اختلف الفلاسفة قديماً وحديثاً في رؤيتهم إلى المعرفة، مع أنها تمثل إحدى المباحث الأساسية في أبحاثها، وقد انقسم الفلاسفة في ذلك على قسمين: هما "الاعتقاديون الذين يرون إمكان قيام عرفان بشري، وأنه ليس للمعرفة الإنسانية نهاية تقف عندها، حتى وإن قصر الإنسان في معرفة الكون بكل ما فيه، فما ذلك القصور لنقص ٍ في عقله، وإنما هو قصور مرهون بزوال العوائق... وهذا الرأي أرسى قواعده سقراط وتلاميذه من بعده. ويوجد الشكاكون الذين يرون انه ليس للجهل الإنساني بحقائق الأشياء حد يقف عنده، إذ لا وسيلة أمام الإنسان، في وسعه التماسها، ليعرف شيئاً خارج نفسه...
وقد اختلف الفلاسفة كذلك في طبيعة الفلسفة نفسها، فنسبها بعضهم إلى أشياء العالم الخارجي، ونسبها آخرون إلى العقل وحده، ونسبها غيرهم إلى الحدس"(1)، بمعنى آخر عندما يتم الحديث عن فلسفة أحدهم، فإنه لابد من الحديث عن نظرية المعرفة، وقد درست عند بعضهم في مباحث النفس والمنطق وغيرها، بل أن دراسة المعرفة لا تنفصل عن دراسة الوجود والطبيعة(2).
أما المعرفة عند الفلاسفة الإسلاميين فإنها اتسمت بالتقليد على السمات الأخرى مثل التدبر والتفكر، ولكنها مرت بعدة مراحل؛ منها: المرحلة الحسية والمرحلة الخيالية والمرحلة الوهمية والمرحلة العقلية(3)، على أن هذه المعرفة لها مصادرها التي استقت منها، وتمثلت: بالوحي الإلهي، وتأثير الشرائع السماوية السابقة، واثر الترجمة من الفلسفة اليونانية والفارسية(4)، وأرجعها بعضهم إلى الفطرة والحس الظاهر والباطن والعقل(5)، وقد استعمل الفلاسفة العرب عدة مناهج للوصول إلى المعرفة منها: المنهج الشكي والمنهج العقلي، والمنهج الكلامي والمنهج الصوفي والمنهج الإشراقي وغيرها من المناهج(6).
ويرى الكندي أن المعرفة تكتسب عن طريق ثلاث وسائل، هي: الحس والحدس والوحي، وربط الفارابي بين المعرفة والوجود، والعقل هو الذي يساعد في فهم الوجود والميتافيزيقا والمنظومات الكونية والأخلاقية والسياسية وغيرها(7)، أما ابن سينا فقسم المعرفة على ثلاثة أقسام، هي: الحس والعقل والذوق، ويرى: "وجود ثلاث ملكات في النفس كوسائل لإدراك الموجودات، فهناك الحواس ثم العقل وأخيرا الحدس أو البصيرة... فإنه ركز على جانبي المعرفة، الحسي والعقلي، أي أنه ركز على ما تنقله إلينا الحواس من لمس وتذوق وشم وسمع وبصر بجانب المعرفة العقلية القائمة على البرهان والمنطق العقليين... وهنا يأتي دور العقل الذي يقيم هذه المعرفة التي نقلتها له حواس الإنسان... فبدون الخبرة والتجربة الحسية لانتفت عن العقل مجموعة كبيرة من المعلومات لم يكن بوسعه أن يصل إليها بمفرده"(8)، أما ابن رشد فيرى أن: "عمل العقل الإنساني الذي ينتزع الحقائق المختلفة من موادها ويدركها، إلا أنه لابد له ليؤدي وظيفته من معين آخر خارج عنه ، وهذا المعين هو العقل الفعال الإلهي الخالد الذي يشرق على العقل الإنساني ويلهمه الحقائق المختلفة... يرى أن المرء بما فيه من عقل يتشوق حتما للاتصال بالعقل الفعال، وهذا يعمل من ناحيته على جذب العقل الإنساني فيرتفع إليه، وذلك يكون بالانتقال من القوة إلى الفعل، وإدراك ما يمكن إدراكه من الحقائق المختلفة، وبهذا التفكير يمرن العقل على الفهم"(9)، ولأجل تحقيق ذلك الاتصال كان لا بد من "وصول العقل الإنساني إلى الدرجة العليا من الكمال، نعني إلى الاتحاد أو الاتصال بالعقل الفعال أو الله تعالى ذاته... أنه لابد من توفر ثلاثة أمور فيمن يسعد بهذه النعمة، أي نعمة الوصول ، هذه الأمور هي: قوة العقل الأصلية، وكمال العقل بالفكر أو التفكير السليم، وعون وإلهام غير طبيعي من الله"(10).
نخلص إلى أن الفلاسفة المسلمين اتفقوا على أن "المعرفة تنقسم إلى محسوسة ظاهرة، وغير محسوسة باطنة، وأن العلاقة حادثة بين الكلي والجزئي، ولا يمكن أن تتناقض أو تنقطع لأن أصل الوجود والمعرفة واحد، وبالتالي فهم يعيدون تفهيم الوقائع (الظاهرة)، والنظر إلى الموجودات، ويستدلون على ذلك بمختلف البراهين العقلية والمنطقية"(11).
