100%
الشرق والغرب

القدرات الثقافية والدينية لأربعينية الإمام الحسين (عليه السلام) في النظام العالمي الجديد

الباحث الشيخ نعيم حسيني

الحوزة العلمية- قم المقدسة

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 205 – الصفحة (91)

 

إنّ العالم اليوم على وشك الوصول إلى نظام جديد. بعد انهيار النظام العالمي السابق، الذي تشكل على أساس القطبية الثنائية بين الشرق والغرب. نحن نتحرك في قلب نقطة تحول تاريخية، ومن الضروري دراسة الظروف العالمية بعناية كبرى، بالإضافة إلى التدقيق والإشراف على الأحداث العالمية والإقليمية، فإن الاهتمام بالممتلكات والمميزات الخاصة ضروري أيضاً، للتأثير في هذا المجال. وللأمة الإسلامية مزايا مهمة في تشكيل الحضارة الإسلامية الجديدة.

 

إنّ الحضارات لها نطاق عالمي، يجب أن تكون خصائص الثقافة التي تدّعي بناء الحضارة بشكل يمكن تحقيقها و تعيّنها في مختلف الأعصر والأمصار، بين مختلف الأمم والأقوام والأعراق. اليوم، لا تنتمي الحضارة الغربية إلى بلد واحد فحسب، فالألمان والإنجليز والأمريكيون والفرنسيون وغيرهم يدعونها جميعاً. الحضارة الإسلامية هكذا. الحضارة الإسلامية أيضاً غير محدودة بالجغرافيا وهي واسعة جداً. يمكن رؤية هذه المدعى في مواكب الأربعين. لغات مختلفة، أعراق مختلفة ... وما إلى ذلك(1) هذه هي النقطة التي تطالب بها المرجعية الدينية من نشطاء الأربعين كإستراتيجية مهمة.

   بسبب حضور الحشد الكبير من الزوار غير العراقيين يمكن القول أن مسيرة الأربعين ليست مسيرة وطنية. بالإضافة إلى التنوع القومي، نشهد أيضاً تنوعاً دينياً في هذا المؤتمر. بالإضافة إلى الوجود المحدود لأشخاص من المسيحية واليهودية، فإن مقدار حضور ومشاركة الإخوة السنة كبير أيضاً. أجواء هذا التجمع من النوع الذي لا يمنع أي طبقة من المشاركة في هذه المسيرة. هذا يدل على أن الأربعينية يمكن أن ترتبط بثقافات أخرى. إذن، الحضارة الإسلامية – التي إحدى مظاهرها في المجتمع الحديث هي الأربعينية- لديها القدرة على الارتباط بكل شيء. (2) ويمكن لأية مجموعة أن تصبح جزءاً من الأجواء الثقافية لهذا الحدث بحسب علاقتها. الأمر الذي سيؤثر على الحاضر فيه والمشارِك تدريجياً و يعرّفه تعاليم أهل البيت والإسلام.

   بالإضافة إلى النطاق الجغرافي للمشاركين في الأربعينية، فإن حجم الأنشطة يستحق النظر أيضاً. كمية وجبات الطعام والضيافة، عدد المراسيم المقامة، كمية خلق مساحة البيئة السمعية والبصرية، كمية الأغذية المستعملة، كمية الأكواب الورقية... و ما شابه ذلك، كمية عملية الغسل للأغراض المستعملة، كمية البنية التحتية مثل المرافق الصحية والحمامات، ومثل هذه الأمور لعدد عشرين مليون زائر في منطقة جغرافية واحدة تظهر لنا أعداد كبيرة جداً. تقدر كمية استعمال الأكواب الورقية المستعملة بما يقارب مليار واحد! تُظهر دقة هذه الميزة وطريقة ظهورها -التي سنذكرها لاحقاً- قدرة كبيرة على إنشاء أحداث على المستوى العالمي.

