أ.م.د. علي زناد كلش البيضاني
وزارة التربية/ المديرية العامة للتربية في ميسان
المصدر: مجلة الولاية – العدد 201 – الصفحة (67)
يُعد موضوع الصداقة والصديق من الموضوعات المهمة والحساسة، كونه يُلبي حاجة ضرورية داخل النفس البشرية لا غنى عنها، إذ تحتل الموضوعات الاجتماعية ذات الصلة بحياة الإنسان أهمية بالغة في حقل العلوم الإنسانية، لما تمارسه من تأثير مباشر، يلقي بظلاله على مسيرة السلوك الإنساني، ولما كان كذلك فقد بيّنا في هذا المقال أهم المحددات والضوابط والشروط والحقوق للصداقة، عن طريق رؤية الإمام الصادق (عليه السلام) لهذا الموضوع، ليكون مرشدًا لنا في مسيرة الحياة، لاسيما مع وجود التأثير الكبير للصديق في صديقه في الشقين الإيجابي والسلبي.
من حيث الحقل اللغوي عُرفت الصداقة بأنها مصدر الفعل صادق، وقد صادقه مصادقة أي صدقه النصيحة والمودة(1)، والمصادقة المخالة، وصدقه النصيحة والإخاء أمحضه له، وصادقته مصادقة وصداقا خاللته، والاسم الصداقة وتصادقا في الحديث وفي المودة والصداقة مصدر الصديق، واشتقاقه أنه صدقه المودة والنصيحة والصديق المصادق لك، والجمع صدقاء وصدقان وأصدقاء وأصادق(2)، أما في الجانب الاصطلاحي: فقد عُرّفت الصداقة بأنها ((علاقة اجتماعية وثيقة تقوم على مشاعر الحب والجاذبية المتبادلة بين شخصين أو أكثر))(3).
وعُرّفت ايضًا بأنها ((علاقة اجتماعية طوعية يختارها الإنسان بمحض إرادته، ليكوّن بها مع الآخرين صلات وروابط، يسد حاجاته ويفترض أن تتسم بالصدق والحميمية والتبادلية المتوازنة ما بين التعاون والاستقلالية، ويشعر الفرد من خلالها بالإشباع النفسي))(4).
أهمية الصداقة وحقيقتها في أحاديث الإمام الصادق (عليه السلام)
لما كان الإنسان اجتماعياً بطبعه فلا يمكن له العيش بمعزل عن محيطه الاجتماعي، الذي يؤثر ويتأثر فيه، وكلما توسعت حلقة العلاقات الاجتماعية حققت تواصل أكبر، وتوسعت معه دائرة التأثير بشقيه الإيجابي والسلبي في حياة الأطراف المتصادقة، خصوصًا إذا تعمّقت جذور تلك الصداقة، وكانت للإمام الصادق(عليه السلام) طائفة من الأحاديث، التي دللت على أهمية الصداقة والحاجة إليها، بوصفها ضرورة لا مناص منها، ولنا أن نستعرض جملة من هذه الأحاديث، إذ روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) قوله: ((المؤمن مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف))(5).
يُفهم من هذا الحديث أن الصداقة تحد من شعور الإنسان بالوحدة المسببة للكثير من الأمراض النفسية، ((فالصداقة ضرورية للإنسان، فقد خلق في الدنيا بطبعه غير منعزل ولا منفصل عن أخيه))(6).
ولأهميتها البالغة بيّن الإمام الصادق(عليه السلام)حساسية الصداقة، وضرورة الحفاظ عليها بقوله ((صحبة عشرين سنة قرابة))(7)، فالإمام الصادق(عليه السلام) عندما ينقل الصحبة إلى قرابة فهنا تأكيد كبير على الحفاظ عليها والمسؤولية تجاهها، لأن القرابة تترتب إزاءها جملة من الاشتراطات والحقوق التي تضبط إيقاعات التعامل معها، بل الأكثر من ذلك نجد الإمام الصادق(عليه السلام) يقرر ضابطة فيها نوع من التحذير لمن يخل بتلك الصحبة والمودة بقوله: ((مودة يوم صلة، ومودة شهر قرابة، ومودة سنة رحمٌ ماسةٌ، من قطعها قطعه الله))(8).
ويتضح أيضًا من أحد أقواله(عليه السلام) إن الصداقة كلما طال بها الزمن تعمقت جذورها، وزادت مسؤولياتها، وجعلت الإنسان مسؤولًا عن رعايتها والحفاظ عليها، بقوله(عليه السلام)((معرفة يوم صداقة، ومعرفة جمعة مودة، ومعرفة شهر أخوّة، ومعرفة سنة رحم متصل))(9).
اختيار الأصدقاء وحقوقهم عند الإمام الصادق(عليه السلام)
للإمام الصادق(عليه السلام) كلام إرشادي وتوعوي، يُنبّه الإنسان إلى محددات اختيار الصديق وضوابطه والبحث عن الصفات الحميدة، التي يحملها؛ لينعم بني البشر بصديق يُطمأن له ويُعتمد عليه ويُؤمن منه، إذ روي عنه قوله (عليه السلام): ((لا تكون الصداقة إّلا بحدودها، فمَن كانت فيه هذه الحدود أو شيءٌ منها فانسبه إلى الصداقة، ومن لم يكن فيه شيء منها فلا تَنسِبه إلى شيءٍ من الصداقة:
فأوّلها: أن تكون سريرته وعلانيته لك واحدة.
والثانية: أن يرى زَينك زينَه وشَينَك شَينَه.
والثالثة: أن لا تُغيّره عليك ولايةٌ ولا مال.
والرابعة: أن لا يمنعك شيئًا تناله مقدرته.
