100%
حتى يتفقهوا

منافع القرض وأحكامها بين الربا والوقف

م. د علي عبد العظيم هادي الخاقاني

وزارة التربية – مديرية تربية النجف الأشرف

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 197 – الصفحة (25)

 

القرض من المعاملات المتداولة بين الناس، بغية تمشية أحوالهم الى أجل مسمى، وتشتمل هذه المعاملة على تفرعات وجزئيات، من الضروري والمهم تعلمها من قبل المؤمنين؛ خشية الارتطام بما يَحرم التعامل به من تلك التفرعات، والقرض أيضاً من المعاملات التي لها جانبان: أحدهما نافع في الدنيا والآخرة، والجانب الآخر عكسه تماماً؛ فقد يكون القرض سبباً للشقاء والعسر في الدنيا، وسبباً لدخول النار في الآخرة.

ومنافع القرض تختلف عن القرض نفسه في بعض الأحكام الشرعية، سواء أكان في موضوع الوقف أم في موضوع الربا، وفيها بعض الاختلاف عند الفقهاء، فهل يصح وقف منافع المال المُعد للقرض؟ أم هل يُعد رأس المال المُقرَّض أساساً من الوقف؟ وهل يصح وقف هكذا موضوع؟ وهل يشمل حرمة الربا ما ينتج من منافع للمال المقترض؟ هذا ما سيتطرق إليه مقالنا ، وبالإيجاز غير المخل إن شاء الله تعالى؛ كون المقام مقام إيجاز، وللتفصيل مقام آخر، فنقول:

أولاً- تعريف القرض: أَصل القَرْضِ في اللغة القَطْعُ، والمِقْراضُ من هذا أُخِذ(1)، وفي الاصطلاح الفقهي هو تمليك مال لآخر بالضمان في الذمة بمثله إن كان مثلياً، وبقيمته إن كان قيمياً، ويقال للمملِّك: (المقرض) وللمملَّك: (المقترض أو المستقرض)(2).

ثانياً- شروط صحة القرض: تحرص الشريعة الإسلامية على حصانة الطرفين -المملِّك والمملَّك- وحفظ حقوقهما، لذا ينبغي توافر شروط عدة في صحة القرض، منهـا(3):

1. العقد: فالقرض يعد عقداً، لذا يجب فيه ما يجب في العقود: من الإيجاب والقبول وبالصيغة، سواء باللغة العربية أو بغيرها، ولو وقع على سبيل المعاطاة من دون التلفظ بالصيغة صح أيضاً.

2. يشترط في القرض أن يكون المال عيناً، فلا يصح أن يكون ديناً أو منفعة.

3. يشترط أن يكون المال مما يصح تمليكه، فلا يصح إقراض الخمر أو الخنزير، أو نحوهما من المحرمات.

4. يشترط في القرض القبض، فلا يملك المستقرض المال إلا بعد قبضه.

5. يشترط عدم الزيادة على المقترض.

ثالثاً- ربا منافع القرض: منافع القرض يقصد بها هنا الانتفاع بالعين المرهونة عند المقــرض.

ويماثله أيضاً: اشتراط الزيادة على المقترض، بأن يقرضه مالاً على أن يؤديه بأزيد مما اقترضه، سواء اشترطاه صريحاً أم أضمراه بحيث وقع القرض مبنياً عليه.

فالربا في منافع القرض هو اشتراط الانتفاع بمنافع العين المقبوضة كرهن، وهو بمثابة اشتراط الزيادة في القرض، وهذه المنافع محرمة شرعاً، ولا فرق في حرمة اشتراط الزيادة بين أن تكون الزيادة عينية -كما إذا أقرضه عشرة دراهم على أن يؤدي اثني عشر- أو عملاً -كخياطة ثوب- أو منفعة -كالانتفاع بالعين المرهونة عنده- أو صفة -كأن يقرضه دراهم فضية مكسورة على أن يؤديها صحيحة(4).

رابعاً- وقف منافع القرض: نقصد هنا وقف مبلغ من المال لينتفع به المؤمنون على نحو القرض، فيتم تخصيص مبلغ من المال وتسبيل منافعه للمؤمنين.

