د. سحر المشهدي
كلية التربية المفتوحة/ النجف الاشرف
المصدر: مجلة الولاية – العدد 200 – الصفحة (55)
اختُلف في مجيئه بين أن يعمل في العطف والجر، وبرز هذا الرابط بشكل كبير في أدعية أهل البيت(عليهم السلام)؛ ليشير إلى حجاج ظاهر وقوي، وارتبط بالمعنى ارتباطًا مباشرًا؛ لذا أكد التداوليون المعاصرون أنّ العلاقة الحجاجية سلمية تراتبية.
ويعدّ الرابط الحجاجي(حتّى) رابطا لسانيا يربط بين كلِّ فعلين كلاميين داخل الملفوظ الواحد، وينجز الملفوظ تقوية تيقن المتلقي بالنتيجة، ويقع على معان عديدة، منها: انتهاء الغاية، وهو الأكثر، والتعليل، ويأتي أيضًا حرفَ جرٍّ وعطفٍ وابتداء، وورد مجيئه حرف نصب(1).
التفسير والتعليل:
ويأخذ هذا الرابط معنى التفسير والتعليل، فأقوى الحجج تأتي بعده، ويكون ما قبله سببًا في ايجاد ما بعده، وعلاقة الحجاج معه تربط بين دليلين؛ لتصل إلى تأكيد أحد الدليلين في خدمة الآخر؛ لتحقيق النتيجة التي يقصدها المتكلم بتوافر شروط(المقولة الاولى وتشكّل حجة، الحجة السابقة لـ(حتّى) واللاحقة يشتركان في الوجهة الحجاجية، فيخدمان النتيجة نفسها، والحجة المتلوة تزيد طاقة حجاجية للحجة التي تسبق الرابط، ولا تكون أقوى منها)(2).
ويُعدُّ رابطًا مدرجًا للحجج والمقولات التي ترتبط فيها، وترمي إلى انتمائها في فئة حجاجية واحدة، فتقدم نتيجة واحدة، وبعدها ترد حجة رابطها يكون الأٌقوى؛ لذا فإن القول الذي يتصل معها لا يقبل الإنكار أو الإبطال، فتربط وتجمع بين حجتين، ويتوافر فيها شروط ثلاثة، هي:
1.أن يكون ما قبلها حجة تقدم نتيجة.
2.كلا القولين السابق واللاحق يقدمان نتيجة واحدة.
ما يتبعها يضيف طاقة حجاجية لما سبق، ولا تكون أقوى منها؛ لذا فإنّ ما بعده غاية، وبذلك نجد أنّ إمامنا الحسين(عليه السلام) يقول في دعائه ليوم عرفة:((اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملّكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي لك العُتبى حتّى ترضى))(3).
وفي موضع آخر من الدعاء يؤكد عبر تكرار الجملة الأسمية، فيقول:(لَكَ العُتبى لَكَ العُتبى حَتَّى تَرضى قَبلَ ذلِك)، فرضا الله تعالى جزء من العتبى، وهو غاية متوخاة، تتمثل بأنّ الرضا تتحقق فيه القوة والعظمة زيادة على معنى التعليل، فقد رسم الإمام(عليه السلام) بريشته اللغوية قاعدة مفادها الآتي : (لك العتبى + الرابط الحجاجي(حتّى) + الفعل المضارع ترضى).
ومجيء الرابط (حتّى) جعل الحجتين تربطان بين معنيين:(العتبى والرضا) بـالرابط(حتّى)، وعمل في إفادة التساوق الحجاجي؛ لخدمة نتيجة واحدة هي (الرضا)، وقد تكررت هذه العبارة في أغلب أدعية أهل البيت(عليهم السلام)، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه دعا ربه راضيًا بالقضاء حين ناجى ربه في الطّائف بعد ما لقيه من أهلها((لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلّا بك))(4) .
التوكيد:
ومن دعاء للإمام علي(عليه السلام) في الاستعاذة بالله تعالى من المكاره:((أعوذ بنور وجهك الكريم - الذي أضاءت له السماوات، وأشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة- أن تحل عليَّ غضبك ، أو تنزل عليَّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا قوة إلّا بك))(5).