أما في الفلسفة المعاصرة (الغربية) فيرى ديكارت أن المعرفة اليقينية تعتمد "على مدى معرفتنا بوقائع التجربة، والسبيل إلى ذلك أن نقوم بعملية فكرية ثلاثية الركائز حدسية وتجريبية واستنتاجية الأولى لتسمية المبادئ الأولى الموضحة لكل شيء ، الثانية من أجل أن نستخلص من هذه المبادئ نتائجها المباشرة، والثالثة في تناول الوقائع ومقارنتها مع مبادئ التفسير الموضوعة بشكل سابق للتجربة"(12)، أما اسبينوزا فقد ربط بين الحس والعقل والوجود والمعرفة الإلهية، إذ يقول: "إن المعرفة يمكن تقسيمها على ثلاثة أنواع رئيسة: المعرفة الحسية والمعرفة العقلية والمعرفة الإلهية... إن المعرفة الحسية تأتي من خلال الاستدلال وبالحواس والتجربة الشخصية، بينما المعرفة العقلية تتعلق بالتفكير والاستدلال العقلي، أما المعرفة الإلهية فهي المعرفة التي تأتي من الله أو من خلال الالتفات إلى الإلهية الكونية... إن اسبينوزا يروج لفكرة أن المعرفة الحقيقية ليست مجرد مجموعة من الحقائق والمعلومات، بل هي وضع وجودي يتطلب تجاوز الحواس والعقل البشري والالتفات إلى الكون والإلهية"(13)، أما جون لوك فقد قسم المعرفة إلى مستويات، متدرجا فيها من الأقوى حجة إلى الأقل حجة، "وللمعرفة من وجهة نظر لوك ثلاثة مستويات؛ هي؛ أولا: المعرفة البديهية التي يدرك فيها العقل أوجه الاتفاق أو الاختلاف على الفور دون تدخل طرف ثان، وثانيها المعرفة البرهانية التي لا يدرك فيها العقل التوافق أو الاختلاف بين الأفكار على الفور، بل يحتاج أولا إلى فحص وتمحيص الأدلة، وثالثا المعرفة الحسية تعتمد هذه المعرفة على الحواس، وهي أقل دقة من المعرفة البديهية والبرهانية"(14).
وعدّ دلتاي أن "الحياة أساس المعرفة، مهما كانت وسيلة اكتسابها عقلية أو حسية... فالحياة ملهم المعرفة، وهي مصدرها، فبمقدار معرفة المرء بالحياة تتكون معرفته، إن منبع المعرفي لدى "دلتاي" تمثل بشكل كبير في الحياة كملهم لها بكل تجلياتها وأبعادها عن طريق التجربة والخبرة، إذ إن كل الناس يعيشون نفس التجارب والمفاهيم لذلك تتشكل المعارف، ويمكن أن يفهم الواحد الآخر"(15).
نخلص إلى أن المرجعية الفلسفية مرّت بثلاث مراحل، هي: مرحلة الفلسفة اليونانية، ومرحلة الفلسفة الإسلامية، ومرحلة الفلسفة الغربية أو المعاصرة ، إذ انقسم أصحاب المرحلة الأولى إلى الاعتقاديين والشكاكين، أما منهجهم فيقوم بين الحس والعقل والحدس، ومرّت المرحلة الإسلامية بعدّة مراحل، وهي: الحسية والخيالية والوهمية والعقلية ، أما وسائل المعرفة فتنوعت بين الحسي والعقلي والحدسي والوحي والعرفاني والذوقي وغيرها، وقامت الفلسفة المعاصرة أو الغربية على تنوع وسائل المعرفة بين التجربة والاستنتاج والحدس والعقل والوحي والوجود وغيرها .
------------------------
(1)حبطيش وعلي، المسار الكرونولوجي لمشكلة المعرفة عبر مجرى تاريخ الفكر الفلسفي، موقع الحوار المتمدن.
(2) ظ: اندي محمد رضوان نظرية المعرفة، مكانتها وأهميتها في الفكرين الفلسفي والصوفي: 226.
(3) ظ: عادل زامل عبد الحسين الزريجاوي، نظرية المعرفة عند المسلمين: 72
(4) ظ: الشيخ علي جابر، نظرية المعرفة عند الفلاسفة المسلمين: 19 وما بعدها.
(5) ظ: وسيم الهلالي نصر الدين، نظرية المعرفة الإسلامية، موقع الألوكة.
(6) ظ: نظرية المعرفة عند الفلاسفة المسلمين: 72.
(7) ظ: احمد عماد الدين خواني، بناء المنظومة المعرفية العربية الإسلامية (الأصول) : 12-13.
(8) حسام المنفي، نظرية المعرفة من منظور فلسفة ابن سينا، موقع الحوار المتمدن.
(9) محمد يوسف موسى، ابن رشد الفيلسوف: 41 وما بعدها.
(10) ابن رشد الفيلسوف: 43.
(11) بناء المنظومة المعرفية الفلسفية العربية الإسلامية (الأصول) بين الحوار والإبداع.
(12) عماد الدين الجبوري، رحلة مع الفلاسفة في نظرية المعرفة، على موقع عربية.
(31) فهد بن حذيفة بن عبدالله الطوالة، مفهوم المعرفة عند اسبينوزا: 230.
(14) ضحى الطلافيح، مفهوم المعرفة في الفلسفة، موقع علم الفلسفة.
(15) رانيه قدري ، المعرفة من الاشتغال الفلسفي إلى النقد المعرفي: 99.