100%
حتى يتفقهوا

مفهوم التقليد ومشروعيته

 

أ.م.د منذر عبيس متعب

كلية الإمام الكاظم (عليه السلام) النجف الأشرف

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 195 – الصفحة (25)

 

توطئة:

   يرجع الشيعة في معرفة أصول الدين وفروعه بعد النبي (صلى الله عليه وآله) إلى الثِقلين اللذينِ أوصى النبي (صلى الله عليه وآله) بالتمسك بهما، وأخبر أنهما موجودان في كل جيل، ولا يفترقان حتى يردا عليه الحوض كما هو متواتر عند الفريقين: الكتاب والعترة، لذا يعتقد الشيعة الإمامية أن الإمام المعصوم من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) مفترض الطاعة من الله تعالى ورسوله، وأن قوله حجة في أصول الدين وفروعه، وفي زمن غيبته يرجعون في فروع الدين إلى المجتهد الجامع للشرائط، يقلدوه في أحكامهم، ويتشددون في شروط الاجتهاد وشروط مرجع التقليد، ويوجبون تقليد أعلم الفقهاء الأحياء.

سيتناول هذا المقال بيان معنى التقليد وأهميته وحاجة الناس إليه والأدلة على وجوبه باختصار شديد غير مخل إن شاء الله تعــالى.

 

الفرع الأول:

مفهوم التقليد والحاجة إليه:

أولا: مفهوم التقليد

أ- التقليد لغة: قال الفيّومي في المصباح: ((قلَّدت المرأة تقليدًا: جعلت القلادة في عنقها، ومنه تقليد الهدي، وهو أن يعلَّق بعنق البعير قطعة من جلد ليعلم أنّه هدي فيكفّ الناس عنه، وتقليد العامل توليته كأنّه جعل قلادة في عنقه))(1).

 

ب- التقليد اصطلاحًا:

 إنّ المعرّفين للتقليد على اختلاف في أقوالهم، فمنهم من جعل التقليد أمرًا سابقًا على العمل بفتوى المفتي، فقد قال السيد اليزدي: ((التقليد: هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين وإن لم يعمل بعد، بل لو لم يأخذ فتواه فإذا أخذ رسالته والتزم بالعمل بما فيها كفى في تحقق التقليد))(2).

ومنهم من قال إن التقليد هو العمل، كما ذكر العلامة الحلي: ((إنّ التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجّة معلومة))(3) ووافقه السيد الخوئي(4) والشيخ محمد إسحاق الفيـاض(5).

ومنهم من لم يفرق بين الحالين، نحو ما ذهب إليه السيد محسن الحكيم بقوله: "قد اختلفت كلماتهم في تعريف التقليد.... لكن هذا الاختلاف وإن كان - لأول نظرة - ظاهرًا في الاختلاف في معنى التقليد ومفهومه، إلا أن عدم تعرضهم للخلاف في ذلك مع تعرضهم لكثير من الجهات غير المهمة يدل على كون مراد الجميع واحدا، وأن اختلافهم بمحض التعبير"(6).

 

