هيئة التحرير
المصدر: مجلة الولاية – العدد 202 – الصفحة (18)
في مطلع القرن الثالث الهجري كانت الأمّة تموج في ضلال تيارات عقدية وفكرية عديدة، فمن مشبّهة إلى معطّلة إلى مجبرة إلى محنة خلق القرآن، وغير ذلك من العقائد الباطلة والدعاوى المنحرفة، التي أثيرت في عصر الإمام محمد الجواد (عليه السلام)، ما جعل الإمام (عليه السلام) أن يتخذ موقفًا إصلاحيًا قائمًا على العامل المشترك بين المسلمين كافة، وهو توظيف النص القرآني لدفع الشبهات وإثبات العقائد الحقّة.
وكان الإمام الجواد (عليه السلام) أُعجوبة دهره في عظم علمه على صغر سنه؛ ويشهد ما قدمه من مناظرات علمية، تغلّب فيها على أساطين العلم في عصره، حتى اعترف العدو بأسبقيته بالعلم قبل الصديق، يقول الشيخ المفيد: "كان المأمون قد شغف بأبي جعفر(عليه السلام) لماّ رأى من فضله مع صغر سنه، وبلوغه في العلم والحكمة والأدب وكمال العقل، ما لم يساوه فيه أحد من مشايخ أهل زمانه"(1).
فشهدت الحركة القرآنية في عصر الإمام محمد الجواد(عليه السلام) نشاطًا فكريًا وتفسيريًا مكثفًا لمواجهة التحديات العقدية، إذ ركّز فيها الإمام (عليه السلام) على الاستدلال بالقرآن الكريم؛ لإثبات الأحقية الإلهية في الإمامة، وربطها بمنهج القرآن الكريم في عرض إمكانية وقوعها في سن مبكرة، وتفنيد الشبهات جميعها حولها، ومن أبرز معالم حركة الإمام الجواد (عليه السلام) القرآنية في عصره هو تثبيت الإمامة المبكرة بالقرآن الكريم، إذ واجه الإمام الجواد (عليه السلام) تشكيكًا في توليه الإمامة وهو في عمر الثامنة، فاستعمل الاستدلالات القرآنية الرصينة، منها قصة يحيى (عليه السلام) الذي أوتي الحكم صبيًا، ونبوة عيسى(عليه السلام) في المهد، لتقديم أساس شرعي وعقلي لإمامة الصغير، بتحليل التحديات العقدية استنادًا إلى القرآن الكريم، مؤكدًا أن الولاية الإلهية لا ترتبط بالنضج العمري، بل بالاصطفاء الإلهي والعصمة، وأبرز ما تميّزت به جهود الإمام محمد الجواد(عليه السلام) في تفسير القرآن الكريم تأسيسه قاعدة ما يُستدل به على الأنبياء يجري للأئمة، حيث أن الله تعالى أجرى في كتابه العزيز احتجاجات على الناس في موضوع الأنبياء، لكي يصلوا إلى قناعة واضحة وإيمان راسخ بهم، وأجرى سنن ذلك فيما ظهر في واقعهم من معجزات شاهدة على صدقهم، ولمّا كانت الإمامة امتدادًا للنبوة، فقد أجرى سنن الأنبياء في الأئمة (عليهم السلام)، وجعل حجّتهم كحجة الأنبياء، كما جاء ذلك في كتاب الكافي قوله (عليه السلام): ((إنّ الله احتج في الإمامة بمثل ما احتج به في النبوة، فقال:﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: 12]، ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾[يوسف: 22]، ﴿وَبَلَغَ أَربَعِينَ سَنَة﴾ [الأحقاف: 15]، فقد يجوز أن يؤتى الحكمة وهو صبي، ويجوز أن يؤتاها وهو ابن الأربعين سنة))(2).
فبذل الإمام الجواد(عليه السلام) جهدًا كبيرًا في الكشف عن قناع الرياء والنفاق، الذي تستر به العباسيون، موظفًا آيات القرآن الكريم لبيان حقيقة السلطة الظالمة، وإعادة الوعي للأمة في التمييز المعرفي، مقدمًا أنموذجًا للقيادة الواعية، التي تعتمد النص القرآني أساسا للحكم والوعي.
وقد تميّز عصر الإمام الجواد (عليه السلام) بازدهار الحركة الثقافية وتأسيس الحلقات العلمية، إذ نشطت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في تفسير القرآن الكريم وعلومه، وكان لعلماء الإمامية أثرٌ بارز في نقل علوم الأئمة(عليهم السلام) وتدوينها، ولا يخفى ما وقع في الحادثة التي اشتهرت عن الإمام الجواد (عليه السلام)ومخالفته مَن حضر من فقهاء السلطة، في فتواهم في قضية حدِّ السارق، وتحديد موضع القطع وفقًا للنصّ القرآني، والتي كانت سببًا في شهادته على يد المعتصم العباسي، بوشايةٍ من ابن أبي داوود، وتقريع المعتصم وتخويفه من نتيجة تركه أقاويلهم كلهم لقول رجل –على حد تعبيره- يقول شطر هذه الأمة بإمامته، ويدّعون إنه أولى منه بمقامه، فكيف يحكم بحكمه من دون حكم الفقهاء؟(3)، وكانت هذه الحادثة القرآنية الأخيرة في حياته (عليه السلام)، فسلامٌ على الإمام الجواد يوم ولد ويوم استشهد ويوم يُبعث حيًا.
--------------
1.المفيد، الإرشاد: 299.
2.الكليني، الكافي: 1/ 315.
3.العياشي، تفسير العياشي: 320.