100%
حتى يتفقهوا

مشروعية الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي

السيد حسن الموسوي الحلي

الحوزة العلمية في النجف الأشرف

 

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 198 – الصفحة (33)

 

إنّ أجهزة الذكاء الاصطناعي، بمجالاتها كافة من الروبوت وغيره، قد تستطيع تحقيق مستقبل طبي يفوق التصورات التقليدية في مجال الطب، وهذا ما تُشير إليه التقارير العالمية في مجال تطوير أجهزة الذكاء الاصطناعي، إنها قد تُحدث ثورة طبية كبيرة في المستقبل القريب، الذي أصبح واقعاً علمياً بِدءًا من تشخيص الأمراض، ومن ثَمّ تشخيص العلاج ، وحتى العمليات الجراحية،.

 

المطلب الأول: استخدام الذكاء الاصطناعي في التشخيص الطبي

 دخل استخدام أجهزة الذكاء الاصطناعي، لا سيما الروبوت، في مجال الطب منذ سنوات، إذ اعتمد الأطباء والجراحون على مساعدة الروبوتات لهم في العمليات الجراحية، وقد مكّنت هذه الأجهزة والروبوتات الأطباء والجراحين في إجراء عمليات جراحية معقدة، بصورة دقيقة وبمهارة فائقة، ومن ذلك عمليات القلب المعقدة وعمليات الأوعية الدموية وغيرها، وكل هذه تكون بوقت أقل بكثير مما هو معهود في العمليات الجراحية، ولكن بيّنت دراسات في كلية الطب لجامعة ستانفورد أنّ العمليات الروبوتية تكون ذات كلفة مالية أكثر من غيرها، ولكن تمتاز بإيجابيات أخرى، وتكون من دون حصول الارتباك في أثناء العمليات من قبل الجراح أحياناً كما يحصل سابقاً، نتيجة للاضطرابات المفاجئة، وكذلك من دون الحاجة إلى أن يكون الجراح واقفاً لمدة طويلة في اثناء مدة الجراحة كما في العمليات التقليدية السابقة(1).

وفي جانب تشخيص الأمراض وما يتفرّع عن عمل أجهزة الذكاء الاصطناعي فيها، ولا يخفى التقدّم الحاصل في تكنولوجيا النانو، الذي أدّى إلى التفكير بصنع (روبوتات نانوية)(2) من قِبَل المتخصصين في المجال الطبي وهذه الروبوتات النانوية(3) المتناهية الصغر تكون وظيفتها من خلال حقنها في جسم الإنسان عن طريق الدم أو ابتلاعها، ثم بعد ذلك تقوم بالمهام الطبية التشخيصية والعلاجية المبرمجة عليها داخل جسم الإنسان، ومن هذه المهام تصوير خلايا الجسم وأجهزته الداخلية، وكذلك تقوم بوظيفة مراقبة أعضاء الجسم لاستكشاف الخلايا المصابة، وتقوم بعد ذلك بإيصال الدواء إلى هذه الخلايا، وغيرها من المهام.

  ومع بداية عام 2023م تم اجراء نحو (11) مليون عملية طبية جراحية عبر الاستعانة بالروبوت الطبي بعد تشخيص هذه الأمراض من قبل الروبوت وأجهزة الذكاء الاصطناعي المرتبطة به. كما يقدّر عدد الروبوتات المتوافرة في مستشفيات العالم نحو (7500) روبوتاً بعضها متخصص في تشخيص الأمراض وبعضها الآخر طبيّ جراحيّ(4).

 

المطلب الثاني: مشروعية التشخيص بالذكاء الاصطناعي

المقصد الأول: موقف الشريعة الإسلامية مِن التقدّم الطبي.

