د. محمد حسين دخيل
جامعة الكوفة/ كلية العلوم السياسية
المصدر: مجلة الولاية – العدد 206 – الصفحة (108)
تعد القيادة مظهراً من مظاهر قدرة الفرد في التأثير في المجتمع وإدارته، وتحفيز أعضائه على العمل في سبيل تحقيق الاهداف الموضوعة؛ لذا ينبغي توافر مواصفات معينة في القائد منها: الميل أو النزعة، الطموح، الحدس والالهام، قدرة الاقناع، الخطابة، الشجاعة، قوة الإرادة.
فللقائد أثر مهم في إدارة المجتمعات، وحل المشكلات، وتقليل إمكان الصراعات، ومجابهة التحديات، انطلاقاً من قدرة الابداع لديه، وادراك الواقع ورؤية المستقبل.
من هنا تمثل قيادة النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، محوراً فريداً في التاريخ السياسي، من حيث اعتماده على الشورى، وتنمية الوعي السياسي عند أصحابه، وحرية إبداء الرأي، واتخاذ القرار من القيادة بعد عرض مختلف الآراء والاتجاهات.
حلف الفضول ودور النبي القيادي:
شهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلف الفضول، وكان سببه أن رجلاً من زبيد قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل السهمي أحد أشراف قريش، فحبس عنه حقه فاستعدى عليه الزبيدي أشراف قريش، فأبوا ان يعينوا على العاص بن وائل لمكانته وانتهروه، واستغاث الزبيدي بأهل مكة، واستعان بكل ذي مروءة .
وهاجت الغيرة في رجال من ذوي المروءة والفتوة، اجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان، فصنع لهم طعاماً، وتعاقدوا، وتعاهدوا بالله ليكونن يدا واحدة مع المظلوم على الظالم، حتى يؤدي اليه حقه، فسمّت قريش ذلك الحلف (حلف الفضول)، وقالوا لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر، ثم مشوا الى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدي، فدفعوها اليه(1).
وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) متمسّكا بهذا الحلف حتى بعد البعثة، إذ يقول (صلى الله عليه وآله) لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما احب ان لي به حمر النعم، ولو ادعى به في الإسلام اجبت ،تحالفوا على ان يردوا الفضول على اهلها ،وألّا يعز ظالم مظلوما(2)، وهو ما يظهر دلالات الرسالة ، باهتمامها بحقوق الانسان، وانصاف المظلوم، ونشر العدل، وفقا لأي منهج انتمى، شرط تحقيقه للإنصاف.
القيادة النبوية والعقيدة السياسية:
إن النبي محمداً (صلى الله عليه وآله) لم يكن في جانب تكوين الشخصية وبنائها حالة استثنائية على بقية الأنبياء، إذ تعرضوا لتأثيرات وظروف بيئية خارجية دقيقة الاختيار، هي التي كونت في مجموعها مسارات ذلك البرنامج التأهيلي، اما اختيار بيوت بعض القادة السياسيين كبيئة لهذه التنشئة الخاصة فلأن هذه البيوت عادة ما تتمتع بالإمكانات والتجهيزات الضرورية للتنشئة العلمية والثقافية .
ولعل الظروف والمراحل التي مر بها النبي محمد (صلى الله عليه وآله)ومنها نشأته في مرحلة الطفولة في بيئة قاسية مثل البادية، وانتماؤه إلى قبيلة ذات مكانة قبلية خاصة: مكانة قبيلة قريش بين العرب، ومكانة العشيرة الهاشمية في قريش، ومعايشته مناخ القيادة السياسية، ومزاولته العمل التجاري وقيامه بالرحلات التجارية في مرحلة الشباب، هي التي كانت في مجموعها تضع بصماتها العميقة على مسارات هذه العملية البنائية لشخصية النبي(3).
إن الدعوة العقيدية السياسية تصاب من قبل أتباعها بسبب قيادتها من نواح ثلاث:
1-ألا تقدر هذه الدعوة على أن تربي أتباعها تربية أنموذجية، ما يؤدي إلى نفور الناس منها ، ومن ثم يؤلب الرأي العام ضدها تأليبًا خطيرًا .
2- أن يدخل الدعوة أناس ولا تستطيع هذه الدعوة أن تسخر طاقتهم في سبيلها. فأمثال هؤلاء يكونون في وضع مشلول. وفي هذه الحالة تكون قيادة الدعوة وحدها متحملة كل مسؤولياتها، ومن ثم فإن هذه القيادة ستصبح في وضع لا يسمح أن تقوم بكل واجباتها
3 -وعندما لا يحس الأتباع بالرعاية ويشعرون بأنهم منسيون، أو عندما لا يعرف الإنسان محله ومهمته المكلف بها، كل هذا يؤثر في نفسية الأتباع بالدعوة، ويولد عندهم فتورا عنها .
