتبنّيين له"(10).

ثالثاً:جواب الشيخ ناصر مكارم الشيرازي:

وكذلك أجاب الشيخ ناصر مكارم الشيرازي بقوله: "التبنّي يجوز(11)، ولكن لا يسجل في سجل الأحوال الشخصية، وأما المحرمية فإنما يحصل بما كتبناه في الفتاوى الجديدة في ج2، ص 936، وأما الدية فليس عليه- أي على الأب المتبنّي-"(12).

وعلى كل حال: إن التبنّي بات أمرًا واضح الحرمة لدى الفقهاء، وقد ذكروا أحكامه متفرقة في كثير من أبواب الفقه وكتب التفسير كما لحظنا.

حرمة التبنّي في ضوء الدليل القرآني

وعبر رجوعنا إلى كتاب الله تعالى وكتب التفسير الكثيرة، وما وقف عنده كثير من العلماء الأعلام في خصوص الآيات التي تناولت موضوع التبنّي، وجدنا(13) أن الآيات التي يمكن أن يُستدل بها على حرمة التبنّي لا تتجاوز أربع آيات(14)، ثلاث منها في سورة الأحزاب وآية واحدة في سورة النساء.

ونكتفي بالاستدلال بما ورد في سورة الأحزاب- طلباً للاختصار- وهي قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ ابناءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ* ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [الأحزاب:4-5].

   وتقريب الاستدلال بها: ذكر المفسرون أن هاتين الآيتين جاءتا ناسختين لما كان عليه أهل الجاهلية من العمل بعادة التبنّي، وكذا لما قام به النبي (صلى الله عليه وآله) من تبنّيه لزيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبي في قصة معروفة، ذكرها كثير من رواة التاريخ وكتب التفسير أيضاً، وكان (صلى الله عليه وآله) قد تبنّاه قبل البعثة، وبقي على ذلك حتى نزلت هذه الاية في إبطال التبنّي في السنة الخامسة للهجرة النبوية(15).

وقال الشيخ مرتضى الحائري في كتاب الخمس تعقيباً على قوله تعالى: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم)[الأحزاب: 4]، إذ قال: "فإنه وارد في مورد التبنّي وجعله كالولد الحقيقي في سائر الأحكام، حتى أنهم أعابوا على النبي (صلى الله عليه وآله)  لما تزوج بزينب زوجة زيد، فالمقصود النهي عن إسناد الولد الجعلي إلى أبيه كذلك، والأمر بإسناده إلى والده الحقيقي..."(16).

قال الشيخ باقر الإيرواني في معرض حديثه عن الآيتين في كتابه الدروس التمهيدية في تفسير آيات الأحكام ما نصه: "ترشدنا الآيتان الكريمتان في مجال بحثنا إلى الحكمين الآتيين:

رفض فكرة التبنّي التي كانت متداولة قبل الإسلام، فالميزان في البنوّة هو الولادة، وليس التبنّي الذي هو مجرّد تقوّل بالأفواه لا أكثر.

 وعليه فتبنّي شخص لآخر لا يحقّق البنوّة بينهما ما لم تكن ولادة في البين.

ويترتّب على هذا أن الطفل المتبنّى لو كبُر وبلغ مبلغ الرجال لا يجوز له النظر إلى زوجة المتبنّي أو بناته أو غير ذلك، ويجوز له الزواج بهن، كما يجوز للمتبنّي الزواج بزوجة المتبنّى لو فارقها، كما قال تعالى: (فلما قضى زيدٌ منها وَطَرَاً زوجْنَاكَهَا لكي لا يكون على المؤمنينَ حَرَجٌ في أزواجِ أدعيآئِهم إذا قَضَوا مِنهُنَّ وَطَراً).

بلزوم نسبة الطفل المتبنّى إلى والده الحقيقي الذي أولده إلى المتبنّي.

وفي ضوء هذا يمكن الحكم بحرمة تسجيل الأطفال الذين يؤخذون من دار الأيتام أو غيرها باسم الآخذ المتبنّي وندائهم ببنوّته، حتى مع فرض الجهل باسم والد الطفل المتبنّى، فإن الجهل المذكور لا يصحّح البنوّة، بل يبقى أخاً في الدين لا أكثر"(17).

هذا مجمل الكلام في بيان حكم التبنّي عند فقهاء الإمامية فتوى واستدلالاً، والحمد لله رب العالمين.

----------------------

1-الفراهيدي، الخليل بن احمد، كتاب العين: 8/380.

2-المشكيني، علي، مصطلحات الفقه: 126.        

3-مراد، عبد الفتاح، المعجم القانوني رباعي اللغة:50.

4-الخوئي، أبو القاسم، منية السائل: 125، باب: مسائل في أحكام الأولاد.

5-الكلبايكاني، محمد رضا، إرشاد السائل: 114، رقم السؤال (431) باب: مسائل في أحكام الأولاد.

6-السيستاني، علي، استفتاء رقم 985، تاريخ 28/ ربيع الثاني/ 1432 هـ. قسم الإفتاء في قم المقدسة.

7-والمقصود به التّكفّل والرعاية له، كما لا يخفى.

8-أي: زوجة المتبنّي.

9-أي: أخًا لزوجة المتبنّي.

10-الحكيم، محمد سعيد، استفتاء رقم 696، تاريخ 26/ ربيع الثاني/ 1432 هـ، قسم الإفتاء في قم المقدسة.

11-بمعنى التّكفّل والرعاية كما هو واضح من خلال عدم جوز الآثار الأخرى كالمحرمية والدية وغيرهما.

12-الشيرازي، ناصر مكارم، استفتاء رقم 69960، تاريخ 24/ربيع الثاني/ 1432 هـ. قسم الاستفتاء، قم المقدسة.

13-الحقيقة لم نعثر على استدلال واحد تفصيلي في موضوع التبنّي، تناوله أحد الفقهاء قديما أوحديثًا بعنوانه المستقل، نعم هناك إشارات من هنا وهناك كما ستلاحظ، ولهذا اضطررنا في كثير من الأحيان أن نرجع إلى كلمات المفسرين لنتبين حال الآيات التي يمكن أن يُستدل بها على حرمة التبنّي وإبطال آثاره.

14-هناك آيات أخرى ادعي نزولها في التبنّي وإبطال بعض آثاره كآية الأرحام في سورة الأحزاب/ 6 : {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله...} وغيرها كذلك، لم نتعرض لها؛ لعدم مشهوريتها في ذلك، مضافاً إلى تسالم الكثير من العلماء والمفسرين على اختصاص الآيات التي أوردناها في موضوع التبنّي مما جعلنا نرجحها على غيرها.

15-ابن عاشور، محمد الطاهر، تفسير التحرير والتنوير، ج22، ص30.

16-الحائري، مرتضى عبد الكريم، كتاب الخمس: 477.

17-الإيرواني، باقر، دروس تمهيدية في تفسير آيات الأحكام: 2/1021-1022.