محمد الهاشمي العلوي
الحوزة العلمية في النجف الاشرف
المصدر: مجلة الولاية – العدد 201 – الصفحة (25)
لا شك في أنَّ المشاهد المشرفة للمعصومين (عليهم السلام) – ونعني بها هنا مواضع قبور الأئمة (عليهم السلام)والمسجد النبوي الشريف – هي من أشرف بقاع الأرض التي كرمها الله تعالى، وأوجب علينا تعظيمها، والالتزام بالأحكام والآداب الشرعية المتعلقة بها. وقد أشار إلى عظمة المشاهد المشرفة السيد بحر العلوم + في منظومته الفقهية المسماة بالدرة النجفية إذ قال:
وهي بيوتٌ أذِنَ اللّه بأنْ
تُرْفَعَ حتى يُذْكَرَ اسمهُ الحسن
والفرقُ بينَ هذه القبورِ
وغيرِها كالنُّورِ فوقَ الطُّورِ
إنَّ لهذه الأماكن المقدسة أهمية وأبعادًًا متعددة في فقهنا الفردي والاجتماعي، وقد خصَّت بعض الآيات القرآنية وجزء كبير من روايات أهل البيت (عليهم السلام) هذه الأماكن المشرفة بالذكر والتفصيل، سواء بصورة خاصة أم عامة؛ ومما يبرز هذه الأهمية ويدل على سعة موضوعها ما يشير إليه كتاب وسائل الشيعة للشيخ الحر العاملي (رحمه الله)؛ إذ خصَّص ١٠٩ أبواب لأحكام وآداب المشاهد المشرفة تحت عنوان "كتاب المزار"(1) وما شابهه في مجامع حديثية أخرى مثل بحار الأنوار. وهذا كله يضاف إلى ما ثبت من أحكام شرعية للمشاهد المشرفة الموزعة في أبواب فقهية وروائية متفرقة ومتصلة، مما يؤكد الأهمية القصوى لهذا الموضوع في فقه أهل البيت (عليهم السلام).
ويمكن تقسيم الآيات والروايات المتعلقة بالمشاهد على ثلاثة محاور: الفضائل، الأحكام، الآداب، والتي يُطلق على مجموعها اسم "فقه المشاهد المشرفة".
أثر الأحكام الفقهية في التراث التاريخي
قد تظهر هذه الآداب والأحكام أثرًا ماديًًا في الحياة الاجتماعية الظاهرة، فتترسخ في تاريخ المدن المقدسة كجزء من تراثها الديني، وشاهد على عقائد أهلها، وهذا التراث التاريخي يُمكن أن يُستَنبَط منه صفحات ومطالب فقهية مطوية (غير ظاهرة) في هذا المقال، نتناول بالبحث أحد هذه الآثار التاريخية المتمثل في محلة الزنجيل أو شارع الزنجيل في مدينة النجف الأشرف، وسنقوم أولًا بتعريف خصوصيتها وموقعها المكاني، ثم نربطها بالحكم الشرعي في فقه العتبات.
المطلب الأول: محلة الزنجيل وتوثيقها التاريخي
ذكر المؤرخ المحقق عبد الرزاق حرز الدين في كتابه (تاريخ النجف الأشرف) ضمن تعريفه بمحلات النجف القديمة: "محلّة الزنجيل هي اليوم بمحل السوق المعروف بـ (عقد الحمير)، وفي هذه المحلّة صكّ دار مؤرّخ سنة ١٢٢٢ هـ، وفيها دار وقف لآل الجواهر مجاورة لدور آل شريف، وعرف أخيرًا هذا الشارع بشارع التجّار، وهناك شارع آخر يعرف أيضا بـ محلّة الزنجيل وهو شارع البهّاش، وعلى ذلك صكّ دار آل الغطّاوي - سدنة الحرم العلوي الشريف - المؤرّخ سنة ١١٦٤ هـ، ويظهر أنّ كلّ ما أحاط بالصحن الشريف من شوارع تؤدّي إلى الدخول إليه من أبوابه كان يعرف بـ شارع الزنجيل؛ والسبب في ذلك أنّ في العهد القديم كان على كلّ شارع متصل بباب من أبواب الصحن الشريف سلسلة من حديد ذات حجم كبير ووزن ثقيل قاطعة للشارع، وكانت بارتفاع يسير عن الأرض، وتبعد عن كلّ باب من أبواب الصحن عدّة خطوات، فإذا أراد الزائر الدخول والخروج من وإلى الصحن كان عليه العبور عليها. كانت هذه السلسلة تعرف في النجف بـ (حدّ الأمان)؛ لأنّ كلّ من يجتازها ويقرب من الصحن الشريف يصبح آمنًا وإن كان مقترفًا جناية، فيكفّ عنه المجنى عليه بعد عبوره السلسلة... وفي سنة ١٣٦١ هـ قامت اللجنة المشرفة على تعمير الحرم المطهّر بصنع أبواب جديدة للصحن أفخم من الأولى، ولم يضعوا تلك السلاسل القديمة على الأبواب الجديدة، ووضعت في خزائن الأثريات للحرم المطهّر(2).