  إنَّ الشريعة الإسلامية لم تقف موقف المنع من التطور العلمي والتقدم الطبي، الذي يكون طريقه ووظيفته في منفعة الإنسان، وكلّ ما لم يسبب ضرراً مادياً أو معنوياً أو غيرهما للإنسان، لا سيما فيما يرتبط بالجانب الطبي والصحي لحياة الإنسان، وقد حثّت النصوص الشرعية على استحباب التداوي، وقد يتصل الأمر ببعض النصوص الواردة عن أهل البيت(عليهم السلام). وفي هذا السياق دلّت بعض روايات أهل البيت (عليهم السلام) على مشروعية التشخيص واستخدام العلاج، الذي هو التداوي ،لذا فمن جانب التشخيص ومشروعيته والتداوي قد حثّت كثير من روايات أهل البيت (عليهم السلام) على التداوي ومداواة ما يطرأ على البدن من الأعراض والأمراض، فكانوا (صلوات الله عليهم) يرشدون الناس إلى استخدام العلاج بعد تحديد نوع المرض وتشخيصه، فيكون استخدام العلاج بحسب الظروف التي تحيط بهم وأحوالهم في كل زمان ومكان. ونلحظ من الروايات أنَّ الأئمة (صلوات الله عليهم) يؤكدون أنّ الله تعالى جعل لكلّ داءٍ دواء مع تأثير الزمان والمكان في ذلك، إذ يمكن أن يُستفاد من الأخبار المطلقة في التداوي والاستدلال بها على مشروعية استخدام أجهزة الذكاء الاصطناعي في التشخيص الطبي.

 

المقصد الثاني: أدلة مشروعية التشخيص بالذكاء الاصطناعي

الدليل الأول: الروايات الشريفة.

أولاً: ذكر ابن إدريس (قدس سره) في السرائر(5): أنه قد ورد الأمر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)ووردت الأخبار عن الأئمة من ذريته (عليهم السلام)بالتداوي، فعن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام): ((تداووا، فما أنزل الله داءً إلّا أنزل معه دواء إلّا السام – يعني الموت -، فإنّه لا دواء له))(6).

ثانياً: وردت رواية أخرى في كتاب الجعفريات(7) عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، قال: ((قيل: يا رسول الله، نتداوى؟ فقال (صلى الله عليه وآله): نعم، ما أنزل الله تعالى من داء إلّا قد أنزل معه دواء فتداووا، إلّا السام فإنَّه لا دواء له))(8).

فيُستفاد من هاتين الروايتين والتي جاءت مطلقة أنَّ الله تعالى جعل الشفاء في استعمال الدواء، ومقتضى هذا على الإنسان أن يسعى جاداً ويبذل جهداً في معرفة الأدوية وطرقها، التي جعل فيها الشفاء ويكون ذلك عن طريق أهل الخبرة في هذا المجال، أو قيام أهل الخبرة بذلك في صناعة الأدوية اللازمة لعلاج الأمراض، التي تتطور وتتغير من زمان إلى زمان، بل يتطلّب من أهل الخبرة أحياناً القيام بتجارب واختبارات في صنع الأدوية واستخراجها، للوقوف على ما يصلح لتطور الأمراض وينفع الإنسان، ومع كل زمان يجب على الإنسان عدم الاستسلام للأمراض وإهمال البحث عن العلاج، بل يجب عليه التكيّف مع التطورات الحاصلة في العالم. وهذا يقودنا إلى مشروعية التشخيص باستخدام أجهزة الذكاء الاصطناعي، للوقوف على الأمراض المحتملة والمعقدة، والتي لا يمكن التنبؤ بها ولا تظهر أعراضها في جسم المريض إلّا عن طريق أجهزة متطورة جداً، منها أجهزة الذكاء الاصطناعي عن طريق زراعتها في جسم الإنسان أو الأجهزة التشخيصية الدقيقة، التي تمتاز بتقنية الذكاء الاصطناعي.

ثالثاً: في رواية أيضاً ذكرها الطبرسي، قال النبي (صلى الله عليه وآله): ((تداووا، فإنَّ الله عزّ وجلّ لم ينزل داء إلّا وأنزل له شفاء))(9)، فهي تدلّ على الأمر بالتداوي، وهذا يتطلّب البحث عنه بأية وسيلة مشروعة كانت، بحسب زمان المريض والمرض الذي في زمانه.

