100%
الكلم الطيب

الدراسةُ التاريخيّةُ لاستنادِ الإماميّة إلى حديثِ السَّفينةِ

الباحث أمير حسين دهقان الأنارستاني

المركز التخصّصي لِعلوم ومعارف الحديث

 في الحوزة العلميّة بقمِّ المقدّسة

 

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 198 – الصفحة (25)

 

حديث السفينة من الأحاديث المشهورة بين الشيعة وأهل السُّنّة، ويَدُلّ مضمونُه على حقّانيّة أهل البيت (عليهم السلام) ونجاةِ مَن تمسّك بهم، وتُظهر الدراسةُ التاريخيّةُ أنّ لهذه الرواية من خلال محدّثي الإماميّة في مختلف القرون استندوا إليها في مؤلّفاتهم، واستنبطوا منها دلالاتٍ متنوّعةً منها الإمامة، والعِصمة، والمرجعيّة العلميّة، ووجوب الطاعة، وفضيلة أهل البيت(عليهم السلام).قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((إنّ أهلَ بيتي فيكم كسفينة نوح، مَن ركبها نجا ومَن تخلّف عنها غرق))(1)، رُوي بطرقٍ مختلفةٍ في مصادر الحديث عند الشيعة والسُّنّة، ومنذ صدر الإسلام إلى القرن الحادي عشر الهجريّ، أوردَ المحدّثون الإماميّون هذا الحديثَ في كتبهم الحديثيّة والكلاميّة لأغراضٍ شتّى، وسنبين مسارَ دلالاتِ هذا الحديث في كلمات علماء الإماميّة من البداية حتى العصر الحاضر.

 

دلالات حديث السفينة في نظر المحدّثين الإماميّة

تكشف الدراسةُ التاريخيّةُ لنظرة المحدّثين إلى حديث السفينة عن أنّ هذا الحديث شكّلَ منذ البداية إلى اليوم أساسًا لمباحثَ في الإمامة والعِصمة والعِلم وفضيلة أهل البيت (عليهم السلام)ووجوبِ طاعتهم.

 

القرون الأولى إلى القرن الخامس:

في هذه المرحلة كان الحديثُ يُروى على وجه النقل المباشر من دون بسطٍ كلاميّ، لكن عبر مضمون الأبواب وترتيبها يمكن استنباطُ الدلالات الآتية:

• الشيخ الصدوق رحمه الله في (الاعتقادات) (1414ق: ص 94، باب الاعتقاد في عدد الأنبياء والأوصياء) اعتبرَ حديثَ السفينة دليلاً على أصلِ إمامة أهل البيت (عليهم السلام)، وبعد ذكره أسماءَ الأئمّة وصفهم بأنّهم كسفينة نوح.

•وفي كتبه الحديثيّة الخصال (1362ش: ج 2، ص 573) ومئة منقبة (ابن شاذان، 1607ق: ص 40) دلّ الحديثُ على فضيلة أهل البيت (عليهم السلام)وتفاضلهم على الناس.

• محمد بن علي كراجكي في (التعجّب من أغلاط العامّة في مسألة الإمامة) (1421ق: ص 150–151) انتقد إعراض أهل السُّنّة عن تعاليم أهل البيت، ورأى في الحديث دلالةً على مرجعيّتهم العلميّة (عليهم السلام).

• أبو الصلاح الحلبي في (تقريب المعارف) (1404ق: ص 181، باب النصّ على إمامة الأئمّة) استدلّ بالحديث على عِصمتهم، نافياً وقوع الخطأ من الإمام المعصوم.

• ابن حيّون المغربي في (شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار (عليهم السلام)) (حسيني جلالي، 1409ق: ج 2، ص 269) جعلَ الحديثَ برهاناً على وجوبِ طاعة أمير المؤمنين (عليه السلام).

 

من القرن السادس إلى القرن العاشر:

في هذه المدة انتقل المحدّثون من مجرّد النقل إلى التفسير والاحتجاج:

• فتّال النيسابوري في روضة الواعظين وبصيرة المتعظين (1375ش: باب الإمامة لعليّ (عليه السلام) وذرّيته) عدّ الحديثَ مؤيّداً لإمامة ائمة أهل البيت (عليهم السلام).

• الشُعَيْري في جامع الأخبار (بلا تاريخ: ص 14، الفصل الخامس في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)) اعتبره دالًّا على فضيلة الإمام (عليه السلام).

• ابن شهرآشوب في متشابه القرآن ومختلفه (1369ق: ج 2، ص 57، ذيل آية 33 من آل عمران) استدلّ بأنّ نجاةَ الأمّة دليلٌ على عصمة أهل البيت (عليهم السلام)؛ إذ لا معنى للنجاة مع إمكان الخطأ.