ثانيا: نشوء الحاجة إلى التقليد

   كانت وما تزال سنة الحياة في كل ناحية من مناحيها، وفي أي مجال من الحياة لاحظته تجد أن ممارسته تتطلب معرفة معينة، وأن جزءًا من هذه المعرفة قد يكون واضحًا ومتيسرًا على العموم، ولكن الجزء الأكبر منها غير واضح ويتطلب جهدًا علميًا ومعاناة في الدرس والبحث، ففي المجال الصحي -مثلا- يعلم كل إنسان بحكم التجربة الساذجة في حياته أنه إذا تعرض إلى مناخ بارد فُجأة فقد يصاب بأعراض حمى، ولكنّ كثيرًا من أساليب الوقاية والعلاج لا يعرفها إلا عن طريق الطبيب ولا يعرفها الطبيب إلا بالبحث والجهد، وهكذا الحال في مجال التعمير والبناء ومجالات الزراعة والصناعة على اختلاف فروعها، ومن هنا وجد كل إنسان أنه لا يمكن عمليًا ان يتحمل بمفرده مسؤولية البحث والجهد الكامل في كل ناحية من نواحي الحياة؛ لأن هذا عادة أكبر من قدرة الفرد وعمره من ناحية، ولا يتيح له التعمق في كل تلك النواحي بالدرجـة الكبيرة)(7)؛ لذلك استقرت المجتمعات البشرية على أن يتخصص لكل مجال من مجالات المعرفة والبحث عدد من الناس فيكتفي كل فرد في غير مجال اختصاص محملًا لهم المسؤولية في تقدير الموقف، والتقليد هو الاعتماد على المتخصصين، فكل مكلّف يريد التعرّف على الأحكام الشرعية يعتمد أولًا على بداهته الدينية العامة، وما لا يعرف بالبداهة من أحكام الدين يعتمد في معرفته على المجتهد المتخصص(7).

 

الفرع الثاني

أحكام التقليد وأدلة مشروعيته:

أولا: اقوال الفقهاء في حكم التقليد

ذهب السيد محمد سعيد الحكيم إلى أنه مما أطبق عليه المسلمون فضلًا عن الإمامية، قائلَا: "اجتزاء العامي بالتقليد هو المعروف من مذهب الأصحاب، بل لا يظن فيه الخلاف بينهم، بل الظاهر أنه مما أطبق عليه المسلمون. والظاهر أن خلاف الإخباريين فيه لفظي، لأن المحكي عنهم دعوى أن ما صدر من معاصري الأئمة (عليهم السلام) واستمرت عليه سيرة السلف والخلف ليس من التقليد، بل هو نظير قبول الرواية المنقولة بالمعنى الذي لا إشكال في جوازه، وأنه لا يجوز تقليد من يجتهد في تحصيل الحكم برأيه، إذ يجب أخذ الحكم عن المعصومين (عليهم السلام) لا عن غيرهم"(9).

واعتبر الشيخ محمد إسحاق الفياض أن عملية التقليد ضرورية، بمعنى لا مجال لفهم الأحكام بدونها، قائلا: "إن عملية الاجتهاد والتقليد عملية ضرورية لا تقبل الشك، وتنبع هذه الضرورة في النهاية من ضرورة تبعيّة الإنسان للدين"(10).

وفي رد الزعم بأنّ دين الله لا يصاب بالعقول، قال الشيخ المظفر: "وأما ما ورد عن آل البيت عليهم السلام من نحو قولهم: (إن دين الله لا يصاب بالعقول)، فقد ورد في قباله مثل قولهم: (ان لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والائمة (عليهم السلام) وأما الباطنة فالعقول)، والحل لهذا التعارض الظاهري بين الطائفتين، هو أن المقصود من الطائفة الاولى بيان عدم استقلال العقل في إدراك الأحكام ومداركها، في قبال الاعتماد على القياس والاستحسان، لأنها واردة في هذا المقام، أي: أن الأحكام ومدارك الأحكام لا تصاب بالعقول بالاستقـلال، وهـو حق".(11).

 

ثانيا، ادلة مشروعية التقليد:

أ- الاستدلال بالقران الكريم:

قال السيد محمد سعيد الحكيم: "...منها، قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122] فإن التفقه عبارة عن تعلم الأحكام واستنباطها من أدلتها، وظاهر الإنذار هو الإنذار بما تفقهوا فيه،... فالإنصاف: أن الاستدلال بالآية قريب جدًا، لظهورها في ما نحن فيه بدوًا، وبلا كلفة، فلاحظ"(12).