المحوریة القدسية للإمام

   نحن بصدد بناء الأمّة الإسلامية وهذه الأمّة تريد إماماً. إذا تم بناء أمة، فإن أحد أركانها هو تكوين جمع من المهاجرين وهجرتهم إلى الإمام. الزيارة والهجرة إلى الإمام تجديدٌ للعهد مع الإمام، ومن أركان بناء الأمّة وتتشكل فيهما ثقافة الأمّة الإسلامية(3)، الحضارة الإسلامية لها مركز قدسي. المركز المقدس في مسيرة الأربعين هو الإمام الحسين (عليه السلام). الناس يمشون إلى جهة الإمام الحسين (عليه السلام). يذهبون للدخول في مدينة كربلاء ويقرؤون الزيارة و يسلّمون على الإمام. إنهم لا يسيرون للمشي أو التسلق إلى الجبال مثلاً، نهاية المسيرة هو مكانٌ قدسيٌ. لذلك، في الطريق، إذا أعطوا الماء والطعام، فهو للإمام الحسين (عليه السلام)، وكل ما يفعلونه هو في سبيل الإمام الحسين (عليه السلام). تظهر هذه القداسة في كل ذلك(4).

   لقد شهد الكاتب نفسه مرات عديدة هذه الحقيقة، وهي أن العديد من الأنشطة التي قد يقوم بها الشخص تجاه أحبائه بصعوبة، يقوم بها أصحاب المواكب تجاه الزائرين. تدليك العضلات المتعبة، استعمال المراهم لتخفيف الآلام، علاج تقرحات الرِجل، الالتماس والإلحاح للضيافة أو الحضور والاستراحة في البيوت أو المواكب، كلها بقصد خدمة زوار أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) وطلباً للبركة في الحياة. في الأربعينية، يتم تحديد هوية كل شخص بنسبته مع الإمام؛ الناس إما زائر أو خادم، وكلا هذين اللقبين عين الربط بالإمام.

   بناءً على هذه الأرضية، يمكن إنشاء التفاعلات الإنسانية وتوسيعها بسهولة. عادةً التواصل مع شخص مجهول أمر صعب ومعقد، لكن في الأربعينية تتشكل صداقات وأخوّات كثيرة بين المؤمنين على أساس محبة الإمام. يمكن أن تصبح هذه العلاقات تمهيداً للحوار بين الثقافات، وهو آلية جادة ومؤثرة لاكتساب الوعي بالتنوع الثقافي، ونقل المفاهيم وتبادلها وقرب الثقافات(5) هذه المواجهة هي بالضبط أمام ما في الحضارة الغربية. تلك الحضارة تجرد العالم من قدسيتها وهذه الحضارة، في شكل ثقافة اجتماعية عظيمة على شكل مسيرات ومظاهرات -وهي في حد ذاتها شيء جديد- تُظهر القداسة. هذه القدرة الخاصة للأربعينية الحسينية يمكن أن تمتد إلى مجالات أخرى من حياة الإنسان.

الخاتمة

   إنّ مسيرة الأربعينية هي أكبر تجمع في العالم على محور الحب الحسيني، تمثل تشكيل الكرامة الإسلامية، وهي الآية الإلهية العظمى. هذه الظاهرة الروحية المليئة بمعاني الإيمان الخالصة تزوّد الأمّة الإسلامية بقدرات مهمة لتؤدي دوراً في النظام العالمي الجديد. إن الظهور وتجسيد العقلانية الإيمانية الوحيانية، تجربة حدث عظيم كبير خارج الحدود الإقليمية وعابر للحدود على محور مسألة مقدسة أي الإمام المعصوم، هو أحد القدرات الجادة الباني للحضارة في الأربعينية.

يحاولون المنع لهذه الأضواء القوية في العالم، لكنهم لا يستطيعون. فستتم رؤيتها. يحاولون تشويهها، لكن لا يؤثرون، ولا يقدرون على أي شيء. إن شاء الله تعالى.

 

---------------------------

(1)https://farsi.khamenei.ir/others-dialog?id=43702

(2) مقابلة مع الدكتور موسى نجفي.

(3) مجمع مشعر الإيماني: 35.

(4) الدكتور النجفي.

(5) المجلة النصف سنوية العلمية البحثية دين و سیاست فرهنگی: 9/ 127-128.