د. حوراء رزاق حسن
رئاسة جامعة الكوفة
المصدر: مجلة الولاية – العدد 203 – الصفحة (101)
مثّلت الدراسات التراثية في أفريقيا مجالاً غنياً ومتداخلاً، حيث تتصادم وتتفاعل أشكال متعددة من حفظ التراث واستحضاره، فالثروة التراثية لا تقتصر على الوثائق والمباني القديمة، وإنما تشمل أيضاً الذاكرة الشفهية التي تتناقل عبر الأجيال، مكونة هويةً مميزةً وشهادةً حيةً على تجارب الشعوب وتاريخها، يتجلى هذا تبايناً واضحاً بين الأثر المادي، المتمثل في المواقع الأثرية والمتاحف التي تحفظ الشواهد المادية وأساليب الحياة الماضية، وبين الذاكرة الشفهية، التي تنسج روايات وأساطير يرويها كبار السن، وتحتفظ بها المجتمعات المحلية بوصفها جزءا من تراثها اللامادي، لتكوين هوية ثقافية جامعة، حيث يُنظر إلى الأثر المادي كوثيقة تاريخية ثابتة، يمكن توثيقها ودراستها عبر الوسائل العلمية والأثرية، حيث تتيح فرص فهم المراحل التاريخية وتحليل التحولات الاجتماعية، بينما تظل الذاكرة الشفهية حيّة ومتجددة، تتغير وتتطور عبر الممارسة الجماعية، لتكون وسيلة فاعلة في الحفاظ على الروح الثقافية والتاريخ الجمعي، اذ يظهر التفاعل بين هذين العنصرين جلياً في جهود الباحثين والمجتمعات المحلية الرامية إلى تعزيز مكانة التراث، إذ يتطلب ذلك توازناً دقيقاً بين التوثيق المادي والحفاظ على الحيادية والتلقائية للذاكرة الشفهية، فهما معاً يسهمان في تشكيل صورة متكاملة عن التاريخ، وتأكيد أن التراث ليس مجرد عناصر مادية متحفية، وإنما هو أيضاً مصدر ينبوع حياة في الخطاب الثقافي والتاريخي للشعوب الإفريقية، رغم التحديات المعاصرة المتمثلة في التهديدات بالاندثار، والتحول الرقمي، والحاجة إلى تقييم نقدي مستمر لضمان استدامته وفاعليته في السياقات الأضعف والأكثر حساسية.
اولاً: الإطار النظري- التراث بوصفه علاقة بين المادة والذاكرة
يُعنى الإطار النظري بعلاقة التراث بالمادة والذاكرة، حيث يُنظر إلى التراث على أنه بنية مركبة تجمع بين الأطر المادية والمعنوية، اذ يُمثل الأثر المادي، كالمتاحف والمواقع التاريخية، سجلاً مادياً يسهل توثيقه وتحليله، ويُبرز تجليات الزمن وحوليات الحضارات وأوجه التطور الثقافي(1)، هذه الأشكال المادية تستعيد الروابط التاريخية وتوفر أدوات للتفاعل المباشر مع الماضي، محفّزة على فهم أعمق للسياقات التاريخية والاجتماعية، وفي المقابل، تُعد الذاكرة الشفهية العنصر الحي من التراث، فهي حاضرة في القصص والأساطير التي يتناقلها الأفراد والجماعات، بما يعبر عن الهوية الثقافية والانتماء الحضاري(2)، إذ تعتمد على نقل المعرفة والتقاليد من جيل إلى آخر، مُعززة الشعور بالتواصل المستمر مع الماضي، ومُعبرة عن تجارب المجتمع ووجهات نظره، حيث يتداخل هذان العنصران، المادي والشفهي، في تشكيل صورة متكاملة للتراث، يتعزز عبرها فهمنا لتطوره واستمراريته، وتُبرز الدراسات الحديثة أهمية فهم العلاقة التبادلية بينهما، حيث يُسهم الإدراك العميق لهذا التداخل في وضع استراتيجيات فعالة للحفاظ على التراث، مع مراعاة طبيعة كل عنصر ودوره في إحياء الذاكرة الجماعية وتصحيح التصورات التاريخية، اذ إن هذا الإطار النظري يُسهم في تطوير مناهج توازن بين المستندات المادية والذاكرة الحية، مع الإدراك بأن كلا العنصرين يمثّل تجارب الإنسان وتراثه بطرائق متكاملة ومتنوعة، تستوجب التثمين والحماية المستدامة؛ لضمان استمرارية الهوية الثقافية والذاكرة الجماعية للأجيال القادمة(3).
