حظيَ كتابُ (نهج البلاغة) الذي جمعه الشريف الرضي(ت406هـ) بشروحاتٍ لمْ يحظَ بها إلا النوادر من الكتب؛ لما اشتمل عليه من نفائس الكلام والخطب والحكم التي بثَّتها الروح المتألمة لبطل الإسلام الخالد، وفتى النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وقد ربتْ تلك الشروح على المائتين كما أحصاها غير واحد ممن بحث في أسانيد نهج البلاغة وشروحه ومصادره، ودونك كتاب السيد عبد الزهراء الخطيب (مصادر نهج البلاغة وأسانيده) فقد يكفيك مؤونة السؤال، ويبلُّ غليلك بالجواب الشافي.
من بين الشروحات المهمة التي لا بدَّ للباحث بمعاني نهج البلاغة، أو الطامح في التجوال بعوالمه وآفاقه الجمالية والبلاغية والروحية، من أنْ يراجعها، هو شرح الشيخ محمد تقي بن الشيخ كاظم بن محمد علي بن الشيخ جعفر التستري الشهير، وهو مولود في النجف الأشرف(1321هـ) ونشأ على حب الفضيلة والعلم، وبرع وصنَّف، وله (تحقيق المسائل) وهو شرح على (الروضة البهية)، و(الرسائل المبصرة) في أحوال أبي بصير، ورسالة في دحض السهو المنسوب إلى النبي(صلى الله عليه وآله) أسماها :(رسالة في سهو النبي (صلى الله عليه وآله))، وكتاب (بهج الصباغة في نهج البلاغة) وهو ما نحن بصدد، وغيرها من المصنفات القيِّمة(1).
شرح مختلف في موضوعاته:
إنّ هذا الشرح اختلفَ عمَّا سبقه من الشروح في ترتيبه الموضوعي، فقد قسَّم موضوعات نهج البلاغة على ستين فصلًا، كلُّ فصلٍ تناول موضوعًا معينًا، وبهذا هو سبق الآخرين في هذا الجهد الكبير المبني على النظر والتأمل والإحاطة، قال في مقدِّمته بعد أنْ سجَّل ملاحظاته على من سبقه من الشُّراح: ((فرأيتُ أنْ أكتب بعون الله تعالى شرحًا جامعًا فيه من التاريخ والأدب والأخبار القوية والآثار التي تكون حجة بقدر الحاجة، وفي محلّ يكون فيه مناسبة، مع ذكر مدارك عناوين الكتاب بقدر الوسع))(2).
وسجَّل ملاحظته على إيراد الشريف الرضي كلامًا على لسان الإمام (عليه السلام) وهو ليس له، قال: ((لكنه "يقصد الشريف الرضي"-عفا الله عنه- لمَّا كان متهالكًا على نقل كل كلام فصيح منسوب إليه (عليه السلام)، لم يتفطَّن أنَّ الخصم قد يحتال ويزوِّر على لسانه (عليه السلام)، بتزويق كلامه..))(3).
ومثال ذلك ما ذكره في الخطبة(8) التي تحمل عنوان (ومن كلام له (عليه السلام) للزبير في حالٍ اقتضتْ ذلك)، وفي الخطبة (6)، وحملت عنوان (لمَّا أُشير عليه بأنْ لا يتبع طلحة والزبير ولا يرصد لهما القتال).
جاء في الخطبة الثامنة من النهج، بعنوان: (ومن كلام له (عليه السلام) للزبير في حالٍ اقتضتْ ذلك): ((يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ بَايَعَ بِيَدِهِ، وَلَمْ يُبَايعْ بِقَلْبِهِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِالبَيْعَةِ، وَادَّعَى الوَلِيجَةَ، فَلْيَأْتِ عَلَيْهَا بِأَمْرٍ يُعْرَفُ، وَإِلَّا فَلْيَدخُلْ فِيَما خَرَجَ مِنْهُ))(4).
ويعلِّقُ التستري: الذي وقفتُ عليه كون العنوان كلام الحسن ابنه (عليهما السلام)، ففي جمل المفيد: لمَّا تقرَّر في الجمل أمر الكتائب في الفريقين، وقام ابن الزبير خطيبًا في ذمِّ أمير المؤمنين (عليه السلام) وتهمته بقتل عثمان، وبلغه (عليه السلام) ذلك، قال للحسن ابنه (عليه السلام): قم يا بني فاخطب، فقام فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس! قد بلغتنا مقالة ابن الزبير، وقد كان أبوه والله يتجنَّى على عثمان الذنوب، وقد ضيَّق عليه البلاد حتى قتل، وإنَّ طلحة راكز رايته على بيت ماله وهو حيٌّ.
وأما قوله: ((إنَّ عليًّا ابتزَّ الناس أمرهم، فإنَّ أعظم حجَّته لأبيه زعم أنَّه بَايَعَ بِيَدِهِ وَلَمْ يُبَايعْ بِقَلْبِهِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِالبَيْعَةِ، وَادَّعَى الوَلِيجَةَ، فَلْيَأْتِ على ما ادَّعاه ببرهان وأنَّى له ذلك))(5).
