الباحثة: مروة حيدر
النجف الأشرف
المصدر: مجلة الولاية – العدد 197 – الصفحة (17)
عند قراءة النص الديني، قرآنًا كان أم حديثًا، ينبغي الانتباه إلى طبيعة خطابه: هل هو خطاب تاريخيٌّ يعالج واقعة مخصوصة في زمان ومكان محدَّدين؟ أم هو خطاب ممتدٌّ يتجاوز حدود المرحلة ليخاطب الإنسان في كل زمان ومكان؟
إن الفهم الصحيح للنص يتوقف على إدراك أرضيته التاريخية، وسياقه الواقعي الذي صدر فيه، وما يترتب على ذلك من أثر في دائرته الدلالية، من هنا تنشأ الإشكالية الرئيسة: ما أثر الزمان والمكان في معرفة خصوصية النص الحديـثي أو عموميتـه؟
أولًا: تصنيف النصوص الدينية بين التاريخية والممتدة(١).
يمكن تصنيف النصوص الدينية إلى نوعين رئيسين:
الأول النص التاريخي:
هو الذي صدر لمعالجة واقعة خاصة أو مشكلة عينية، تحكمها ظروفها الزمانية والمكانية، فلا يمتد حكمها إلى غيرها من الحالات. فهو نصٌّ واقعيٌّ لا تشريعيٌّ، مرتبط بظرفه الموضوعي.
الثاني: النص التشريعي العام:
هو النص الذي يتجاوز حدود المرحلة التاريخية، ويقدّم حكمًا ثابتًا ودائمًا ما بقي الإنسان، منه قوله(صلى الله عليه وآله): ((حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيـــامة))(٢).
فهذه النصوص تمثل تشريعات عامة، بخلاف ما ورد لمعالجة قضايا جزئية أو مؤقتة.
ثانيًا: تطبيقات على النصوص التاريخية
تظهر الطبيعة التاريخية لبعض النصوص الحديثية في روايات متعدّدة، منها:
الروايات الطبية:
منها الأحاديث الواردة عن النبي(صلى الله عليه وآله) وأهل البيت(عليهم السلام)، التي تأمر بتناول أعشاب معينة، أو تنهى عن أدوية محددة؛ إذ ترتبط ببيئة الطبّ وعلومه في ذلك العصر، ولا يُقصد بها تأسيس قاعدة طبية مطلقة(٣).
الروايات العمرانية:
منها قول الإمام الصادق(عليه السلام): ((والطريق يتشاحّ عليه أهله فحدّه سبع أذرع))(٤)، وفي رواية أخرى: خمـس أذرع.
فهذه التحديدات جاءت لعصر كانت فيه وسائل النقل حيوانية، أما اليوم فتتغير بحسب حاجات العمران الحديث واتساع الـطـرق.
ثالثًا: النصوص ذات الامتداد الزماني والمكــاني
بالمقابل، هناك نصوص لا تخضع لظروف تاريخية خاصة، بل تتميز بقدرتها على الامتداد والتجدّد. كما سئل الإمام الصادق(عليه السلام) (ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلا غضاضة "طراوة" ؟ فقال: ((لأنّ الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد، وعند كل قوم غضّ إلى يوم القيامة))(٥).
إن هذا الحديث يفتح للباحث آفاقًا فكرية متجدّدة، تمنعه من الوقوف عند حدود الفهم السلفي الجامد؛ لأنّ الفهم الديني بطبيعته نسبي ومتطور، وكم ترك السابقون مساحةً رحبةً لمن يأتي بعدهم في الاجتهاد والتفسير(٦).
أما الكلام عن المستوى الآخر في دور الزمان والمكان في إيجاد تطبيقات جديدة للنص فيما لاريب فيه، وقد بيّن ذلك الإمام الصادق(صلى الله عليه وآله) فيما روي عنه: (ولو كان إذا نزلت "أي الآية" في رجل ثم مات ذلك الرجل ماتت الآية، لمات الكتاب ولكنه حي يجري فيمن بقي كما جرى فيمن مضى)(٧).
وهذا يدلُّ على أنّ النصوص التشريعية الكبرى تعبّر عن مبادئ كلية تتجدّد مصاديقها مع تطور الحياة.
ومن أمثلتها قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾[ الانفال: ٦٠]
فالقوّة مفهومٌ متطوّر، كانت يومًا تتمثّل في رِباطِ الخيل وما تحويه آلةُ الحرب زمنَ النزول، أمّا اليوم فقد اتّسع معناها ليشمل القوّةَ بمفهومها الأشمل: قوةَ الحوار السياسي، والتأثير الثقافي، والتقدّم الحضاري، بل حتى التفوّق الاقتصادي.
رابعًا: التحوّل اللغوي والمفهومي
اللغة كائن حيّ، تتطور مفرداتها ودلالاتها بتغير العصور والمجتمعات، وقد يكتسب النص الحديثي تاريخيته من المفاهيم التي كانت سائدة في زمنه، بحيث لو نُطق اليوم باللفظ نفسه لاختلف مدلوله(٩).