ثانياً: الأثر المادي بوصفه وثيقة تاريخية- المتاحف والمواقع وتسجيل الزمن
يُعد الأثر المادي وسيلة حيوية لفهم تاريخ الحضارات وتوثيق مراحل التطور الثقافي في أفريقيا، حيث تشكل المتاحف والمواقع الأثرية مخازن حية للذاكرة الجماعية والتاريخ المادي، إذ توفر هذه الوسائل سجلاً دقيقاً للأحداث والطرائق التي طبعت حياة الشعوب، وتُعبر عن ارتباط الإنسان بأرضه وتراثه عبر القطع الأثرية والمباني التاريخية التي تنتقل من جيل لآخر، إلى جانب ذلك، يسهم تسجيل الزمن عبر الأرشيفات والوثائق المكتوبة والصور في ترسيخ الذاكرة التاريخية وإعادة بناء المشهد الحضاري، مع ضمان استمرارية الوعي بالماضي كمصدر للهوية والتوجيه المستقبلي، وتمثل المواقع الأثرية فضاءات تعليمية وثقافية تتيح للباحثين والجمهور استكشاف التطورات الاجتماعية والاقتصادية والفنية، وتوفير أدوات لفهم الديناميات التاريخية التي شكلت الهوية الأفريقية، ففي الوقت ذاته، تتطلب عملية الحفاظ على هذه الأثار جهوداً مستمرة ترتكز على التوثيق العلمي، ويحتاج الأمر إلى استراتيجيات واستثمارات لضمان استدامتها ضد عوامل التعرية والتدهور(4)، اذ يفرض التداخل بين البحث المادي والنظريات التفسيرية تحديات تتعلق بكيفية استغلال الأثر المادي كوثيقة تاريخية، حيث يتطلب ذلك تجسير الفجوة بين المعطيات الأثرية، والواقع المعيش، والذاكرة الجماعية، كي يتمكن الباحثون من بناء فهم شامل ومتوازن للتراث، ففي ظل التطور التكنولوجي، أصبحت أدوات تسجيل الزمن موثوقة وأكثر دقة، عن طريق استعمال تقنيات التصوير والتوثيق الرقمي، مما يعزز من إمكانات حفظ الذاكرة المادية وتسهيل الوصول إليها عبر قواعد البيانات والمنصات الرقمية، ما يفتح آفاقاً جديدة لدراسات التراث في أفريقيا، ويسهم في ترقيتها إلى مستوى يتوافق مع تحديات العصر الحديث(5).
ثالثاً: الذاكرة الشفهية بوصفها خطابا حيا: القصص والأساطير والهوية
تُعد الذاكرة الشفهية عنصراً حيوياً في الحفاظ على الهوية الثقافية للمجتمعات الأفريقية، فهي تتجسد في القصص والأساطير التي تنتقل عبر الأجيال بأسلوب حي ومتصل، مُشكلة بذلك خطابات حية، تحمل قيم المجتمع وتاريخه العميق، وتعتبر هذه الخطابات بمثابة سجل غير مكتوب، يُبرز تجارب الأفراد والجماعات، ويجسد الأحداث التاريخية بصورة مباشرة ومفعمة بالمشاعر، ما يضفي عليها صبغة حية ومتجددة، تتفاعل مع المتلقين، وتنتقل عبر الزمن من دون أن تفقد مصداقيتها(6)، اذ تمثل الأساطير والقصص روح الجماعة ودعامتها الأساسية، فهي تتناول أحداثاً وأولويات الفكر الجمعي، وتُستخدم كوسيلة لتعزيز الهوية والولاء المجتمعي عن طريق سردها في المناسبات والاحتفالات، والمحافل الشفهية، مما يرسخها في الوعي الجمعي، ويحفظها من الاندثار، كما أن تكرار وتداول هذه الحكايات يعزز من استمراريتها ويمنحها طابعاً ديناميكا، يستجيب للتحولات الاجتماعية والسياسية، مكرساً أثرها بوصفها خطابا حيا يبتكر بطله وموضوعه باستمرار(7)، ومن جانب آخر، تُعد الذاكرة الشفهية عنصراً أساسياً لفهم التطورات التاريخية، إذ تستمد مرونتها وسعتها من قدرتها على الابتكار والتفاعل مع التغيرات، فالقصص والأساطير تتغير وتتطور مع الزمن، فتكون مرآة لعصرها ومتطلباته، وعن طريق ذلك، يُمكن استقراء تاريخ المجتمعات وأحوالها عبر التفسيرات الجديدة للقصص القديمة، ما يشكل تحدياً للطبعات المكتوبة، ويؤكد أهمية التراث الشفوي في تشكيل الوعي الجمعي، فضلا عن ذلك، تسهم هذه الذاكرة في توطيد الروابط الاجتماعية، فهي وسيلة للتواصل بين الأجيال، وتوفر فرصة لتبادل الخبرات والمعارف في إطار من الاعتزاز بالتراث، ما يسهم في تأسيس هوية مشتركة توحد المجتمع وتُعزز استقراره، وفي ظل التحديات المعاصرة، مثل التغريب والرقمنة السريعة، تظل القصص والأساطير من أبرز وسائل مقاومة الاندثار، إذ يمكن توظيفها وتوثيقها باستخدام التقنيات الحديثة مع الحفاظ على جوهرها الحي والمباشر، وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة التي تتمتع بها الذاكرة الشفهية، إلا أنها تواجه تحديات عديدة من بينها ضعف الاستمرارية نتيجة التغيرات الثقافية والاجتماعية، بالإضافة إلى مخاطر فقدانها مع مرور الزمن، خاصة في ظل غياب التسجيل والتوثيق الدائمين، وبذلك، يظل الحفاظ عليها مسؤولية مجتمعية، تتطلب تضافر جهود الباحثين والجماعات المحلية لنقلها واستثمارها في صياغة هوية متجددة، تكون بمثابة جسر مستمر بين الماضي والحاضر والمستقبل(8).
رابعاً: أمثلة دراسية مختارة- مدارس تراثية من إفريقيا غرباً وشرقاً وجنوباً
امتازت المدارس التراثية في غرب إفريقيا، كمدرسة الفولكلور الغانية، باعتمادها على القصص الشفهية كأساس للحفاظ على الهوية الثقافية، حيث تتداول الأساطير والتقاليد من جيل إلى آخر، مع الحفاظ على روابط عميقة بالماضي التاريخي، ففي هذه المدارس، تؤدي الملاحم الشعبية والأغاني القديمة دوراً مهماً في نقل المعارف والقيم، ما يُبرز ارتباط الذاكرة الشفهية بالمكان والزمان، ويكاملها الأثر المادي من خلال المجموعات الأثرية والمتحف، التي تضم أدوات أصلية، منها الأدوات الحجرية والفنون الزخرفية، التي تعيد تصور حياة الأجيال السابقة(9).
أما في شرق أفريقيا، فقد أُعتمد على المدارس التراثية التي تربط بين الحاضر والماضي عبر استعمال النقوش والرسوم الصخرية، التي تحفظ بشكل دائم مشاهد الحياة اليومية والأساطير التقليدية، وتُعدّ بمثابة سجلات تاريخية غير قابلة للاندثار، إذ تعد المستودعات المادية مصدراً مهماً لفهم تطور الحضارات الأفريقية القديمة، مع تعزيز دور الذاكرة الحية في الفولكلور والممارسات الروحية، وفي المدارس التراثية في جنوب إفريقيا، تظهر العناية بالبناء الحضري، مع إبراز النقوش والتماثيل، التي تحمل رموزاً دينية وتاريخية، متشابكة مع القصص الشفهية التي تروى عن الأبطال والأساطير، وتسهم في تعريف الأجيال الجديدة بتاريخ المنطقة وهويتها الثقافية، حيث تتكامل المادة والذاكرة في بناء هوية متجددة ومستدامة(10).
تنوعت نماذج المدارس التراثية من هذه المناطق، ما يُبرز تعددية الأنماط والأساليب في حفظ التراث، ويبرز أهمية تكامل الأثر المادي مع الذاكرة الشفهية لضمان استمرارية القيم والمعارف، إذ تسهم هذه الأمثلة في إبراز كيف يمكن للمجتمعات الإفريقية أن تستثمر تراثها بكفاءة عبر دمج الوثائق المادية والقصص الشفوية، لتعزيز الإدراك التاريخي والهوية الثقافية، مع احترام خصوصية كل منطقة وأساليبها التراثية، وتقديم نماذج يمكن أن تسهم في صياغة استراتيجيات حفظ أكثر فعالية واستدامة(11).
