د. ستار جليل
مديرية تربية ذي قار
المصدر: مجلة الولاية – العدد 207 – الصفحة (92)
ظهر التشيع في المغرب العربي مبكراً، وقد انتشر هناك ؛ لأنّ أهلها قد تقبلوا ما جاء به رجال التشيع من أفكار وتعاليم، وقد كان دخول التشيع فيها على مرحلتين:
المرحلة الأولى: تبدأ هذه المرحلة ما قبل عام (145هـ/762م) فتشير الروايات التاريخية إلى أنّ هناك اتصالًا قد حدث بين الزهراء(عليها السلام) وأحد رجالات المغرب، الذي كان قد قدم إلى المدينة المنورة بقصد لقاء النبي(صلى الله عليه وآله) فوجده قد قبض، فاستأذن على السيدة الزهراء (عليها السلام) فجرت محادثة بينهما حول فضل أهل المغرب وحبهم لأهل البيت (عليهم السلام)(1) ثم بعد ذلك كان المغاربة لهم كثير من الرحلات العلمية، فكانوا يلتقون بأهل البيت (عليهم السلام)(2)، وقد ذكر أحد الباحثين أن أهل المغرب قد كان لهم اتصال مباشر مع أهل البيت(عليهم السلام)؛ وذلك من أجل التبرك بهم وأخذ تعاليم الدين والتشيع منهم، وكيفية تطبيق أحكام الشريعة هذا الاتصال كان صداه واسعًا بعد معركة الطف الأليمة، فاكتسب أهل البيت (عليهم السلام)عطفًا جماهيريًا بعيد المدى في مختلف أنحاء العالم الإسلامي وفي المغرب بالتحديد، فكان الطلاب يأتون بالآلاف، فعرفوا التشيع على حقيقته(3)، فكان أول من نقل أفكار التشيع بالمغرب العربي منيب بن سلمان المكناسي(4)، فنشرها بين العامة(5)، والسبب في ذلك يعود إلى أنّ المبادئ الشيعية قد استهوت نفوس أهل المغرب الطيبة، فاقبلوا عليه وانتشر بينهم(6).
المرحلة الثانية: تشير المصادر الإسلامية إلى أن هذه المرحلة قد بدأت منذ أن أرسل الإمام الصادق (عليه السلام) إلى بلاد الجريد(7)، رجلين من أنصاره وذلك في سنة 145هـ/762م وهما أبو سفيان والحلواني(8)، وقد انمازت هذه المرحلة بانها مرحلة العمل المنظم والتخطيط الممنهج المدروس والمعد بشكل دقيق ومتكامل(9)، وانتشر كثيرا على يد الأدارسة(10) ومنذ ذلك الحين أصبحت المغرب ملاذًا للعلويين إذ احتضنت الفارين من ملاحقة السلطة العباسية، فانتصر العلوين على اعتبارهم آل بيت الرسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان سبب هذه النصرة يعود إلى أن أهل المغرب كانوا ينظرون إلى آل بيت رسول الله نظرة تبجيل وتعظيم، فتعلقوا منذ وقت مبكر بآل البيت، ودانوا بحبهم لعلي وفاطمة (عليهما السلام)، ويستوي في ذلك عالمهم وجاهلهم جبلة في طباعهم(11).
