ما فتئ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله)، حتى وهو على فراش الموت، يوصي بأهل بيته (عليهم السلام) من بعده؛ إذ كان يجتمع بالناس على الرغم من شدة مرضه يوصيهم بوصاياه الأخيرة، ويودعهم ويرشدهم إلى طريق الصواب؛ ألا وهو اتباع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأهل بيته الكرام (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، الذين مَن تمسك بهم لن يضلَّ أبداً.
فقد روي عن عبد الله بن عباس أنه قال: ((إنّ علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس دخلوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله)في مرضه الذي قبض فيه، فقالوا: يا رسول الله هذه الأنصار في المسجد تبكي رجالها ونساؤها عليك، فقال: وما يبكيهم؟
قالوا: يخافون أن تموت، قال: أعطوني أيديكم فخرج في ملحفة وعصابة حتى جلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد، أيها الناس! فما تنكرون من موت نبيكم؟ ألم أنع إليكم وتنع إليكم أنفسكم؟ لو خلد أحد قبلي ثم بعث إليه لخلدت فيكم، ألا إني لاحق بربي، وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله تعالى بين أظهركم، تقرؤونه صباحاً ومساءً، فلا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، وكونوا إخوانا كما أمركم الله، وقد خلفّت فيكم عترتي أهل بيتي وأنا أوصيكم بهم، ثم أوصيكم بهذا الحي من الأنصار، فقد عرفتم بلاهم عند الله عز وجل وعند رسوله وعند المؤمنين، ألم يوسعوا في الديار ويشاطروا الثمار، ويؤثروا وبهم الخصاصة؟ فمن ولي منكم أمراً يضر فيه أحداً أو ينفعه فليقبل من محسن الأنصار، وليتجاوز عن مسيئهم"، وكان آخر مجلس جلسه حتى لقي الله عز وجل))(1).
--------
1- الشيخ المفيد، الأمالي: 47.