خاتمة
تُظهِر الدراسات التراثية في إفريقيا تفاعلاً دينامياً بين الأثر المادي والذاكرة الشفهية، حيث يُعد كلاهما مصدراً لا غنى عنه في فهم الهوية الثقافية والتاريخية للمجتمعات المحلية، وعلى مر العصور، تطورت طرائق حفظ التراث واستخدامها، مما أفضى إلى تكامل المنهجيات التقليدية والحديثة، وفتح آفاق جديدة في دراسة التراث الإفريقي، وإن الاعتماد على الأثر المادي من خلال المتاحف، المواقع الأثرية، والتوثيقات المادية، يمثّل أولوية حفظ القيم الملموسة ونقلها عبر الأجيال بطريقة علمية منهجية، تتيح استحضار زمن مضى وتفكيك معالمه الثقافية والتاريخية، ومن جانب آخر، تبرز الذاكرة الشفهية بوصفها عنصرا حيا ( ديناميكيا)، يعبر عن تجارب المجتمع، ويؤكد أهمية التواصل المباشر والحوار المستمر مع الفاعلين المحليين، مما يُثري فهم التراث ويسهم في استمراريته، وما بين هذين المصدرين، تتشكل منظومة متكاملة تتيح استيعاب أعمق للأبعاد الحضارية، مع ضرورة مواكبة التطورات التقنية لتعزيز استدامة حفظ التراث وتيسير الوصول إليه، وتُبرز التجارب الميدانية أن تداخل الأثر المادي والذاكرة الشفهية يُعزز من مرونة الدراسات، ويُوفر أدوات تحليل متعددة، كالصوت والصورة والخرائط الرقمية، التي تضفي بعداً جديداً على عمليات التوثيق والمعالجة البحثية، وفي ظل التحديات المعاصرة مثل عمليات التحديث السريعة، والرقمنة، وافتقاد الموارد، يظل الالتزام والمبادرات المجتمعية والسياسات الحكومية ضرورية لضمان استمرارية التراث، وإكسابه القيمة الكاملة بوصفه جزءاً حياً من الذاكرة الجمعية، حيث تبرز نتائج الدراسات أن نجاح حماية التراث الأفريقي يعتمد على تكامل الجهود بين الأطر الأكاديمية، والمجتمع المحلي، والتقنيات الحديثة، بهدف خلق إرث متجدد يُعبر عن هوية غنية ومتنوعة، ويتيح للأجيال القادمة فرصة التعرف على ماضيهم، وتوظيفه بوصفه حافزاً للحاضر والمستقبل.
---------------------
1.سميحة عبد القادر البوزايدي، المدينة والهويّة وتلاقي العلامات في الرواية العربية، مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية:32.
2.غاستون بوتول، ابن خلدون فلسفته الاجتماعية: 103-107.
3.المصدر نفسه: 109.
4.عبد اللـطـيـف أمــزيـــغ، مقاربة معرفية ومنهجية لـدراسة وحفظ تاريخ وادي نون: 43.
5.(1) Lissia Jeurissen ,Histoire coloniale et nomadisme heuristique,2009,P.19.
6.شيماء أنور عبد اللطيف مسعد، عبد الرازق مختار محمود عبد القادرو أماني حامد مرغني،"مستويات التمثيل العقلي، ومدى توافرها لدى متعلمي اللغة العربية الناطقين بغيرها: 159-188.
7.(1)Daniela Merolla,L es Études Berbères Dans Le Cadre Des Études Africaines,2015,P.56.
8.(1)Nafissatou Bakhoum, Challenges of Building Digital Repositories In Africa: A Case Study Of Best Practise,2016,P.43.
9.(1)Julvan Moreira de Oliveira, Kelly de Lima Farias , Só quem sabe onde é Luanda saberá lhe dar valor”: a tradição oral como herança ancestral,2019,P.12.
10.(1 ) Violaine Sizaire, La mémoire populaire urbaine au Musée de Lubumbashi,2009,P.8.
11.(1)Sizaire, V. , La mémoire populaire urbaine au Musée de Lubumbashi,2009,P.87.