رابعاً: هناك رواية أخرى عن أبي عبد الله(عليه السلام)أنّه قال: ((إنّ نبيًّاً من الأنبياء مرض فقال: لا أتداوى حتى يكون الذي أمرضني هو الذي يشفيني، فأوحى الله عزّ وجلّ لا أُشفيك حتى تتداوى، فإنّ الشفاء منّي والدواء منّي، فجُعل يتداوى فأتى الشفاء))(10). ودلالة هذه الرواية واضحة، إذ إنّها تُؤكِّد أنَّ الشفاء وإنْ كان من عند الله تعالى فهو المشافي من دون سواه، إلّا أنَّ إرادته تعالى قد تعلَّقت بالأخذ بالأسباب، لتحصيل الشفاء، فإنَّ من أسباب الشفاء هو تناول الدواء.

  فيتبيّن من هذه النصوص وغيرها مشروعية استخدام أجهزة الذكاء الاصطناعي في التشخيص الطبي، بما يؤدي إلى منفعة الإنسان وعدم معارضة ومخالفة قواعد وضوابط الشريعة المقدسة. ويتّضح أنّ استخدام الروبوتات النانوية وبقية أجهزة الذكاء الاصطناعي ليس فيها معارضة لضوابط الفقه الإمامي، وأن النصوص الواردة إن تأكدت صحة سندها ومتنها فهي واقعة في عموم التداوي المأمور به من قِبل المولى (عز وجل) الوارد في الروايات، وأنّ وظيفة تشخيص أجهزة الذكاء الاصطناعي من الروبوتات والشريحة، التي في جسم الإنسان وغيرها، شأنها شأن أية آلة طبية تشخيصية تقليدية كانت قبلها، ولكن مع التطور الحاصل، ولاكتشاف بعض الأمراض التي يصعب اكتشافها مبكراً، تطلّب استخدام أجهزة الذكاء الاصطناعي، التي تكون قادرة على اكتشاف وتشخيص الأمراض بوقت مبكر جداً، ليتم علاجها بينما كانت في السابق تنتشر في جسم المريض، ولا يكون الطب عند ذلك قادراً على الوقوف على علاجه واستئصاله.

وبناءً على ما مضى فقد دلّت النصوص الشرعية المطلقة في مذهب الإمامية على الأمر بالتداوي، والأخذ بالأسباب، من تناول العلاج والبحث عنه وعن تطوره واستعماله بأيّة وسيلة مشروعة بحسب تطور الأمراض، وما يحتاج إليه التشخيص في كل زمان.

الدليل الثاني: قاعدة الحِلّ: يمكن الاستدلال على مشروعية استخدام أجهزة الذكاء الاصطناعي في التشخيص الطبي ببعض الأدلة المناسبة بالمقام من القواعد الفقهية، ومنها قاعدة الحِل، التي مفهومها: أنّ كل شيء من الموضوعات الخارجية الذي يكون مشتبهاً به بين الحلال والحرام يحمل على الحلال، حيث تكون وظيفتها نفي المسؤولية تجاه الفعل المشكوك الحرمة.

وأمّا مدرك القاعدة(11)، فيمكن الاستدلال على اعتبارها بما يأتي:

أولاً: الروايات الشريفة الواردة في مختلف أبواب الفقه:

1. منها: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: ((كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً ، حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه))(12). فهذه الصحيحة دلّت على أنّ كل شيء كان مشتبهاً بين الحلّية والحرمة يُحمل على الحلية، فما نشك به بأنّه حلال أو حرام العمل به يكون العمل به عندئذٍ حلالا.

2. ومنها: موثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول: ((كل شيء هو لك حلال، حتى تعلم أنّه حرام بعينه، ... والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البينة))(13). فدلالة هذه الرواية أيضاً واضحة وصريحة، بأنّ المراد من الأشياء الخارجية كلّها دالّة على الإباحة، حتى تتبين حرمتها أو تقوم به البيّنة.

ثانياً: التسالم: قد تحقق التسالم عند الفقهاء على مدلول القاعدة بلا خلاف ولا إشكال في التسالم على القاعدة بينهم، فالأمر متسالم عليه عندهم، ولا يخفى أنّه قد يعبر عن قاعدة الحل بأصالة الإباحة، وقد أفاد صاحب الجواهر (قدس سره) في المقام بأنّه من المعلوم المقر في الأصول أنّ العقل والشرع تطابقا على أصالة الإباحة والحِل في تناول كل ما لم يُعلم حرمته من الشرع(14).

  فيستفاد من هذه القاعدة كما هو معلوم في مورد البحث أنّ التشخيص ممّا لا حرمة فيه بحد ذاته، فيتّضح من القاعدة آنفة الذكر أنّ التشخيص باستخدام أجهزة الذكاء الاصطناعي لا دليل على حرمته، وفي حال شُكَّ في حرمة استخدامه فإنّه يُحمل على الحلّيّة، ويمكن جريان قاعدة الحِل فيما كان مشكوكاً بين الحلّيّة والحرمة فإنّه يُحمل على الحلّيّة.

الدليل الثالث: قاعدة لا ضرر.

 إنَّ قاعدة لا ضرر تعد من القواعد البالغة الأهمية في مقام الاستنباط، وقد أصبحت هذه القاعدة مورداً لاهتمام الفقهاء الأعلام، لا سيما في العصر الأخير، إذ عُنيَّ بها أغلب الفقهاء، لا سيما الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره)، عناية خاصة، وتطرّق إلى البحث عنها في رسائله، فانتظمت بذلك في سلك علم الأصول، وأُشبع البحث فيها لدى المتأخرين. وبناءً على كون المراد منها نفي الحكم، الذي ينشأ منه الضرر، فإنّه سوف يثبت لدى الفقيه نفي وجوب الوضوء مثلاً في حال ترتّب عليه الضرر، وكذا نفي وجوب الصوم عند ترتّب الضرر، ونفي حرمة حلق اللحية عند ترتّب الضرر، وغير ذلك(15)، فإنّ قاعدة لا ضرر تنفي كل حكم يتولّد منه الضرر(16)، وأنَّ حديث ((لا ضرر ولا ضرار))(17) الذي هو الأهم في مدرك القاعدة، ويعتبر من الأحاديث المشهورة بين علماء الأمة الإسلامية، وقد زخرت الموسوعات والمعاجم والمصنفات الحديثية بذكره وتخريجه، والإشارة إلى رواته وأسانيده، حتى ادعى بعضهم(18) تواتره بين المسلمين.

مفهوم القاعدة: هو نفي الحكم الضرري في الشريعة المقدسة، وذلك امتناناً على العباد، وبذلك فكل عبادة أو معاملة كانت مستلزمةً للضرر تنتفي امتناناً للمكلّف.

 وقد وقع الاختلاف بين الفقهاء في بيان المراد من قاعدة لا ضرر ولا ضرار، كما نلحظ أنَّ الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) فَهِمَ منها: أنَّ كل حكم يتسبب من ثبوته ضرر على المكلّف وفي أية مدة وحالة يلزم الضرر من ثبوته كان مرتفعاً(19)، وقد تبعه في هذا الرأي جماعة ممّن تأخّر عنه، وذهب آخرون من جملتهم الشيخ الأصفهاني (قدس سره) إلى أنّ المقصود منها النهي عن الإضرار بالآخرين وتحريم ذلك، وليست ناظرة إلى الأحكام الشرعية ونفيها حالة لزوم الضرر(20)، وهناك تفاصيل أخرى في المصادر التي وردت فيها قاعدة لا ضرر.