ولو تتبعنا سيرة أهل البيت(عليهم السلام) نجد شعارهم الدّائم هو الرضا ؛ لقولهم :(رضا الله رضانا)(6)، أي: إذا كنت يا ربّ تعتب علىّ في أيِّ شيء ؛ فأنا أدعوك أن تزيل هذا العتب(7).
والعتبى: ما يزيل آثار الأمر الذي استوجب العتاب أو اللوم، والمُعتب: الذي يعطى العتبى، أي الرضا
وعن الإمام السجاد علي بن الحسين(عليه السلام):((إلهي إن كان الندم على الذنب توبة، فإني وعزتك من النادمين، وإن كان الاستغفار من الخطيئة حِطّة، فإني لك من المستغفرين، لك العتبى حتى ترضى))(8).
زيادة على ذلك، ففي التقديم بشبه الجملة (لك)، وهو تقديم جائز للخبر بشبه الجملة (لك) فالأصل فيها: العتبى لك؛ لتأكيد تحقيق نتيجة الرضا، وقال الشيخ البهائي+: العتبى بمعنى المؤاخذة، والمعنى أنت حقيق، بأن تؤاخذني بسوء أعمالي(9)، ويتحدث المجلسي (رحمه الله)وهو يعلّق على مقولة الشيخ فيقول: «هذا المعنى للعتبى غير معهود، بل الظاهر أن المعنى أرجع عن ذنبي وأطلب رضاك عني»(10).
والاستعتاب: طلب أن يرضى عنه، وفي الدعاء ((فإن أبطأ عني عتبت بجهلي عليك))(11)
ومنه ما جاء في الحديث:((ولا بعد الموت من مستعتب))(12) أي: ليس بعد الموت من استرضاء
وعلى ذلك يكون معنى: والعتبى: الرجوع عن الذنب والإساءة، فتقول: استعتبته فأعتبني أي: استرضيته فأرضاني..، والعتب معروف بين الرجلين يتعاتبان(13)، والمستعتب، يعني: طلب العتبى(الاسترضاء) والمراد أن بعد الموت لا يكون ما يوجب الرضا؛ لأنّ زمان الأعمال قد انقضى وختم ديوانها، ولعلّ أصله الرضا والفرح من الرجوع عن الذنب، ولا يمكن الوصول إليه إلّا في دار الدنيا(14)، فليس بعد الموت من استرضاء بهذا المعنى.
وكعادة أهل البيت(عليهم السلام) يأخذنا إمامنا إلى الربط عن طريق العتبى، والتقديم هنا جائز، فالأصل فيها : العتبى لك أي: الرضا، وغرضه التوكيد والاهتمام برضا الله تبارك وتعالى.
--------------------------
1.ظ : المرادي: الجنى الداني في حروف المعاني : 542 .
2.ظ: سامية الدريدي: الحجاج في الشعر العربي القديم:335 .
3.الكفعمي: البلد الأمين: 59
4.وهو دعاء دعا به رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) بعد إيذاء أهل الطائف له ، فقال:» لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله»، ظ: سيد قطب: في ظلال القرآن : 5 : 9 .
5.نهج السعادة : 237 .
6.مغنية: في ظلال الصحيفة السجادية: 427.
7.ظ : الشعراوي: تفسيره : 12 / 417.
8.الامام زين العابدين(عليه السلام): الصحيفة السجادية: 402 .
9.ظ : الطريحي: مجمع البحرين : 3/ 114 .
10.المجلسي: بحار الأنوار:84 /276.
11. من دعاء الافتتاح المروي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) فإن تأخر ماطلبته غضبت لعدم فهمي بحكمة الله تعالى .
12.ظ : الحراني: تحف العقول عن آل الرسول: 39 .
13.ظ : ابن دريد: جمهرة اللغة(مادة عتب): 1 / 255.
14.ظ : الحراني: تحف العقول: 39.