وإقراض المؤمنين من المستحبات المؤكدة، سيما لذوي الحاجة، لما فيه من قضاء حاجته وكشف كربته، وهو من الأمور التي يشجع عليها أهل البيت (عليهم السلام)، فعن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): ((من أقرض مؤمنًا قرضا ينظر به ميسوره كان ماله في زكاة، وكان هو في صلاة من الملائكة حتى يؤديه))(5)، وعنه (صلى الله عليه وآله) أيضاً قال: ((من أقرض أخاه المسلم كان له بكل درهم أقرضه وزن جبل أحد من جبال رضوى وطور سيناء حسنات، وإن رفق به في طلبه تُعدّي به على الصراط كالبرق الخاطف اللامع بغير حساب ولا عذاب، ومن شكا إليه أخوه المسلم فلم يقرضه، حرّم الله عز وجل عليه الجنة يوم يجزي المحسنين))(6).

إن الإسلام أهدى للبشرية مؤسستين أساسيتين: مؤسسة الزكاة ومؤسسة الوقف، ويُعد الوقف من الصيغ التمويلية التي يمكن الاعتماد عليها في تمويل الاحتياطات الاجتماعية والاقتصادية كافة، فضلا عن أنها صيغة تمويلية تبرعيه لا تُلقي أيّة تكلفة على المتمول إلّا عبر المقترحات المقدمة باستخدام الوقف في التمويـل(7).

الوقف هو: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وينقسم من حيث الموقوف عليه على أقسـام(8):

1. ما يكون وقفاً على عين أو أعيان خاصة، سواء أكانت إنساناً أم غيره -ومنه وقف الدار على زيد أو وقف البستان على المسجـد-.

2. ما يكون وقفاً على عنوان عام قابل للانطباق على عين أو أعيان خاصة، سواء لم تكن له مصاديق طولية -كأوقاف الشيعة على الأئمة(عليهم السلام) في زمن الحضور، أو على المرجع الأعلى في زمن الغيبة-، أم كانت له مصاديق طولية وعرضية -ومنه الوقف على الفقراء، أو علماء البلد، أو الطلبة، أو الأيتام ونحو ذلك.

3. ما يكون وقفاً على عنوان غير منطبق على الأعيان، ويعبر عنه بالجهة، سواء أكانت جهة خاصة أم عامة -ومنه وقف البستان ليصرف وارده على عزاء الحسين عليه السلام في الدار الفلانية، أو على إطعام ذرية فلان، أو معالجة المرضى، أو تعليم القرآن، أو تبليغ المذهب، أو تعبيد الطرق، أو على سبيل الخير عامة، أو نحو ذلك.

ويشترط في الوقف: البلوغ، والعقل، والاختيار، والقصد، وعدم الحجر عن التصرف في الموقوف لسفه أو فَلَس.

وحكم وقف منافع القرض فيها كلام لدى الفقهاء، فهو يُعدّ وقف المالية، ووقف المالية: حبس المالية، وتسبيل منفعتها، أي: مالية النقود، وهذا الوقف، لم يكن مشاعاً في العصور المتقدمة، وإن كان موجودا فعلاً، حيث كان الباحثون يتحدثون عن أوقاف نقدية للإقراض، أو الاستثمار، والمضاربة بشكل بسيط(9)، والمالية: هي القوة الشرائية الموجودة في النقود، وفي بعض الاشياء العينية.

قال بعض الفقهاء(10) بعدم صحة وقف الأموال النقدية كالدراهم والدنانير وغيرها؛ وذلك لعدم وجود نفع لها إلاّ بالتصرف فيها، وهو مناف للوقف المقتضي بقاء الأصل.

وهناك من قال بصحة وقف الأموال (كالدراهم والدنانير)؛ حيث يُفترض لها نفع مع بقائها؛ كالتزيين بها ودفع الذل ونحوها، فيتناولها حينئذ إطلاق أدلّة الوقف، فينتفع بها بواسطة إعارتها مع بقاء عينها.

ولا تنافي بين هذين القولين؛ لأنّ القول الأوّل افترض أنّ نفعها يكون بالتصرف بها وهو مناف لبقائها، بينما افترض القول الثاني وجود نفع لها من دون أن يتصرف بها، وهو لا ينافي البقاء للعين.