   وفي مقام معنى لفظ الضرر والضرار في القاعدة، فقد ذهب الآخوند الخراساني إلى أنّ (الضرار) الوارد في الرواية له معنى الضرر نفسه، وأنّ لفظ الضرار جاء بمعنى التأكيد على عدم الضرر(21)، بينما اعتبر السيد السيستاني (دام ظله) أنّ الضرار هو بمعنى الاستمرار في الضرر، فأشار بأنّه يمكن القول بأنّ الضرار يفترق عن الضرر، بلحاظ إنّه يعني تكرر صدور المعنى عن الفاعل أو استمراره(22)، وبحسب رأي الفقهاء الأعلام أنَّ العرف هو المعيار في تحديد الضرر(23)، ومن المعلوم أنَّ المراد بالضرر في مقام البحث بالضرر العملي، والمقصود منه هو الضرر العملي الدنيوي، وقد فُسِّرَ (الضرر) بأنه النقص في النفس، أو الطرف كالعضو، أو العرض، أو المال(24)، وهذا ما نستفيده في البحث بأّنّه لا ضرر حاصل، أو لا يوجد احتمال لحصول الضرر من استخدام أجهزة الذكاء الاصطناعي، كما في استخدام الأجهزة الطبية المتعارفة في التشخيص والعلاج والعمليات الجراحية، وكذا أشار الشيخ الأنصاري (قدس سره) إلى أنّ المراد بالضرر خصوص الدنيوي وقد رفع الشارع الحكم في موارده امتناناً، فتكون القاعدة حاكمة على جميع العمومات المثبتة للتكليف، نعم لو قام دليل خاص على وجوب خصوص تكليف ضرري خصص به عموم القاعدة(25).

وأمّا في تحقيق القاعدة: فقد أشار السيد السيستاني (دام ظله): إلى أنَّ للبحث في هذه القاعدة أهمية كبرى لأهميتها في الاستنباط(26).

مدرك القاعدة: الذي هو عبارة عن روايات وهي بمنزلة كبرى كلية يطبّقها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مواضع متعددة، ولا ريب في أنّ نفي الضرر والضرار في الجملة من الأمور التي يستقل بها العقل، ويشهد له في مقامات لا سيما آيات من الكتاب العزيز، وفي المدرك يمكن بيان الاستدلال على اعتبار القاعدة بالآيات الكريمة، والروايات الشريفة(17)، ويلحظ أنّ هذه الصورة أكثر تفصيلاً من الصورة الأولى؛ لاشتمالها على بعض الخصوصيات، التي لم تُذكر في تلك، ونحن لسنا بصدد التعليق على الروايات ومناقشة صيغ حديث (لا ضرر ولا ضرار) آنف الذِكر، والكلام فيه يطول من توجيه ونكات وبيان، والمناقشة التي ذكرها الفقهاء الأعلام في المقصود من هذه القاعدة، والاستدلال على رأي كل فقيه، بل نريد أن نصل إلى التكييف الفقهي لاستخدام أجهزة الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي من التشخيص والعمليات الجراحية ومن ثم العلاج، وملاحظة عدم احتمال أدنى ضرر حاصل بسبب استخدامها، ومن ثمّ نفي حرمة استخدامها، فيكون جواز استخدام هذه الأجهزة بما يناسب المريض، لا سيما فيما يكون فيها منفعة معتدة عند العقلاء، في الحدِّ من الأمراض المستقبلية، التي عجز عنها الطب في وقتٍ سابق، وبذلك فإنّ الضرر المقصود في القاعدة شاملٌ للنقص في المال أو العرض أو البدن.

 وعلى وفق ما مضى ذكره، يثبت كون المقصود نفي تحقّق الضرر في حقّ المكلّف من ناحية التشريع والأحكام، فكلّ حكم يكون ثبوته مستلزماً للضرر يكون منتفيًا، وهذا ما نقصده من الاستدلال بقاعدة لا ضرر في مشروعية استخدام أجهزة الذكاء الاصطناعي، في المجال الطبي من التشخيص والعمليات الجراحية والعلاج، وتشير الدراسات الحالية إلى الآن: أنه لا يوجد في وقتنا الحاضر أي ضرر محتمل في استخدام هذه الأجهزة في المجال الطبي، وفي حال تبين أنَّ هناك خطرًاً فإنّه يجب وضع الضوابط والقوانين من ناحية الضمان وغير ذلك، لحماية المرضى وعدم الوقوع في الأخطاء غير المتوقعة، كما يجب الالتفات إلى ضوابط الشريعة الإسلامية.

 

المطلب الثالث: مشروعية خطأ التشخيص بالذكاء الاصطناعي

  قد تثار المخاوف فيما لو أصيب شخص نتيجة للإهمال الطبي في أثناء التشخيص أو العلاج أو أثناء العمليات الجراحية، فلا بدّ من بيان الأحكام الفقهية المتعلّقة في الخطأ الطبي.