وعندما يرى الانسان حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقيادته لأتباعه في هذه الجوانب يجد تجنبه لهذه الجوانب، ووجود عكسها بشكل لا مثيل له، حيث ارتفعت الحركية الدائمة لدى اصحاب النبي، اضافة إلى دقة الرسول في الرعاية والعناية والسهر على شؤون الأتباع (4) .
معالم القيادة لدى الرسول (صلى الله عليه وآله):
من الأبعاد المؤثرة في شخصية النبي (صلى الله عليه وآله)أن رسالته شاملة لكل شؤون الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فكان على تلك الشخصية التي ستقود البشرية باتجاه التغيير الشامل أن تكون مثالية في كل شيء، فكان الرسول (صلى الله عليه وآله) هو القائد الذي يدير أمور الناس الحياتية، وكان إمامهم في الصلاة وخطيبهم الذي يعظهم، وكان القائد في المعركة، والمعلم للدين والأخلاق، فشمولية الرسالة جعلت من شخصية النبي(صلى الله عليه وآله) شخصية شاملة في صفاتها وأبعادها، وهذا هو سر عظمة الرسول (صلى الله عليه وآله) فقلما يوفق الإنسان أن يجمع بين عدد من الصفات فيصل إلى ذروة القمة في أغلب تلك الصفات إلا الرسول(صلى الله عليه وآله) (5).
وقد تجلت الحكمة في أوضح معانيها في شخصية النبي (صلى الله عليه وآله) عبر حادثة وضع الحجر الأسود، بعد بناء قريش الكعبة، أثر السيل الذي هدم أجزاء منها، إذ استطاع بحكمته وحسن تدبيره أن يجنب قريشاً فتنة خطيرة، كان من الممكن أن تؤدي إلى سفك دماء كثيرة ، وتجر عليهم و يلات ومصائب عظيمة، وقد أوضحت هذه القضية بشكل جلي الشخصية القيادية للنبي (صلى الله عليه وآله)، كما بيّنت بعض جوانب سداد الرأي في آرائه الصائبة ونظراته الحكمية (6).
وقد استخدم النبي (صلى الله عليه وآله) الوسائل الإعلامية المتاحة في ذلك الزمان لتبليغ دعوته ومن الوسائل التي وظفها النبي (صلى الله عليه وآله) لنشر الدعوة بين الناس وسيلة الخطابة، إذ كان من عادة الخطيب في ذلك الوقت إذا أراد أن يخطب الناس الوقوف على مرتفع من الأرض، أو على ظهر راحته، وذلك لأبعاد مدى الصوت ولتأثير الشخصية وإظهار ملامح وجهه وحركات جوارحه (7).
إن الجاذبية الأخلاقية سر قدرة القيادة ونجاحها بحيث كان للأخلاق الكريمة التي عُرف بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تعامله مع محيطه العربي أثر بالغ الأهمية في اجتذاب الأفراد وتنظيمهم، من أجل تشكيل النواة الأولى للحكومة الإسلامية في العالم، من هنا لا يمكن أن نجد بين قادة التاريخ البشري من أحبه الناس وتعلقوا به ونفذ حبهم في أعماق قلوبهم وضمائرهم مثل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لذلك اتهمه اعداؤه بالسحر، وهذه التهمة دليل حسن على ثبات جاذبيته الأخلاقية ونفوذه في نفوس الناس(8).
قيادة النبي (صلى الله عليه وآله) العسكرية:
كان النبي (صلى الله عليه وآله) يشرف على القتال ويثير الحماس لدى الجنود، ويشجعهم على الحرب، وقد قام النبي (صلى الله عليه وآله) بحثّ أصحابه على القتال في بدر، وقد أشار سعد بن معاذ (ت5 هـ ) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بدر أن يبني له عريشاً فكان ذلك، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يستعرض أصحابه قبل الخروج إلى المعركة، أو في أثناء السير إلى الجهة التي يقصدها، فيرد صغار السن والضعاف.
وكان الرسول (صلى الله عليه وآله)يسوي الصفوف، وقد استعمل (صلى الله عليه وآله)نظام الصف في معركتي بدر وأحد، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يجعل في الصف الأول حاملي الرماح لصد هجمات الفرسان، ثم يليهم حاملو السهام والسيوف في الصفين الثاني والثالث، ويقف الفرسان على ميمنة الجيش وميسرته، فإذا التقى الجمعان يحدث عدد من المبارزات الشخصية، ثم تزحف صفوف المسلمين قدما ًحتى تصطدم بالعدو، وذكرت المصادر أن النبي (صلى الله عليه وآله) قام بما يسمى بتعبئة الأمة وذلك عن طريق عدّ المسلمين وإحصائهم، وربما أراد النبي (صلى الله عليه وآله) من ذلك معرفة أعداد المسلمين وقوتهم، لوضع خطة ملائمة لهذا العدد، وتقدير قوتهم وتكاليف تجهيزهم بالأسلحة والطعام وإلى غير ذلك(9).