المطلب الثاني: فقه الأمان (الحكم الشرعي ونطاقه)
نقتصر في هذا المطلب على نقاط رئيسة ومختصرة في الخلاف الفقهي حول "حكم الأمان"؛ لعدم إمكان الإطالة فيه فيسبب خروجًا عن الغرض الأصلي لهذا المقال الذي يركز على الربط بالتراث المادي.
مقدمة في أقسام الأحكام الفقهية للمشاهد
يمكن تصنيف الأحكام والآداب الشرعية المتعلقة بالمشاهد المشرفة باعتبار أدلتها الفقهية إلى ثلاثة أقسام رئيسة: الأول: أحكام استُنبطت من أدلة وردت بخصوص المشاهد المشرفة (مثاله غسل الزيارة)، والثاني: أحكام استُنبطت من أدلة عامة أو مشتركة بين الأماكن المقدسة عمومًًا (كالحرم المكي والمساجد والمشاهد المشرفة، ومثاله وجوب التعظيم وحرمة الهتك)، والثالث: أحكام استُنبطت بإلحاق المشاهد المشرفة بالمساجد (كحكم الدخول والمكث لفاقدي الطهارة (3)) أو إلحاقها بالحرم المكي، وكلامنا يدور حول المورد الأخير ومثاله حكم الأمان (وتأخير إجراء العقوبة بسببه)، وهو موضوع بحثنا الحالي.
حكم الأمان وثبوته لحرم مكة
يعد حكم الأمان من الأحكام الثابتة لحرم مكة المكرمة، وقد نُصَّ عليه في القرآن الكريم والسنة الشريفة. ومن أدلته: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97]. وصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: ((سألته عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ قال: إذا أحدث العبد في غير الحرم جناية ثم فرّ إلى الحرم لم يسع لأحد أن يأخذه في الحرم...))(4). ومن الواضح أن مقصودنا هنا تحديدًا هو الأمن التشريعي وليس التكويني، ومفاد هذا الحكم - كما تقدم - هو أن كل من ارتكب جناية كالقتل خارج الحرم المكي ولجأ إليه، يكون في أمان من إقامة الحد عليه، ولا يجوز لأحد التعرض له بالإمساك أو القتل ما دام داخل حدود الحرم، وفي المقابل، لا يُسمح لأحد بمخالطته أو مبايعته أو إطعامه أو سقيِه أو تكليمه (أو يضيق عليه في ذلك)، كنوع من التضييق الاقتصادي والاجتماعي، حتى يضطر للخروج من تلقاء نفسه، فيُلقى القبض عليه ويُحاكم، ولا يخفى أن دائرة هذا الحكم أوسع مما ذكرنا، وأدلته مفصلة في كتب الفقه، وقد اكتفينا بما يتم به الغرض في مقالنا هذا.
إلحاق المشاهد المشرفة بحكم الأمان
اختلف الفقهاء في تعدية حكم الأمان من حرم مكة إلى المشاهد المشرفة:
١. القول بالإلحاق (المُجَوِّزون): ذهب فريق من الفقهاء إلى إلحاق المشاهد المشرفة بحرم مكة في حكم الأمان، ومن أبرزهم: الشيخ الطوسي(5)، والمحقق الحلي(6)، وصاحب المدارك(7) وكذلك: الشيخ المفيد وابن فهد الحلي وابن إدريس والعلاّمة الحلي (8) والفاضل المقداد السيوري (9)، رضوان الله عليهم اجمعين.