فمثلًا، كان لفظ الصدقة يُستعمل في صدر الإسلام للدلالة على الوقف، في حين أصبح اليوم مصطلح الوقف يُفهم بمعنى مؤسساتي خاص، مما يستدعي دقة في فهم المصطلح ضمن سياقه التاريخي(١٠).
خامسًا: أثر الزمان والمكان في التطبيقات الواقعية للنـص
يتجلى أثر الزمان والمكان في كيفية تنزيل النصوص على الواقع:
في حديث النبي محمد(صلى الله عليه وآله): ((إذا تزوج أحدكم أو اشترى خادمًا فليقل: "اللهم إنّي أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرّها ومن شر ما جبلتها عليه، وإذا اشترى بعيرًا فليأخذ بذروة سنامه وليقل مثل ذلك))(١١).
فالنصّ ناظر إلى واقع عصره (الخدم والإبل)، لكن الدعاء مضمونه يمتد إلى ما يماثله اليوم كالزواج وشراء السيارة ونحوها من الأدوات الحديثـة.
وفي حديث زكاة الفطر: ((فرض رسول الله(صلى الله عليه وآله) زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين ))(١٢).
فذكر التمر والشعير يمثّل طبيعة القوت في المدينة، والمقصود إخراجها من القوت الغالب في كل بيئة، يقول أبو سعيد الخدري ((كان طعامنا الشعير والزبيب والتمر))(١٣).
أما مسألة سكوت المرأة عند الزواج، فقد كان في الماضي يُعد تعبيرًا عن رضاها في بيئة يغلب عليها الحياء والعزلة، غير أن هذا المعنى لم يَعُد قائمًا اليوم؛ إذ تغيّر السياق الاجتماعي والنفسي للمرأة، وأصبح السكوت لا يُعَدّ بالضرورة علامة على القبول(١٤).
وكذلك الأمر في مسألة الخِضاب وتغيير الشَّيب؛ إذ كان لذلك حكمٌ مرتبط بظرفٍ خاص، كما تكشفه نصوصٌ أخرى، وهو رغبة المقاتلين المسلمين في ألا يظهروا بمظهر الشيوخ الضعفاء، حتى لا يؤثر ذلك في معنوياتهم في سوح القتال ،ومن ثَمّ فإن هذا الحكم ليس عامًا كما يتصوّر بعض الدارسين، بل هو خاصٌّ بتلك الحال ومرتبط بزمانها وظرفها(١٥).
سادسًا: أثر البيئة في الاجتهاد الفقهي
حتى الفقيه ذاته يتأثر ببيئته الثقافية والطبيعية؛ فالمقيم في بيئة وفيرة المياه مثل (إيران) قد يتشدد في أحكام الطهارة، بينما من يعيش في بيئة قليلة الماء مثل (مكة قديمًا) يقرأ الروايات نفسها بروح مختلفة، مراعيًا مقتضيات الواقع(١٦).
ومثال آخر: الروايات التي تحث على تناول الملح قبل الطعام جاءت مراعيةً لمناخٍ حارٍّ كانت فيه الحاجة إلى الأملاح شديدة، بينما في البيئات الباردة قد يكون ذلك ضارًّا.
إذن، ففهم النص لا ينفصل عن فهم بيئة السائل والمخاطَب(١٧).
إنّ مراعاة أثر الزمان والمكان في فهم النصّ الحديثي لا تُنقص من قداسته ولا من حجيّته، بل تُسهم في إدراك مقاصده على وجهها الصحيح. فتمييز ما هو تشريعيٌّ عام عمّا هو ظرفيٌّ خاص يُحقق التوازن بين ثبات النصّ وقدسيته من جهة وحركة الواقع وتغيّره من جهة أخرى، لتبقى القراءة الدينية حيّةً، مرنةً، قادرةً على استيعاب الإنسان المعاصر وتجدّد حياته.
ــــــــــــــــ
(١) ظ: الخشن، الشريعة تواكب الحياة: ١٢٤.
(٢) ظ: المصدر نفسه:١٢٤.
(٣) ظ :الصدوق، الاعتقادات:٩٠.
(٤) الحر العاملي، وسائل الشيعة : 4/١٤٣.
(٥) المجلسي، بحار الانوار :١٥/٨٩.
(٦)الخشن، الشريعة تواكب الحياة: ١٦٥.
(٧) المجلسي، بحار الأنوار:٤/٤٣.
(8)محمد علي أيازي، مقاصد الاحكام الشرعية وغاياتها :2/١١٧.
(9) ظ : البحراني، الحدائق الناظرة: 22/ ١٢٨.
(١0) أبو داود، السنن : 2/٣٨٤.
(١1) البخاري، الصحيح: 2/٥٤٧.
(١2) المصدر نفسه: 2/٥٤٨/.
(١3) حيدر حب الله، نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي: ٧٤٢.
(١4) مرتضى المطهري، المجموعة الكاملة : 20/١٨١.
(١5) المصدر نفسه: 21/١٦٤.
(١6) محمد مهدي، شمس الدين:الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي: ٩١.