 ولكن البحث المطروح هو شيء آخر غير ما تقدم، وهو جواز وقف الأموال لأجل القرض أو المضاربة، فتكون المالية هي الموقوفة مع تبدّل تجسيدها من عين إلى عين أُخرى، فهل يجوز مثل هذا الوقف مع أنّ فتاوى الفقهاء صرحت بأنّ الوقف إنّما يصح في الأعيان المملوكة التي ينتفع بها مع بقاء عينهـا؟

وبعبارة أُخرى: أنّ مشكلة حرمة تبديل العين الموقوفة تجعلنا نفكر في بديل لوقف العين بحيث يمكننا أن نوقف المالية، ونجعل المتولي على وقف المالية قادراً على التبديل والبيع بما يراه صالحاً في أي وقت أراد، وهذا ما يجعل الوقف مواكباً للمناشط العصرية التي تقوم بها السوق المالية، فيدخل المال الموقوف في المعاملات بحسب ما يراه المتولي، أو يستفيد من مالية المال الموقوف المحتاجون لقضاء حاجاتهم من المال بشرط إرجاعها لتقرض ثانياً.

وهذا الأمر جيد إن قام عليه دليل يصحح هذا الموقف، فهل من دليل على ذلك؟

أقول(11): قد يقال:

أوّلا: إننا نتمسّك بإطلاق روايات الصدقة الجارية الوارد في روايات صحيحة متعددة؛ بمعنى أنّ الجريان ليس مصداقه الوحيد هو انحباس العين وتوقيفها عن البيع ــــــ حيث كان هو المصداق الرائج في زمن صدور النصّ ـــــــ بل هناك مصداق آخر للصدقة الجارية وهو مالية الشيء، التي يمكن تجسيدها ضمن أعيان مختلفة متعاقبة، وحينئذ يكون قوام الجريان بالتحبيس ولكن المحبوس قد يكون عيناً وقد يكون مالية.

وهذا البيان لوقف المالية لا يعارضه ما ورد من تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة (الثمرة)؛ إذ إنّ وقف المالية أيضاً تحبيس لها، وقرضها أو المضاربة بها مع كون النفع للمحتاجين هو نوع تسبيل للمنفعة المرتجاة من المالية.

ثانياً: إنّ صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج صرّحت بجواز شرط الواقف حق البيع والتبديل للموقوف عليه، وحينئذ يرجع واقع هذا الشرط إلى التصدق بالمالية القابلة للتجسيد في الأعيان المختلفة.

ويرد على الدليل الأوّل: أنّنا نحتمل أنّ الصدقة الجارية الواردة في الروايات منحصر مصداقها في مرتكز المتشرعة في الوقف، الذي لا يباع ولا يوهب ولا يبدّل، وهذا الارتكاز يكون صالحاً للقرينية الموجبة لانصراف إطلاق عنوان الصدقة الجارية إلى وقف العين.

ويرد على الدليل الثاني: أنّ في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج(12) جواز بيع الوقف لوفاء الدين، وجواز بيع الوقف وتقسيم الثمن على آل بني المطلب وآل أبي طالب والهاشميين، وهذا معناه إبطال الوقف لا أنّ الوقف يكون للمالية التي تبقى ثابتة ويكون النفع منها بالقرض والمضاربة، فهي أجنبية عن محل كلامنـا.

يبقى أنّنا نتمكن أن نصل إلى نتيجة وقف المال لأجل القرض أو المضاربة، مع صرف الربح في جماعة الفقراء من المسلمين بالوصية، التي تنفذ بعد الموت في خصوص الثلث إن لم يرضَ الورثة بالزائد عليه، فيوصي الإنسان بصرف مقدار معيّن من أمواله في إقراض المحتاجين أو المضاربة به، على أن يكون الربح للمحتاجين من أهل بلده مثلًا، فبهذه العملية نصل إلى نتيجة وقف المال على القرض أو المضاربة به، على أن يكون الربح لجماعة معيّنة، أمّا نفس الوقف بالنقود المالية فلم يتم عليه أي دليل.

 

 

ــــــــــــــــ

1. ابن منظور: جمال بن مكرم، لسان العرب: 7/217.

2. السيستاني: علي الحسيني، منهاج الصالحين: 2/281.

3. المصدر نفسه: 2/282.

4. المصدر نفسه: 2/284.

5. العاملي: وسائل الشيعة: 18/330.

6. المصدر نفسه.

7. عيد: عادل عبد الفضيل، التكافل الاجتماعي والاقتصــادي في الاسـلام: 186.

8. السيستاني: علي الحسيني، منهاج الصالحين: 2/388.

9. حيدر حب الله: مجلة أهل البيت: 29/214.

10. الجواهري: حسن، بحوث في الفقه المعاصر: 4/160.

11. المصدر نفسه: 4/161.

12. العاملي: وسائل الشيعة: 13/312، ب 10 من أحكام الوقــوف والصدقــات.