تتمتع السيدة الزهراء وأمير المؤمنين(عليهما السلام) بذكر واسع وصيت وقدسية مرموقة جدًا في كل البيوت وعند سائر الأوساط في بلاد المغرب العربي، فهي رمز العزة والشيم، والجهاد والنضال، إلى الحد الذي لم ترضَ الأسر المغربية إلا أن يكون في بيوتها اسم للسيدة الزهراء، أو ولد يحمل اسم علي، على العكس من اسم معاوية الذي لا يُسمّى به إلّا نادرًا(12)، فهي تريد أن تردد اسم علي وفاطمة وذلك لعلهم يحظون ببشرى تعيد إلى قلوبهم البهجة والفرح والسرور، فلا ينطقون باسم (علي) إلا وكان مقروناً بكلمة (مولاي) ولا باسم فاطمة الزهراء إلا مقرونة بصفة (لالة) التي تعني في المغرب كل معاني الإجلال والإكبار(13)، وهناك أسماء فرعية للسيدة الزهراء قد اخترعتها الأسر المغربية من أجل التغني باسم الزهراء ومنها (فطومة أو بطوطة أو طامو)، وفي ذلك يقول المغراوي وعلى الخماسي نظموا قصيدة "طامو" التي "حربتها" أي لازمتها، التي واضح فيها ما لجأ إليه من جناس "تجنيس" أداره على اسم محبوبته:
قالت يَمَّا اتْقول طَامُو
قلت وأَبيك يَا لطَّـام
يا قدّْ اعْلام فاللّْطـام
قالت تَرَا ايْقول طاما
تَاراتْ ايقول فاطما(14)
وهذه الأسماء تكتسح معظم جهات المغرب من جباله إلى صحرائه، ومن سهوله إلى سواحله(15)، ليس هذا فحسب، بل نجد أنّ السيدة الزهراء حاضرة في التراث المغربي، فعلى أبواب بيوتهم يضعون قطعة من الحديد منحوتة على شكل يد يسمونها يد فاطمة الزهراء (عليها السلام)، لها رمزيات مقدسة منها(16):
في اعتقاد المغاربة أنها تدفع عن البيت وساكنيه كل صنوف الأذى وخطر العين، وقد سموها بالخميسية، ومن المغاربة انتقلت إلى أوربا فسموها(la main de fatima)
كذلك تحيل هذه الرمزية إلى الخمسة أصحاب الكساء وهم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها(عليهم السلام)(17).
لذلك احتلت هذا الرمزية في التراث الشيعي المغربي مكانة مهمة، فهي تحضر فيه حضوراً لافتًا بسره وقدسيته الخاصة، ففاطمة في الوجدان الشيعي المغربي هي سيدة نساء العالمين مكرمة معصومة عالمة غير معلمة الطاهرة البتول
وقد ظهرت السيدة الزهراء (عليها السلام) عند شعراء المغرب ومنهم (الملحنون) بشكل واضح وجلي، فصوروا صفاتها، من حيث كونها المجاهدة العابدة الزاهدة المطيعة لزوجها القارة في بيتها الساهرة على عيالها الذاكرة لربها فيقول الشيخ المدني التركماني:
أخْيَر ما نمجِّد بنت شفيع الإسلام تساهل المجد مولاتنا فاطمة الزهراء
علي طبع الزَّهد عاش به، أفاهم الأشعار والزهراء بالزهد راضيًا صلة الأبراري
والقلة من زهد كانت المولاتي فخـري
لا بِدْعا، لافيش، لا فشر فيها، لا تهتار!
لا جوهر، ولا لويز عند هلال ابصاري لا أثاث ف: قلب دارها يفتن ف: النظرة
لا تسال عن زوج لا لآنا بنت المختار حزم او عزم وجدّ عن الزهد اصفي لاشعاري
والفروسيا امجند لا قيصر عن كســــرا هيَّ «الزَّغراتا الي يبارز فارس مغوار
أو هي لمواسياه في شد التعسـاري
وهي الأم اللي اعناب بغصينات الشجرة!!(18)
لقد نالت السيدة الزهراء(عليها السلام) مكانة عالية ومرموقة عند الله تعالى، وعند الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) وذلك بعد الامتحان الذي تعرضت له، فصبرت على البلاء الذي تعرضت له، لذلك خلدت الآيات القرآنية ذكرًا طيبًا للزهراء (عليها السلام) فهي التي احتضنت الرسالة المحمدية في ظل الرسول (صلى الله عليه وآله) وبعده.
وقد ظهرت السيدة الزهراء(عليها السلام) بأكمل صورها عند أهل المغرب، إذ وصفها أحدهم بقوله: فهي بنت أعظم نبي وابنة خديجة أفضل زوجات النبي (صلى الله عليه وآله) وزوجة أعظم إمام وأمّ لأعظم الأئمة(عليهم السلام)... وهي هي نفسها تحمل من السرّ ما جعل أباها يُسرّ لسرورها ويغضب لغضبها، وهي من الخمسة الذين ذكروا في حديث الكساء(19) فتحضر فاطمة الزهراء حضورًا مميّزًا في الوجدان المغربي لتخرج عن التداول العالم إلى الفضاء الشعبي، إذ حمتها الطقوس والثقافة والوجدان المغربي من التلاشي، ويكفي أن يكون ذلك هو نصيب المغاربة من التشيع لفاطمة وحبها، فليس التشيع إلاّ الحب(20).
-----------------------