في لحظة الارتباك التي أعقبت استشهاد النبيِّ الأكرم(صلى الله عليه وآله)، وحين زاغت الأبصار وارتجّت النفوس، توثّبت سليلة النبوة، وربيبة الوحي، لتعيد رسم المشهد الذي التبست فيه المواقف والشخوص، بعد أن احتنك بنو السقيفة لجام الأمة، ونزا لقطاء مكة على منبر الرسالة، وأعلنت أم الحسن في خطبتها المفوّهة مشروعها الثوري الذي ارتسمت معالمه في ثلاث لاءات مدويّة، راح يتردد صداها بين طرفي الأرض، وهي ترتيبًا:
"أيها الناس، اعلموا أني فاطمة وأبي محمّد، ولا أقول ما أقول غلطا، ولا أفعل ما أفعل شططا...".
"كلّما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله، أو نجم قرنٌ للشيطان، أو فغرت فاغرة المشركين، قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ يطأ جناحها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه، مكدودًا في ذات الله...".
"إليكم عني فلا عذر بعد تعذيركم، ولا أمر بعد تقصيركم".
وقد أسست السيدة الزهراء(عليه السلام) في هذه اللاءات مذهبها الاحتجاجي القائم على أساس البرهان العقلي والدليل الإبستمولوجي، ففي الأولى صرّحت عن نفسها وامتدادها الشرعي والمشروعي في وجه الذين أحدثوا بعد رسول الله وذهبت بهم المذاهب، وأفصحت عن أصلها المندك في أرومة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ذاتًا وموضوعًا، وأنها تستنطق القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة استنطاق النبي(صلى الله عليه وآله) للوحي، لذا فهي فوق الشبهات والمؤاخذات والاسقاطات الشخصية والسياسية والمصلحية، ومن هنا فهي تكتسب الشرعية المطلقة والتامة في تمثيل رسول الله والحكم بمقتضى رسالته، وهو الأمر الذي يجعل الجبهة الأخرى تسقط في مأزق الشرعية وحيازة السلطة بغير وجه حق.
أما اللاء الثانية فقد أطلقتها بوجه مدّعي أحقية الخلافة بعناوين واهية لا حجّية لها في دائرة العمل الإسلامي، فقد أحالتهم إلى سابقة أمير المؤمنين في ساحة الجهاد في سبيل الله بين يدي رسوله، ودوره المحوري في قلب المعادلات وتحويل ميزان القوى لصالح المسلمين في ميادين الحرب وطريق ذات الشوكة، وهذه لفتة شديدة الألمعية منها سلام الله عليها، فهي إنما ذكّرت القوم بذلك لتضع بذلك معيارًا للأهلّية في استلام الوظائف الإدارية والسياسية والتنفيذية، وهو معيار النيّة الخالصة لوجه الله تعالى، والتجربة الغنية بدلالات التفوّق، وبذل ما في السعة بمختلف جوارح المرء، وهو ما ينطبق على أمير المؤمنين انطباقًا كليًا بلغ حدّ التفرّد، وليس الأمر كما يتشدّق به المتشدّقون من اجتماع الكلمة والسابقة في السن، وغيرها من المعاذير التي لا تصمد أمام الدليل.
وكانت لاؤها الثالثة بمثابة التصديق على كل ما قدّمته في خطبتها الغرّاء من شواهد وأمارات في بطلان دعاوى القوم وفساد أمرهم، وقدّمت استشرافًا توثيقيًا للأجيال، بأن الأمة منذ تلك اللحظة ستجد نفسها بين مشروعين متضادّين لا يلتقيان في شيء البتة. الأول يمثّلانه علي وفاطمة وأبناؤهما عليهم السلام وهو سبيل الهداية، والآخر يمثّله ما خلاهم مهما علا شأنهم واختلفت مسمّياتهم وهو طريق الضلالة، وما هي إلا أيام يتناوبها الجديدان الليل والنهار، حتى يتجلّى مصداق الآية المباركة:
﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
والسلام على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها.