يُعد كتاب (نهج البلاغة) صرحاً بيانياً تلاقت فيه صولة الفصاحة بعمق المعنى الأخلاقي، مما جعله مصدراً رئيساً للدراسات الدلالية والروحية، ومن بين المفاهيم المركزية التي صاغها الإمام (عليه السلام) يبرز مفهوم (السكينة)؛ فهي لا تقتصر في المنظور العلوي على معناها اللغوي المرتبط بالهدوء، بل تتحول إلى مقام إيماني يمنح النفس (قرار الأمن)، ويطرد عنها شوائب الشك والاضطراب، وتكمن أهمية هذه الدراسة في تتبع دلالة السكينة عبر خمسة سياقات رئيسة: (التعبدي الوصفي، والتنزيل الغيبي، والاتصال الوجودي، والعسكري الحربي، والاجتماعي الإداري)، مع التركيز على شرح ابن أبي الحديد المعتزلي لبيان الأبعاد الاستعارية والكنائية التي وظفها الإمام في نصوصه.
التحديد اللغوي للسكينة في المعاجم:
تدور المادة اللغوية (سكن) في أُمّات المعاجم حول انقطاع الحركة وحصول الوقار:
كتاب العين: يرى الخليل بن أحمد أن السكينة هي "الطمأنينة" التي تسكن إليها النفس وتأنس بها، وهي نقيض الاضطراب(1).
في مقاييس اللغة: يؤكد ابن فارس أنّ السين والكاف والنون أصل واحد يدل على "خلاف الاضطراب والحركة"، ومنه السكينة التي ينزلها الله في قلب عبده ليسكن بها(2).
في لسان العرب: يفصل ابن منظور الدلالة بأن السكينة هي "الطمأنينة والوقار والسكون" الذي ينزله الله في القلب عند المخاوف، فلا ينزعج الإنسان بعدها لما يرد عليه(3).
والسكينة هي الطمأنينة والوقار والسكون، الذي ينزله الله في قلب عبده عند اضطرابه من شدة المخاوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يَرِد عليه، ويوجب له ذلك زيادة في الإيمان وقوة في الثبات واليقين(4).
السكينة (إشعاراً) وملازمة باطنية (تحليل الخطبة 91):
في وصفه لعظمة الملائكة ومقامهم الإيماني الرفيع، يورد الإمام علي (عليه السلام) في "خطبة الأشباح": ((وأشعر قلوبهم تواضع إخبات السكينة، وفتح لهم أبواباً ذللاً إلى تماجيده))(5).
يرى ابن أبي الحديد في تحليله لهذا النص أن الإمام (عليه السلام) استعمل فعل "أشعر"، وهو مشتق دلالياً من "الشعار"، وهو الثوب الذي يلي الجسد ويلاصقه مباشرة(6)، بل هي (بطانة) للقلب تلامس سويداءه، مما يفيد الملازمة التامة التي لا تنفك عنهم.
يشير هذا التوظيف إلى أن السكينة والوقار في المنظور العلوي للملائكة والمتقين ليست حالة عارضة أو (زيّاً) خارجياً، يرتديه المرء أحياناً وينزعه أحياناً، بل هي هيأة راسخة تملأ الكيان من الداخل.
كما أن الإمام (عليه السلام) قرن السكينة بـ (الإخبات)، وهو السكون إلى الله بالتذلل المطلق، مما يعني أنّ السكينة هي الثمرة اللدنية الناتجة عن انكسار القلب بين يدي الخالق، وهي التي ترفع تشتت الذهن وتفتح آفاق اليقين المعرفي.
السكينة "جلباباً":
ينتقل الإمام بالسكينة من مقام "الإشعار" الباطني إلى مقام (التجلبب) الظاهري في السياق العسكري، إذ يوجه مقاتليه بصفين قائلاً: ((استشعروا الخشية، وتجلببوا السكينة، وعضُّوا على النواجذ))(7).
يوضح ابن أبي الحديد أنّ "الجلباب" هو الثوب الشامل الذي يغطي البدن بكامله، والأمر بـ "تجلبب السكينة" هو كناية عن الأمر بتسكين القلب وترك الاضطراب في مواجهة الموت(8).
ويربط التحليل الدلالي هنا بين "السكينة" و(العض على النواجذ)؛ إذ إن الهدوء النفسي (السكينة) يؤدي إلى ثبات الجوارح واشتداد عزيمة المقاتل، مما يجعل وقع السيوف عليه "أنبى" (أي أقل تأثيراً)، وبذلك، تتحول السكينة في هذا السياق من مقام تعبدي إلى واقع عسكري ونفسي، يحقق أقصى درجات الثبات الوجودي، وعقد الإمام مقابلة دلالية بين "الخشية" (البطانة) و"السكينة" (الظهارة)، فالخشية الباطنية تثمر سكينة ظاهرة، وهذا التلازم يؤدي إلى ثبات الجوارح؛ إذ إنّ الإنسان المطمئن يكون أقدر على مقاومة الصدمات، ويكون تأثير السيوف فيه أقل من حيث وهن العزيمة، فدلالة العض على النواجذ تدل على طلب الثبات من المقاتل في المعركة، ومقاومة ضربات السيوف، فالعض عليها يجعل السيف ينبو: أي يتجافى ولا يمضي في الهامة؛ لتصلبها، فأراد الإمام (عليه السلام) أن يستجمع المقاتل قوته الجسدية والنفسية، لأنها من عوامل الثبات، ومن مستلزما ت تحقيق النصر(9).