وظهرت قيادة النبي (صلى الله عليه وآله) في معركة أحد، إذ اختار الموضع المناسب للمعركة، وأجبر قريشاً على قبول المعركة فيه، ونظم خطة القتال، فانتخب مواضع الرماة لحماية ظهور المسلمين، وخصّص لهذه المواضع قوة كافية للدفاع عنها بأمرة قائد مسؤول.
وقد ظهرت قيادة النبي (صلى الله عليه وآله)في أثناء القتال في الجولة الثانية من المعركة، إذ طوق المشركون قوة المسلمين وانهارت المعنويات، ونجد النبي في هذا الموقف الصعب، يسيطر على الموقف ويقود الباقين، ويقوم بإعادة تنظيم قواته الباقية(10).
وقد كان من الدروس الأساسية التي تعلّمها المسلمون في معركة الخندق، هي الاقتداء بالقائد الأسوة، الذي واساهم بنفسه، إذ كان يشاركهم المعاناة في الحصار وحفر الخندق .
وقد كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يمثل القائد الذي يتقدم الأمة، حيث إن أقواله منسجمة مع افعاله ، فلا تناقض في شخصيته، ولا تردد في مواقفه وقد واجه الرسول (صلى الله عليه وآله) الحرب النفسية بحكمة القائد الميداني العارف ببواطن الأمور، فكان يؤكد للمسلمين أن الله معهم وأن النصر حليفهم، وقد تمثّل ذلك على المؤمنين والمخلصين فاستعدوا للدفاع عن الإسلام وعن المدينة المنورة بكل عزيمة وإصرار(11).
في هذا الإطار فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يندب المسلمين إلى حفر الخندق ، ثم ذهب يراقبهم في قصر منيف له مستريحاً هادئاً، ولا اقبل اليهم في احتفال ليمسك معول أحدهم بأطراف أصابعه، فيضرب به ضربة واحدة في الارض إيذاناً ببدء العمل، ولكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد انخرط في العمل كأي واحد من أصحابه، فما تفرق عن أي عامل آخر من صحبه واخوانه، يرتجزون الشعر لينشط بعضهم بعضاً، فيرتجز معهم ويتعبون ويجوعون فيكون اولهم تعباً وجوعاً(12).
كان وجود أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله) حوله فرصة لاستثارة مواهبهم وميزاتهم وامتدادهم، لذا كانوا حول النبي (صلى الله عليه وآله) بكامل شخصياتهم، وقد أطلق لهم آفاق الاقتدار، فكان كل منهم حاضراً، وليس فيهم منتقص الشخصية ولا مقموع المواهب، ومع أنهم حول النبي (صلى الله عليه وآله) إلا أن وهج شمسه لم تطفئ أنوار نجومهم، وهذا خلاف ما نراه في كثير من الشخصيات القيادية التي تطمس مواهب من حولها وتمتص قدراتهم، وتذيبهم في شخصية القائد(13).
معالم وضاءة:
إنّ كون النبي (صلى الله عليه وآله) قائداً للأمة ومعلما ً لها، كان حريا لمن يتصدى لهذا المنصب أن يحس بآلام الناس ومعاناتهم، القائد الإلهي الإنساني يجب أن يذوق مرارة العيش، ويتلمس بنفسه الظروف القاسية، كي يستطيع أن يتفهم ما تعانيه الفئات المحرومة، وليس النبي الخاتم وحده، وإنما قد يكون كل الأنبياء منطلقين من المعاناة والألم، وكل القادة الحقيقيين الناجحين(14)، وبذلك تدعو معالم القيادة المتجسدة في رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مجالاتها المختلفة والمتعددة وفي كلها معالم وضاءة وصور معبرة عن إدراك للواقع ومعرفة بالأحداث، ورؤية للمستقبل، وتوقع للتطورات .
-----------
1- ابن إسحاق ،كتاب السير والمغازي ،تحقيق د.سهيل زكار : 120.
2- ابن سعد ،الطبقات الكبرى ،تحقيق علي محمد عمر :1 /107.
3- عبد العزيز المطوع ، قصة النبي محمد: 1/376.
4- سعيد حوى، الرسول : 184.
5- د، محسن الموسوي ، السيرة النبوية : 239.
6- محمد علي التسخيري ، نظرة سريعة في حياة نبي الإسلام : 58.
7- أحمد الهاشمي ، جواهر الأدب :1 / 16 .
8- محمد الريشهري ، القيادة في الإسلام : 248.
9- د. حافظ الكرمي ، الإدارة في عصر الرسول: 211.
10- محمود شيث خطاب ، الرسول القائد: 191.
11- حسين بركة الشامي ، يا أيها النبي : 297.
12- د. محمد سعيد رمضان البوطي، فقة السيرة: 322.
13- عبد الوهاب أبا خليل الحياة النبوية :1/209.
14- ناصر مكارم الشيرازي ، الأمثل في تفسير الكتاب المنزل: 2/2781.