أدلة القائلين بالإلحاق:
1.إطلاق الرواية: عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يجني في غير الحرم ثم يلجأ إلى الحرم قال: ((لا يقام عليه الحد...)) (10)، فالمذكور في الرواية هو الحرم، وهو يعم بإطلاقه مشاهد المعصومين (عليهم السلام).
2.إطلاق اسم الحرم وعنوان حرم الله على المشاهد المشرفة: استنادًا لإطلاق اسم "الحرم" و"حرم الله" في بعض الروايات على مشاهد المعصومين، ومنها ما ورد عن يونس بن ظبيان عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال له: ((إذا أتيت أبا عبد الله (عليه السلام) فاغتسل على شاطئ الفرات، ثم البس ثيابك الطاهرة، ثم امشِ حافيًًا فإنك في حرم الله وحرم رسوله)) (11)(12).
3.إطلاق المسجد على بيوت أهل البيت (عليهم السلام) (13).
4.التعظيم: بأن الإلحاق مناسب للتعظيم والشرف (14)(15).
5.الأولوية: لما ورد متواترًا من رفع العذاب الأخروي عمن يُدفن بها، فالعذاب الأخروي أولى (16).
6.استحباب المجاورة: ما ورد في استحباب المجاورة بها والقصد إليها (17).
7.مساواة مشاهد الأئمة (عليهم السلام) للحرم في الحرمة (18).
8.الإجماع: ادعى الفاضل المقداد السيوري الإجماع على الإلحاق (19).
9.يمكن إضافة دليل عموم الاحتياط، إن قلنا بجريانه في هذا المقام.
٢. القول بعدم الإلحاق (المانعون):
ذهب فقهاء آخرون إلى عدم الإلحاق، ومنهم: الشهيد الثاني (20)(21)، وصاحب الحدائق (22)، وصاحب الجواهر (23) والسيد الخوئي من المعاصرين (24)؛ رضوان الله عليهم أجمعين.
دليل المانعين:
1.ضعف مستند إطلاق اسم الحرم: إذ بيّن الشهيد الثاني أن مستند المجوزين ضعيف وهذا الإطلاق "نادر"(25)، وعلّق عليه بعض الفقهاء المعاصرين: أن الحرم ينصرف عند الإطلاق إلى حرم الله (مكة) لا غيره (26).
2.عدم الدليل على هذا الحكم (27).
3.التعظيم لا يثبت حكمًًا: فالحكم تابع للدليل (28).
4.الأصل العدمي (الاستصحاب): إذ إن الأصل عدم تأخير العقوبة، فيجب في هذه الحالة أن يؤخذ الجاني ويُجرى عليه الحد ما لم يقم دليل شرعي على التأخير(29).
ومن مجموع ما تقدم، يتضح أن الأدلة بحسب قول أكثر المتقدمين من الفقهاء كانت تامة لإثبات التعدي، بحكم الأمان المختص بحرم مكة وتعميمه على المشاهد المشرفة، خصوصًًا إذا ضممناها لدليل الاحتياط. وأما المتأخرون فأغلبهم لم يقبلوا هذا الإلحاق، لعدم وجود دليل قطعي يثبته.
ولا يخفى أن بعض الفقهاء توقفوا في هذا الحكم، ولم يتم ذكرهم هنا اختصارًًا.
مقارنة المنهج الاستنباطي بين القدماء والمتأخرين (نظرة منهجية من خلال حكم الأمان)
يُشير هذا الخلاف حول الإلحاق إلى فرق منهجي جوهري بين طريقة استنباط القدماء والمتأخرين من الفقهاء في التعامل مع الأدلة غير الصريحة:
القدماء: مالوا إلى التوسع في إعمال عمومات التعظيم والإطلاقات الواردة في الروايات (مثل "حرم الله وحرم رسوله")، وكذلك إعمال الأولوية والمناسبات الفقهية، مما أدى بهم إلى القول بـ الإلحاق (التي تشير إلى ثبوت حكم الأمان).