واستُدل كذلك بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 43] "فإنه ظاهر في أن وظيفة الجاهل السؤال من العالم، والمنصرف إرادة السؤال للعمل، فيكشف عن حجية الجواب، كما يناسبه ظهور القضية في إمضاء سيرة العقلاء المشار إليها آنفًا، لورودها في مقام الاحتجاج على الكفار، وإبطال زعمهم في امتناع بعث البشر،..."(13).

 

ب- الاستدلال بالسنة المطهرة:

واستدل الفقهاء بالسنة المطهرة أيضًا بالنصوص الكثيرة الواردة في فضل العلم، وتعليمه، والانتفاع به، والرجوع للعلماء والأخذ منهم، فإن تعليم العلم، والانتفاع به، والرجوع للعالم، لا يراد بها خصوص ما أوجب القطع، بل الإشارة إلى ما هو المعروف عند العرف، من أخذ الفتوى من العالم، وقبول قوله، فالنصوص الواردة كثيرة في إرجاع الأئمة (عليهم السلام) إلى آحاد أصحابهم، كيونس، وزكريا بن آدم، والعمري، وابنه، وكذا ما تضمن حث بعضهم على الفتوى، أو تقريره عليها منهم أبان بن تغلب، ومعاذ بن مسلم النحوي، فإن جواز الإفتاء في مقام العمل بالفتوى يلازم عرفًا جواز العمل بهــا(14).

 

ج - الاستدلال بطريق الفطرة:

في وجوب التقليد بالفطرة قال السيد عبد الأعلى السبزواري : "هذا الوجوب فطري يجده كلّ عاقل من نفسه بعد علمه بأنّه ليس كالبهائم، وبعد احتمال العقاب في ترك التعرّض له، كما أنّه طريقٌ محض لا نفسيّة فيه بوجه، فيكون المناط كلَّه على الواقع، وعليه فحق التعبير أن يقال: لا يصح كلّ فعل وترك إلا مع إحراز المطابقة للواقع، وطريق إحراز المطابقة له في غير الضروريات واليقينيات: إما الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط"(15).

د- سيرة المتشرعة: قال السيد محمد باقر الصدر: "... وعلى ذلك جرت سنة المؤمنين والمسلمين منذ عصر الأئمة (عليهم السلام) إلى يومنا، هذا فقد كان الأئمة (عليهم السلام) يوجهون السائلين من أبناء الأمصار الأخرى إلى تقليد الفقهاء من أبناء مدرستهم والرجوع إليهم ولا يرون لهم عذرًا في التسامح في ذلك"(16).

 

هـ- بناء العقلاء:

بيّن السيد محمد صادق الروحاني وجوب التقليد بالنص والعقل قائلًا: "ولا كلام أيضًا في ثبوت منصب الفتوى له، وأن للعوام أن يقلدوه وتدل عليه الآيات والروايات وبناء العقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم،.."(17).

و- عقلًا: بيّن الميرزا جواد التبريزي حكم العقل بوجوب التقليد، قائلًا: "مقتضى العلم الإجمالي بوجود تكاليف شرعية، وجوب الخروج عن عهدتها عقلًا، والخروج عن عهدتها يكون إما بالامتثال العلمي الذي يكون بالتقليد أو بالامتثال بالعلم الذي يكون بالاحتياط، فيتخير بينهما"(18).

 

الفرع الثالث

حرمة التقليد في أصول الدين:

في الوقت الذي أوجبت فيه الشريعة التقليد في فروع الدين من الحلال والحرام حرّمته في أصول الدين، فلم تسمح للمكلّف بأن يقلّد فيها، وقد أوضح السيد الخوئي عدم جدوى التقليد في الأصول، قائلًا: ((والوجه في وجوبه استقلال العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب، ولا يتأتى هذا فيما اعتبر فيه اليقين والاعتقاد كما في الأصول كالتوحيد والنبوة والمعاد، لوضوح أنه لا عمل في تلك الأمور حتى يستند فيها إلى قول الغير أو لا يستند، فإن المطلوب فيها هو اليقين والاعتقاد ونحوهما، مما لا يمكن أن يحصل بالتقليد، فلا معنى له في مثلها، بل لو عقد القلب - في تلك الأمور- على ما يقوله الغير لم يكتف به بوجه، إذ المعتبر في الأصول إنما هو اليقين والعرفان والاعتقاد، وشيء من ذلك لا يتحقق بعقد القلب على ما يقوله الغير، بل هذا هو القدر المتيقن ، ما دلّ على ذمّ التقليد واتباع قول الغير في الأصول))(19).   

