د. علي موسى الموسوي
متخصص في شؤون الحوار التنويري الإنسانيّ – النرويج
المصدر: مجلة الولاية – العدد 208 – الصفحة (62)
العراق بتركيبته السكانية والثقافية الغنية والمتنوعة يمثل أنموذجًا فريدًا، يجسد التعايش بين مختلف الثقافات والطوائف، وعلى الرغم من التحديات التي قد تفرضها هذه التركيبة فإنها تحمل في طياتها إمكانات هائلة، يمكن أن تسهم في تعزيز التنمية الاجتماعية والإقتصادية ودعم وحدة النسيج الوطني تحت شعار “التنوع الثقافي قوة للتعايش” كانت لي فرصة البحث والنقاش خلال محاضرة ألقيتها في المركز الثقافي العراقي في بريطانيا، وقد جمعتني بالدكتور عبد الحسين الطائي وعدد من الشخصيات الثقافية والأكاديمية، وتناولنا في المحاضرة أهمية النظر إلى التنوع بوصفه قاعدة انطلاق لبناء عراق أكثر استقرارًا وانفتاحًا، والتنوع هو في جوهره ثروة وطنية، يمكن أن تكون أحد أبرز محركات التنمية المستدامة إذا ما أُحسِن استثمار التنوع وإنه عنصر رئيس لبناء مجتمع يعترف بقيم التعددية، ويحتفي بها، ويعمل على تحويل الاختلاف إلى مصدر إلهام وقوة، والفاعل في هذه الجلسة لم يقتصر على النقاش الأكاديمي وإنما شارك فيها أيضًا وزير الصحة العراقي السابق الدكتور جعفر علاوي، الذي سلط الضوء على دور المؤسسات الرسمية في تبني سياسات تعزز من روح التوافق بين مكونات المجتمع، كما قدّم الدكتور قصي الأحمدي الملحق الثقافي العراقي في بريطانيا رؤى مهمة حول سبل الاستفادة من الخبرات العلمية والثقافية للمغتربين العراقيين، لتعميق الترابط بين مكونات الأمة.
وقد اتسمت الجلسة بالحيوية مع العديد من المداخلات القيمة التي قدمتها شخصيات أكاديمية وثقافية، ممن أثروا النقاش وأكدوا أن التنوع العراقي يمكن أن يصبح عنصر بناء بدلاً من عامل انقسام، إذا ما توافرت إرادة صادقة وقوية للعمل الجماعي، ومع اختتام المحاضرة وجه الدكتور عبد الحميد الصائح مدير المركز الثقافي العراقي رسالة مهمة تلخص جوهر النقاش، فالتنوع الثقافي سلاح ذو حدين، وإذا لم يتم التعامل معه بحكمة فقد ينتج عنه تحديات جديدة إلا أنّ التركيز على نقاط القوة واستثمارها يعد الخيار الأمثل لتحقيق الانسجام المجتمعي والتطور الوطني.
وإن الحديث عن التنوع في العراق لا يمكن أن يُستنفد ضمن جلسة واحدة، فهو موضوع متشعب يرتبط بمختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية والفنية، لهذا السبب يجب أن تكون هناك استراتيجيات طويلة الأمد، تُعنى بتعزيز قيم الحوار واحترام الآخر إلى جانب برامج تعليمية وثقافية تُرسّخ مفهوم الوحدة الوطنية المبنية على التنوع
والتحدي الأكبر أمام العراق اليوم هو كيفية تحقيق المواءمة بين هذه التعددية والهوية الوطنية الجامعة، إنها معركة صعبة لكنها ليست مستحيلة، خاصة إذا ما تم توظيف الإرادة السياسية والإرث الثقافي العريق في خدمة التنمية وبناء مجتمع عادل ومتوازن، فليست الغاية هي ذوبان الاختلافات بل احترامها وجعلها جزءًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية، التي يفخر بها كل عراقي بصرف النظر عن أصله أو طائفته.