المتأخرون: اتجهوا نحو الاحتياط في الاستدلال، والتشديد في طلب الدليل الخاص القطعي على الحكم. وركنوا إلى الأصل العدمي (الاستصحاب) إذ إن الأصل هو عدم ثبوت حكم الأمان إلا بنصّ خاص لا يقبل الشك، ممّا أدى بهم إلى المنع أو التوقف عن الإلحاق.
هذا التباين يوضح كيف أن هذا المبحث يُظهر اختلافًا في آليات التعاطي مع الأدلة الفقهية أكثر من كونه اختلافًا في الرأي.
الخلاصة والربط بالتراث (الهدف الأسمى للبحث)
على الرغم من عدم ثبوت حكم الأمان بالمستوى الفقهي (الواجب أو المستحب) للمشاهد بالدليل القاطع عند أغلب المتأخرين، فإنَّ تعظيم المشاهد وشرافتها ورعاية الأدب تجاهها هو أمر متفق عليه ومقبول فقهيًا.
وهذا يقودنا إلى تفسير تراث محلة الزنجيل؛ إذ إنَّ إطلاق "حد الأمان" على السلسلة المحيطة بالصحن في النجف يمثل تجسيدًَا تاريخيًَا واضحًَا لسيرة المتشرعة (السيرة العرفية المتدينة) في تلك الحقبة الزمنية، وإيمانهم بأنَّ هذه الأماكن هي مواضع أمان وتشريف إلهي؛ وذلك لأن النجف الأشرف كانت حاضنة الحوزة العلمية وملجأ كبار الطائفة طيلة قرون، فوجود هذا الأثر التاريخي يشير إلى ارتضاء العلماء كليَا بهذه السيرة وإنها كانت معمولة به آنذاك... مما يجعل هذا التراث شاهدًًا ماديًًا نادرًًا يمثّل الخلاف الفقهي حول الإلحاق، ويؤكد على سريان المفهوم الفقهي (حكم الأمان) إلى وجدان العامة والخاصة في المدينة المقدسة، حتى وإن لم يترتب عليه وجوب فقهي مُلزِم.
__________
(1) الحر العاملي، وسائل الشيعة: ج14.
(2) حرز الدين، تاريخ النجف الأشرف: 1/ ٢٦١.
(3) السيد علي السيستاني (دام ظله)، التعليقة على العروة الوثقى: ج ١.
(4) الحر العاملي، وسائل الشيعة13/226.
(5) الشيخ الطوسي، النهاية في مجرد الفقه والفتاوى: 756.
(6) المحقق الحلي، نكت النهاية: 3/405.
(7) السيد محمد العاملي، مدارك الأحكام: 8/255.
(8) السيد أبو القاسم الخوئي، مباني تكملة منهاج الصالحين: 8/225.
(9) السيوري، الفاضل المقداد، التنقيح الرائع: 4/460.
(10) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج28، ص59
(11) المصدر نفسه: 8/524.
(12) المصدر نفسه: 14/491.
(13) السيوري، الفاضل المقداد، التنقيح الرائع: 4/460.
(14) السيد محمد الموسوي العاملي، مدارك الأحكام: 8/255.
(15) السيوري، الفاضل المقداد، التنقيح الرائع: 4/460.
(16) المصدر نفسه.
(17 المصدر نفسه.
(18) الصيمري البحراني، غاية المرام: 4/422.
(19) السيوري، الفاضل المقداد، التنقيح الرائع: 4/460.
(20) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية بتعليق السيد محمد الكلانتر: 2/333.
(21) الشهيد الثاني، مسالك الأفهام: 2/372.
(22) الشيخ يوسف البحراني، الحدائق الناضرة: 17/345.
(23) الشيخ محمد حسن النجفي، جواهر الكلام: 41/345.
(24) السيد أبو القاسم الخوئي، مباني تكملة منهاج الصالحين: 8/225.
(25) الشهيد الثاني، مسالك الأفهام: 2/372.
(26) الروضة البهية: 2/333.
(27) الشيخ محمد حسن النجفي، جواهر الكلام: 41/345.
(28) السيد أبو القاسم الخوئي، مباني تكملة منهاج الصالحين: 8/225.
(29) الصيمري البحراني، غاية المرام: 4/422.