ثم بيّن وجوب الاطمئنان وكفايته في الأصول، قائلًا: "وجوب الاجتهاد مع العجز عنه أكيدًا، إلَّا أن هذا لا يعني جواز التقليد، بل يمكن أن ننتقل إلى حالة ثالثة هي الاطمئنان بصحة أصول الدين. والاطمئنان حجة كافية ومعتبرة شرعًا، من أي كان سبب حصولـه،..."(20).

وأضاف: "وهذا ما يمكن أن يحصل للعامي بأسلوبين: الأسلوب الأول: ما يكون من العقائد مقدماته واضحة ووجدانية إلى حد تكون حسية أو قريبة من الحس. فيمكن القول: إنه لا يعذر فيها أحد، لذا يذمّ القرآن الكريم من يكذب بالآيات في عدد معتدّ به من الآيات القرآنية، والمقصود بالآيات هنا الدلائل الواضحة على أصول الدين ، منها وجود اللَّه وتوحيده وعدله وكرمه... الأسلوب الثاني: وهو خاص بمن كان في المستوي المتدني بحيث لا يمكنه حقيقة حتى إدراك المستوي الأول الواضح، عندئذ يمكن الاكتفاء منه بمجرد حصـول الاطمئنـان"(21).

ــــــــــــــــ

1. المصباح المنير 2: 197(قلَّد).

2. السيد اليزدي، العروة الوثقى، 1/ 14 - 15 مسألة 8؛ ظ: الشيخ محمد حسين الحائري، الفصول الغروية في الأصول الفقهية: 2/ 132؛ الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 2/ 434.

3. نهاية الأحكام: 1/ 398؛ معالم الدين في الأُصول: 236.

4. كتاب الاجتهاد والتقليد: 411؛ الشيخ علي خازم، مدخل إلى علم الفقه عند المسلمين الشيعة: 53.

5. الشيخ محمد إسحاق الفياض، منهاج الصالحين: 1/8 مسألة 5.

6. السيد محسن الحكيم، مستمسك العروة : 1/11.

7. ظ: الفتاوى الواضحة: 5.

8. ظ: الفتاوى الواضحة: 6.

9. مصباح المنهاج، التقليد: 8 - 9.

10. الشيخ محمد إسحاق الفياض، تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى: 1/10.

11. أصول الفقه: 2/ 94؛ ينظر كذلك: مصباح المنهاج، التقليد: 9.

12. السيد محمد سعيد الحكيم، معاصر، مصباح المنهاج: التقليد، 9 - 10؛ ينظر كذلك: أصول الفقه، الشيخ محمد رضا المظفر: 2/ 55.

13. مصباح المنهاج، التقليد: 11؛ ينظر كذلك: الفتاوى الواضحة، السيد محمد باقر الصدر: 10.

14. ينظر: مصباح المنهاج، التقليد: 13؛ ينظر كذلك: السيد محمد باقر الصدر، الفتاوى الواضحة.

15. مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: 1/ 7.

16. الفتاوى الواضحة: 7.

17. فقه الصادق(عليه السلام) 16 / 168.

18. صراط النجاة، تعليق الميرزا التبريزي: 2/ 460 - 461.

19. السيد الخوئي، كتاب الاجتهاد والتقليد: 411.

20. ما وراء الفقه: 10 / 295 - 296.

21. المصدر نفسه: 10 / 296.