1. الاستناد إلى قاعدة الإقرار.

 تارةً يكون الخطأ الطبي نتيجة الروبوت، ونطلق عليه (خطأ الروبوت)، وفي هذه الحال لا بدّ من النظر في تعلّق الحكم بالخطأ الحاصل من الروبوت، فإنّ الروبوت ناتج من شركة مصنّعة له، وهناك مشفى قامت بشراء هذا الروبوت من الشركة المصنّعة له، وهناك طبيب مشرف على هذا الروبوت تم توظيفه من قِبَل المشفى، وفي المقابل خطأ حاصل.

إذًاً، تحصّل لدينا مريض وروبوت والشركة المصنّعة له ومشفى وطبيب مشرف على الروبوت وخطأ طبي، وبين هؤلاء بيان الحكم الفقهي المتعلّق بالخطأ الطبي من ناحية الدية أو الضمان للمريض، فأمّا المريض فلا بدّ من تعويضه بالدية أو الضمان، لما تمّ إتلافه من أعضائه، وأمّا الروبوت فلا يتحمّل شيئا كونه بحكم الآلات المستخدمة في العمليات الجراحية، أما الشركة المصنّعة لأجهزة الذكاء الاصطناعي وتحديداً الروبوت المستخدم في المجال الطبي، فإذا كان هناك عقد مبرم بين الشركة وذوي المريض أو المريض نفسه، أو بين الشركة والمشفى، بأنَّ الشركة تقرّ بتحمّل المسؤولية تجاه الخطأ الطبي الحاصل خلال المدّة المتفق عليها في بنود العقد، ففي هذه الحال تتحمّل الشركة الدية أو الضمان للمريض، استناداً إلى قاعدة الإقرار، التي تعني إقرار العقلاء على أنفسهم حجة، فإذا اعترف الإنسان بشيء يؤخذ بإقراره سواء أكان الإقرار بمال أم دين أم حق أم نسب أم جناية عمد أم خطأ أم غير ذلك، ممّا يلزمه بحق أو مجازاة، فهو مأخوذ بجميع ذلك بمقتضى إقراره(28)، وهذه القاعدة من القواعد المسلّم بها من علماء الإسلام، وأشار العلامة النراقي إلى إجماع العامة والخاصة على نفوذ إقرار كل عاقل على نفسه، بل هو ضروري في جميع الأديان والملل، ويدلّ عليه فضلاً عن ذلك، والى استقرار سيرة العقلاء في كل زمان ومكان على قبول إقرار كل أحد على نفسه الروايات العامة والخاصة الواردة فيها(29)، فمن الروايات المطلقة ما رواه جماعة من علمائنا في كتب الاستدلال عن النبي (صلى الله عليه وآله)أنّه قال: ((إقرار العقلاء على أنفسهم جائز))(30).

 أمّا إذا كان الخطأ الطبي حاصلا خارج المدّة المتفق عليها، أي بعد انتهاء البند المتفق عليه في العقد، فلا شيء على الشركة، وفي هذه الحال يبقى أمامنا المشفى والطبيب المشرف.

2. الاستناد إلى قاعدة العقود تابعة للقصود.

  يمكن الاستناد إلى قاعدة (العقود تابعة للقصود)، حيث أنّ العقد عبارة عن تعهد الشخص مع آخر في أمر من الأمور، سواء أكان ذلك الأمر من الأمور المالية، كما في باب المعاوضات، أم أمراً آخر، كما في باب النكاح، إذ إنّ الزوجة تتعهد بأن تكون زوجة، فإذا قَبِلَ الزوج تتم المعاهدة، ويحصل ذلك الأمر في عالم الاعتبار، وبالتالي سوف تترتب عليه آثاره، فنتيجة العقد هي حصول ما تعاهدا وتعاقدا عليه، فيترتب عليه آثاره(31)، وهذا ما نحتاجه في العقد الممضى بين الشركة المصنّعة لأجهزة الذكاء الاصطناعي والمشفى أو المريض وذويه، ويدخل هذا الأمر في باب المعاوضات عند تعهد الشركة بتعويض أي خلل حاصل للمشفى أو المريض.