• ابن أبي جمهور الأحسائي في عوالي اللآلي (1405ق: ج 4، ص 85، باب الأحاديث المتعلقة بالعلم وأهله وحامليه) ومعه الإربلي في كشف الغُمّة في معرفة الأئمّة (عليهم السلام) (1381ق: ج 1، ص 549) أثبتا من الحديث مرجعيّةَ أهل البيت العلميّة.

•وفي الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف (ابن طاوس، 1400ق: ج 1، ص 131) صرّح المؤلّفُ بعبارةِ الرسول (صلى الله عليه وآله) في (وجوب الالتزام بأهل بيته)، مستنبطاً من الحديث وجوبَ طاعتهم.

 

القرن الحادي عشر إلى العصر الحديث:

من القرن الحادي عشر فصاعداً، تعاظم الاهتمامُ بهذا الحديث في مؤلّفات الإماميّة:

• في كتاب إحقاق الحق وإزهاق الباطل لـ القاضي نور الله الشهُستَري رحمه الله (1409ق: ج 34، ص 589) ورد الاستدلالُ به في نحو مئةٍ وخمسين موضعاً، ثمّ تابع الشيخ الحرّ العاملي رحمه الله هذا المنهجَ في إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات (1425ق).

• الفيض الكاشاني رحمه الله في (علم اليقين) (418 ق: ج1، ص631) وقرة العيون (1387ش:ص413) أورد الحديثَ لتأييدإمامة وعصمة أهل البيت (عليهم السلام).

• السيد محمد سعيد الحكيم رحمه الله في (في رحاب العقيدة)(بغداد، 1433ق: ج 2، ص 225 227؛ ج 3، ص 140) اعتبرَ الحديثَ دالّاً على الإمامة والعلم والعصمة، بل عدَّهُ أبلغَ من احتجاج أهل السُّنّة بحديث (صلاة أبي بكر).

•السيدعبد الحسين الطيب رحمه الله في كَلِم الطيب(1362ش:ص 504) نصَّ صراحةً على كون الحديث دليلاً قاطعاً في الإمامة.

• ومن المعاصرين أيضًا:

التيجاني السماوي في (لأكون مع الصادقين) (1428ق:ص 22)، والشيخ جعفر السبحاني رحمه الله في المحاضرات في الإلهيّات (1428ق: ص 323)، وعبد الله حسن في مناظرات في( العقائد والأحكام)(1427ق ص 318)، وقد استعملوا الحديث لإثبات المرجعيّة العلميّة والعملية لأهل البيت (عليهم السلام).

 

الخاتمة:

من مجموع ما تقدّم، يتبيّن ما يأتي :

1. إنّ حديثَ السفينة من الأحاديث المتواترة المشهورة في كتب الفريقين، وإن لم يُثبت تواتُره عند أهل السُّنّة، فصِحّةُ طُرُقه غيرُ قابلةٍ للإنكار.

2. ظهر الحديثُ في نحو تسعةٍ وعشرين كتاباً لعلماء الإماميّة حتى نهاية القرن الخامس، وله أكثر من اثنين وعشرين طريقاً، واستُعملت طرقُه القديمة مراراً في القرون اللاحقة إلى العصر الحديث، مع وجود بعض الأسانيد المستقلّة أو المرسلة.

3. رُوي في سبعة كتبٍ من مصادر الشيعة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله)وعن الإمام عليّ (عليه السلام)، وسائرُ الروايات تتعلّق بعموم أهل البيت (عليهم السلام)، بل أنّ الأئمّة (عليهم السلام) استشهدوا به للتعريف بأنفسهم، دلالةً على شُهرته منذ صدر الإسلام.

4. يَظهر عبر تتبّع الأزمنة أنّ الحديثَ ورد منذ أوائل الكتب الكلاميّة، فقد اهتمّ الشيخ الصدوق (رحمه الله) بنقله في مؤلّفاته الحديثيّة والكلاميّة – الاعتقادات والهدایة – بينما لم يُستَعمل عند الشيخ المفيد (رحمه الله) إلاّ في الإرشاد، غير أنّ السيد المرتضى (رحمه الله) في (الشافي) وسّع نطاقَ الاستدلال به.

وفي القرون التالية استمرّ التمسّكُ به بدرجاتٍ متفاوتة، حتى بلغت ذروتها في كتاب إحقاق الحق في القرن الحادي عشر، الذي غدا أوفى مصدرٍ في هذا الحديث.

 

 

--------

1- بحار الأنوار: 23/124