حوزة النجف الأشرف.. درس الألف عام
السيـد عيســى الخرســـان
الأميـــن العام
المصدر: مجلة الولاية – العدد 208 – الصفحة (3)
هذهِ النجفُ الأشرفُ، تربةٌ ضمتْ وليَّ اللهِ، وأخا رسولِ اللهِ، ومشهدٌ باركتهُ أظلةُ العرشِ، وهوتْ إليهِ أفئدةُ المؤمنينَ، فغدتْ في جوارهِ مأرَزَ العلمِ، ومَعقِدَ لواءِ الفقهِ، ومَحتدَ أهلِ النظرِ والاجتهادِ، ثم قدمَ شيخُ الطائفةِ، أبو جعفرٍ محمدُ بنُ الحسنِ الطوسيُّ، (قدس سره)، فنزلَ النجفَ، وجعلَ جوارَ أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام) محطَّ رحلهِ ومقرَّ درسهِ؛ فقصدَهُ أهلُ العلمِ من الآفاقِ، واختلفتْ إليهِ وجوهُ الفقهاءِ وأصحابِ الحديثِ، وبقيَ ذكرهُ في مصنفاتهِ وتلامذتهِ، يتناقلهُ العلماءُ كابرًا عن كابرٍ، حتى ثبتَ للنجفِ مقامُها في الفقهِ والأصولِ، وصارَ قصدُها من مقاصدِ أهلِ العلمِ في سائرِ الأمصارِ.
فكانَ العلامةُ الحليُّ من أعلامِ هذا الطريقِ، وقد حفظ لهُ جليلَ اجتهادِهِ، وبعيدَ غورِهِ في الفقهِ والاستدلالِ، وعلى امتدادِ هذا الطريقِ جاءَ السيدُ محمدُ مهدي بحرُ العلومِ، وشهدتْ له مُؤلفاته بعلوِّ قدمِهِ ونفاذِ بصيرتِهِ، ومن ذلكَ الموردِ العذبِ نهلَ الشيخُ جعفرٌ كاشفُ الغطاءِ، فارسُ الفقاهةِ ونحريرُ النباهةِ، ثم نهضَ صاحبُ الجواهرِ، الشيخُ محمدُ حسنٍ النجفيُّ، فمضى بالفقهِ في أوسعِ مجاريهِ، ثم بلغَ التحقيقُ مع الشيخِ الأعظمِ الأعلمِ، مبلغًا آخرَ من إحكامِ النظرِ؛ فكانَ ينفذُ إلى مآخذِ الكلامِ، ويقفُ على مواقعِ الإشكالِ، ويستخرجُ وجوهَ الدليلِ، وعلى ما أصّلهُ الشيخُ الأنصاريُّ قدسَ اللهُ نفسَهُ، أحكمَ الآخوندُ الخراسانيُّ مبانيَ الأصولِ، فحررَ دقائقَها، وكشفَ وجوهَها، حتى غدتْ عمدةَ الدرسِ، ومجمعَ أنظارِ المحققينَ، ثم جاءَ السيدُ محمدُ كاظمُ اليزديُّ، فجمعَ مسائلَ الفقهِ العمليِّ، وأحكمَ ترتيبَها، وضبطَ فروعَها، وعلى هذا التراثِ الأصوليِّ والفقهيِّ، نهضَ الميرزا محمدُ حسينٍ النائينيُّ، فأحكمَ مبانيَ الأصولِ، وكشفَ مغاليقَها، وحررَ دقائقَها، وبسطَ معضلاتِها، فكانَ للحوزةِ الشريفةِ بهِ عهدٌ آخرُ من عهودِ التدقيقِ والتأسيسِ.
ثم حملَ رايةَ هذه المدرسة، السيدُ محسنُ الحكيمُ، فكانَ نافذَ البصرِ في الفقهِ، بعيدَ الغورِ في النظرِ، وأدى أمانةَ المرجعيةِ في زمانِهِ، إلى أن استقرَّ عُبابُها إلى فقيدِنا الراحلِ، وعميدِنا البازلِ، السيدِ أبي القاسمِ الخوئيِّ، فكانَ مجلسُهُ مجمعَ التحقيقِ والتدقيقِ، وامتدَّ أثرُهُ في حلقاتِ الدرسِ والتأليفِ، وتخرجَ على يديهِ جماعةٌ من أعلامِ العلماء.
ثم انتهى الأمرُ إلى سيدِنا المفدى، ومرجعِ الطائفةِ الأعلى، آيةِ اللهِ العظمى السيدِ عليٍّ الحسينيِّ السيستانيِّ، حفظَهُ اللهُ تعالى، فكانَ من أعلامِ هذه المدرسةِ الراسخةِ، جامعًا بين رسوخِ الفقهِ ودقةِ النظرِ وورعِ المرجعيةِ، وظلَّ مجلسُهُ امتدادًا لذلكَ الدرسِ النجفيِّ الذي حملَ الفقهَ والأصولَ من عصرٍ إلى عصرٍ.
وهذهِ الأسماءُ، على جلالةِ أصحابِها، إنما هي من نجومِ هذهِ السماءِ؛ أما المدرسةُ نفسُها فأوسعُ من أن تحصرَ في رجلٍ، وأبقى من أن تنقضيَ بانقضاءِ طبقةٍ، ولم تكنِ الحوزةُ في النجفِ مقطوعةً عن أصلِها، ولا مبتدئةً من يومِها؛ وإنما كانتْ فرعًا من أصلٍ ثابتٍ، يحملُ آخرُها عن أولِها، ويأخذُ خلفُها عن سلفِها، علمًا بعدَ علمٍ، ودرسًا بعدَ درسٍ، حتى غدا الزمانُ على تعاقبِهِ كأنما هو مجلسٌ واحدٌ، والعلماءُ على تباعدِ أعصارِهم كأنهم أهلُ طبقةٍ واحدةٍ.
ونسألُ اللهَ تعالى أن يحفظَ حوزةَ النجفِ الأشرفِ، وأن يصونَ مقامَها، ويباركَ في علمائِها وطلابِها، وأن يجريَ على أيديهم كلمةَ الحقِّ، ويجعلَهم من حملةِ دينِهِ وأمناءِ شريعةِ نبيِّهِ، وأن يوفقَ هذهِ المدينةَ المباركةَ لأن تبقى كما أرادَ لها أميرُ المؤمنينَ (عليه السلام)، معقلًا من معاقلِ التوحيدِ، وحصنًا من حصونِ الإيمانِ.