والخامسة: وهي تجمع هذه الخصال ـ: أن لا يُسْلِمَك عند النكبات))(10).
يشير الإمام الصادق(عليه السلام)في هذا الحديث إلى جملة محددات وصفات، ينبغي توافرها في الصديق، والملاحظ إن هناك متفرقاً وجامعاً لها، فبعد أن ذكر الإمام الصادق(عليه السلام) في أربع صفات متفرقة جمعها كلها في واحدة، ألا وهي (أن لا يُسْلِمَك عند النكبات)، وكأن الجامع لهذه الصفات هو الموقف عند الشدة، وطبيعة تعامل الصديق مع صديقه في لحظة تعرض صديقه لشدة وفي أثنائها وبعدها،عندما يتخلى عنه الجميع، ويبقى من كان صادقًا في صداقته معه.
وهناك إضافة أخرى عند إمامنا الصادق(عليه السلام) في مسألة معرفة الصديق عند الغضب بجعلها لثلاث مرات، إذ إن الاختبار للمرة الأولى والثانية غير كافٍ ما لم تستطلع سريرته في المرة الثالثة، إذ رويّ عنه (عليه السلام) قوله: ((مَنْ غَضِبَ عَلَيْكَ مِنْ إِخْوَانِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يَقُلْ فِيكَ شَرًّا فَاتَّخِذْهُ لِنَفْسِكَ صَدِيقًا))(11).
وهذا التأكيد من الإمام الصادق(عليه السلام) يشير إلى أن الحقائق مخفية خلف الغضب، وقابعة ومتوارية وراء قناع الرضا، فإن تمزق ذلك القناع انكشفت تلك الحقيقة وبان وجهها، وعند ذلك الموقف يتم الحكم على الصديق الحقيقي وحقيقة الصداقة.
وجمع الإمام الصادق (عليه السلام) حقوق الأصدقاء بعدة أمور منها (الإغاثة والمواساة، عدم التقاطع ونبذ الفرقة، عدم التكلّف للإخوان، المصافحة والمعانقة، الوفاء بالوعود، إدخال السرور، عدم تتبع العثرات، الدعاء للصديق، قضاء حوائجه، التواصل والتزاور)
نماذج ينبغي عدم مصادقتهم:
كما شدد الإمام الصادق(عليه السلام) على مصادقة بعض النماذج ووصف خصائصهم ومميزاتهم، شدد في الوقت نفسه على عدم مصادقة بعضهم الآخر، وحذر من الاقتراب منهم لسوء صحبتهم وتأثيرهم السلبي المترتب جراء معاشرتهم، وفي هذا الصدد أشار (عليه السلام)إلى بعض النماذج التي ينبغي عدم مصادقتها ومنها، قال الإمام الصادق(عليه السلام): ((لا تَصْحَبُوا أَهْلَ الْبِدَعِ وَلا تُجَالِسُوهُمْ فَتَصِيرُوا عِنْدَ النَّاسِ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ قَالَ رَسُولُ الله (صلى الله عليه وآله) الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ وَقَرِينِهِ))(12)، يقع هذا التحذير في الإطار الديني، فتحذير الإمام الصادق(عليه السلام)يريد القول باتجاهين:
الأول: تحذير مباشر من مغبة الوقوع في الضلال والانحراف الديني والفكري جراء مصادقة من يتصف بهذه الصفات.
الثاني: تحذير غير مباشر، فإنك إن لم تقع في المحذور الشرعي والضلالة والانحراف فإن الناس ستنظر إليك وتحكم عليك بحكم غير مقبول، لأنك تماشي ذلك الضال المنحرف صاحب البدع، فمن الجانبين تجد السلبية والضرر موجودة في مصادقة ذلك الشخص، فينبغي إما عدم مصادقته من الأصل أو تركه.
وفي حديث آخر مقارب لما ذُكر أنفًا يقول الإمام الصادق(عليه السلام): ((انظر إلى كل ما لا يعنيك منفعة في دينك فلا تعتدن به، ولا ترغبن في صحبته، فان كل ما سوى الله مضمحل وخيم عاقبته))(13).
وهناك نوع من التحذير أطلقه الإمام الصادق(عليه السلام) ينبغي الالتفات إليه يُحقّل ضم الإطار العلمي، إذ قال الإمام الصادق(عليه السلام): ((لا تصحب من يكتم علمه عنك))(14).
وبهذا يكون الإمام الصادق(عليه السلام) قد رسم لنا المعالم العامة للصداقة والصديق، على وفق رؤية معصومية، تتيح لنا الاختيار الأمثل، وتجنب الأسوأ، لنحفل بخليل وصديق أنموذجي، يعين صاحبه في مسارات الحياة المختلفة.
------------------
1.الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين: 5 / 56.
2.ابن منظور، لسان العرب: 10 / 194.
3.أحمد المجذوب، الصداقة والشباب: 21.
4.أحمد كامل إسماعيل، الصداقة لدى طلبة المرحلة المتوسطة: 27 / 13.
5.محمد بن الحسن الحر العاملي: 10 / 158.
6.باقر شريف القرشي، الصداقة في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام): 18.
7.المجلسي، بحار الأنوار: 71 / 175.
8.محمد بن محمد الغزالي، إحياء علوم الدين: 391.
9.عبر الله بن جعفر الحميري، الجعفريات (المنسوب إلى الإمام جعفر الصادق): 54.
10.الصدوق، الأمالي: 767.
11.الفتال النيسابوري، روضة الواعظين: 388، المجلسي، بحار الأنوار: 71 / 173.
12.الكليني، الأصول من الكافي: 2 /642، الحر العاملي، وسائل الشيعة: 16 /260.
13.الحر العاملي، وسائل الشيعة: 18 / 418.
14.الحميري، الجعفريات: 55.