وأما في الخطبة(6): ومن كلام له (عليه السلام) لـمّا أُشير عليه بألَّا يتبع طلحةَ والزبيرَ ولا يُرصدَ لهما القتال: ((وَاللهِ لا أَكُونُ كَالضَّبُعِ تَنَامُ عَلى طُولِ اللَّدْمِ، حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهَا طَالِبُهَا، وَيَخْتِلَهَا رَاصِدُها، وَلكِنِّي أَضْرِبُ بِالـمُقْبِلِ إِلَى الْـحَقِّ الـمُدْبِرَ عَنْهُ، وَبِالسَّامِعِ الـمُطِيعِ العَاصِيَ الـمُريبَ أَبَداً، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيَّ يَوْمِي؛ فَوَاللهِ مَا زِلتُ مَدْفُوعاً عَنْ حَقِّي، مُسْتَأْثَراً عَلَيَّ، مُنْذُ قَبَضَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ (صلى الله عليه وآله) حَتَّى يَوْمِ النَّاسِ هذَا)).
وقد روى في ذلك ابن أبي الحديد رواية طارق بن شهاب الأحمسي، وفيها أنَّ الحسن (عليه السلام) قال فيما قاله لأبيه عليٍّ (عليه السلام)بعد بكائه بين يديه، وسؤال عليٍّ (عليه السلام) له عن سبب بكائه، فقال الحسن (عليه السلام): "أبكي لقتلك غدًا بمضيعة ولا ناصر لك، أما إني أمرتك فعصيتني، ثمَّ أمرتك فعصيتني..."(6).
وهذه الرواية تذهب إلى أنَّ الذي أشار على أمير المؤمنين (عليه السلام) هو ولده الحسن (عليه السلام) وبهذه الرواية!
ورواية سيف بن عمر التميمي (ت180هـ)، ونقلها الطبري، وهي عن طارق بن شهاب الأحمسي نفسه، وسيف هذا معروف بمناكيره وضعف حديثه، قال عنه ابن معين (ت233هـ): ضعيف الحديث، وفلس خير منه(7)، وقال عنه البخاري (ت256هـ): "متروك الحديث، سكتوا عنه، ليس بشيء"(8).
ويروي الطبري عن العرني صاحب جمل عائشة ما يقرب مما نقله الأحمسي، كما في رواية ابن أبي الحديد(9).
رأي مختلف:
ثم يأتي الدليل بخلاف ما رواه الطبري وابن أبي الحديد، من كتاب الجمل للشيخ المفيد، جاء فيها: ((أنه لما جاء كتاب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) يخبره بخبر طلحة والزبير وعائشة، دعا (عليه السلام) ابن عباس ومحمد بن أبي بكر وعمارًا وسهل بن حنيف، وأخبرهم بما عليه القوم من المسير، فقال محمد بن أبي بكر: ما يريدون؟ فتبسَّم (عليه السلام) وقال: يطلبون بدم عثمان. فقال محمد: والله ما قتله غيرهم.
ثم قال (عليه السلام): أشيروا عليَّ بما أسمع منكم القول فيه، فقال عمار: الرأي أنْ نسير إلى الكوفة فإنَّ أهلها لنا شيعة وقد انطلق هؤلاء القوم إلى البصرة، وقال ابن عباس: الرأي عندي أنْ تقدم رجالًا إلى الكوفة فيبايعوا لك- إلى أنْ قال-: فبينا هم في ذلك إذْ دخل أسامة بن زيد وقال له (عليه السلام): فداك أبي وأمي لا تسر، وخلِّف على المدينة رجلًا، وأقم بمالك، فإنَّ العرب لهم جولة ثم يصيرون إليك.
فقال ابن عباس: يا أسامة إنَّ هذا القول منك، إنْ كان على غير دغل في صدرك، فقد أخطأت وجه الرأي، فبه نكون والله كهيئة الضبع في مغارتها، فقال له أسامة: فما الرأي؟ قال: ما أشرت به وما رأى أمير المؤمنين لنفسه، ثم نادى (عليه السلام) في الناس: تجهزوا))(10).
يقول التستري في تحقيق الصواب في هذه الروايات بعد ذكر رواية المفيد: ((والصواب هذا الذي يشهد له الاعتبار، وأما خبرا طارق والعرني فخلاف العقل، فمع قطع النظر عن كون الحسن (عليه السلام) معصومًا لا يعترض على المعصوم، إتباع طلحة والزبير وعدمه لم يكن أمراً مشتبهًا مختلف الظاهر والباطن حتى يشتبه على الحسن (عليه السلام)، فمع اتباعه (عليه السلام) لهما أفسدا تلك الإفسادات العظيمة، فكيف كان لو خلاهما(11).
-----------------------
1) ظ: آغا بزرك الطهراني، طبقات أعلام الشيعة،13/ 265-266.
2) التستري، بهج الصباغة،1/ 26(المقدمة).
3) المصدر نفسه: 1/20(المقدمة).
4) نهج البلاغة بشرح محمد عبده/ 63.
5) المفيد، الجمل/327.
6) ظ: ابن أبي الحديد، شرح النهج: 1/ 226-227.
7) المزي، تهذيب الكمال،12/ 326.
8) البخاري، الضعفاء الصغير: 55.
9) الطبري، التاريخ:4/ 456-458.
10) المفيد، الجمل: 239-240.
11) التستري، بهج الصباغة:10/ 26.