السكينة "تنزلاً" غيبياً على أهل الذكر:
يصف الإمام علي (عليه السلام) حال الذاكرين المخلصين الذين انقطعت همومهم لله بقوله: ((قد حفَّت بهم الملائكة، وتنـزَّلت عليهم السكينة، وُفتحت لهم أبواب السماء، وأُعدَّت لهم مقاعدُ الكرامات))(10) يمثل هذا النص المرتكز الدلالي للسكينة في "النهج":
إنّ اقتران "تنزل السكينة" بـ "حفوف الملائكة" ينقل المصطلح من حيز الهدوء النفسي البشري إلى حيز "الفيض الإلهي"؛ فالسكنية هنا منحة لدنية تجعل المؤمن في حالة اتصال دائم بالملكوت(11).
فقد ربط الإمام بين السكينة و"فتح أبواب السماء"، مما يشير دلالياً إلى أنّ السكينة هي المفتاح الروحي الذي يرفع تشتت الذهن، ويسمح للروح بالولوج إلى فضاء اليقين دون عوائق(12).
إنّ الثبات في "مقعد الصدق": تدل هذه المصاحبات على أنّ السكينة هي الثمرة المباشرة لليقين الذي لا يشوبه ريب، وهي التي تمنح الجوارح خشوعاً واللسان حكمة(13).
السكينة مسلكاً تداولياً واجتماعياً:
ومن أسمى تجليات السكينة في "النهج" تحولها إلى بروتوكول أخلاقي في التعامل مع الرعية، ففي وصيته لجُباة الصدقات، يقول (عليه السلام): ((فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثم امضِ إليهم بالسكينة والوقار، حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم))(14).
يشير ابن أبي الحديد إلى أنّ اقتران السكينة بالوقار في هذا السياق يهدف إلى طمأنة الناس وعدم ترويعهم في أثناء أداء المهمة الرسمية(15).
السكينة هنا هي "هيأة وقار" تضبط إيقاع السلطة؛ فالوقار هو المتوسط المحمود بين الكبر والتواضع، واقتران السكينة بالسلام "فتسلم عليهم" يدل على أنّ الهدوء النفسي هو مفتاح التواصل الناجح، حيث تذوب الحواجز بين الحاكم والمحكوم تحت مظلة الوقار الإيماني.
إنّ مضي الموظف العام بالسكينة يرفع من قدره في عيون الرعية، ويحقق "السلم الإجتماعي"، إذ يمهد الهدوء النفسي لعملية التواصل (السلام)، لتكون مفتاحاً لحل النزاعات وجلب الحقوق برضا وطمأنينة.
السكينة في مقابل طمأنينة الدنيا الزائفة
من كتاب له (عليه السلام)إلى سلمان الفارسي & قبل أيام خلافته، وفيه يحذر الإمام من الركون إلى الدنيا بقوله: ((فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور أشخصته إلى محذور))(16).
التضاد الدلالي: السكينة الحقيقية في النهج هي "خمود الشك" و"ركود الريب" الناتج عن ذكر الله.
أما الاطمئنان للدنيا فهو "عجز يلم بالإنسان" واغترار بالزوال والسكينة الإيمانية، تمنح العبد "سكون أمن في استراحة أنس" دائم، وهي الغاية التي تنتهي بالسالك إلى "منتهى الطمأنينة" في دار الكرامة(17).
الخاتمة:
توصلنا في دراستنا إلى أنّ مفهوم السكينة في "نهج البلاغة" يمثل مقاماً رتبياً يبدأ بـ "التنزل" الغيبي على أهل الذكر، و(إشعاراً) باطنياً يملأ القلب باليقين (كالثوب الملاصق)، إلى (وقار) اجتماعي يضبط التعامل مع الرعية، وصولاً إلى (جلباب) عسكري يثبت الأقدام في الميادين.
وقد أثبت التحليل في ضوء شرح ابن أبي الحديد أنّ الإمام (عليه السلام) ارتقى بالسكينة من معناها (السكوني) السلبي إلى معناها (الديناميكي) الإيجابي، الذي يعصم الإنسان من القلق والاضطراب في تقلبات الحياة كافة، لتكون هي "لباس المتقين"، الذي يورثهم الحكمة والثبات.
------------------------