 وقد استدلّ الفقهاء على اعتبار هذه القاعدة في مدركها بالتسالم وانتفاء الموضوع، في حال عدم وجود القصد، فلا يوجد العقد والأصل كذلك، فإنّ مقتضى الأصل عدم ترتب الأثر، لأنّ الأصل في المعاملات الصحة، إلّا إذا ثبت القصد وسائر الشرائط الأخرى في العقد.

  وحاصل الكلام أنّه في حال كان هناك عقدٌ بين الشركة والمشفى، أو المشفى والمريض أو ذويه، وكان هناك قصدٌ - تابعٌ للعقد - من قِبل الطرف الأول في هذا العقد، في قدرة هذه الأجهزة والروبوت مثلاً القيام بالوظيفة الطبية الموجهة إليه، وفي حال عدم تحقق القصد وهو عدم تمكّن هذه الأجهزة أو الروبوت من أداء الوظيفة الطبية في المشفى، أو عدم أداء وظيفتها المقصودة للمريض، فعندها يكون العقد باطلاً ويحق للطرف الثاني المطالبة بالعوض.  

 

الخاتمة:

إنَّ الملاحظ في العالم اليوم تطور وتقدم استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل متسارع، ليشمل جميع مجالات الحياة، لا سيما في المجال الطبي كما ذكرنا، حتى توسّع ليؤدي مهام الطبيب في تشخيص الأمراض وتحديد العلاج وغير ذلك، ومن ثَمّ يمكن أن يُستفاد من الأخبار المطلقة، وما يرتبط بها ويتفرّع عنها من القواعد الفقهية، وكذا الأدلة العقلية في الاستدلال بها على مشروعية استخدام أجهزة الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي.

 

 

 

 

 

---------------------------

1.ظ: أحمد البرعي، تطبيقات الذكاء الاصطناعي والروبوت من منظور الفقه الإسلامي: 119.

2.ظ: محمد غريب عميش، النانوبيولوجي (عصر جديد من علوم الحياة): 31.

3.ظ: أحمد ماء العينين، روبوتات النانو مستقبل العلاج، الموقع:

www.alaraby.co.uk/entertainment_media.

4.ظ: عمرو راجح، الروبوت الجراحي خيال علمي أصبح واقعاً طبياً متطوراً، موقع العربي،

https://aja.ws/bpvdvx

5.ظ: ابن ادريس، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي: 3/ 138.

6.المجلسي، بحار الأنوار: 59/ 65؛ النوري، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل: 16/ 426؛ ابن حيون، دعائم الإسلام: 2/ 143.

7.إسماعيل بن موسى بن جعفر، الجعفريات أو الأشعثيات: 167.

8.النوري، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل: 16/ 437، ح6.

9.الحسن بن الفضل الطبرسي، مكارم الأخلاق: 362؛ المجلسي، بحار الأنوار: 59/ 66.

10.المصدر نفسه.

11.ظ: محمد كاظم المصطفوي، القواعد: 123.

12.الكليني، الكافي: 5/ 313، ح39، الحر العاملي، وسائل الشيعة: 17/ 88، ح1.

13.       المصدر نفسه

14.ظ: النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: 36/ 237.

15.ظ: باقر الإيرواني، دروس تمهيدية في القواعد الفقهية: 1/ 89.

16.ظ: الخوئي، مصباح الأصول: 2/ 521.

17.الحر العاملي، وسائل الشيعة : 18/ 32، ح3.

18.ظ: محمد بن الحسن الحلي (ابن العلّامة)، إيضاح الفوائد: 2/ 48.

19.ظ: مرتضى الأنصاري، رسائل فقهية: 118.

20.ظ: محمد حسين الأصفهاني، حاشية كتاب المكاسب: 1/ 324.

21.ظ: الآخوند، كفاية الأصول: 2/ 194.

22.ظ: علي الحسيني السيستاني، قاعدة لا ضرر ولا ضرار: 131.

23.ظ: النراقي، مستند الشيعة في أحكام الشريعة: 15/ 17؛ الأنصاري، رسائل فقهية: 112؛ البجنوردي، القواعد الفقهية: 1/ 215.

24.ظ: محمد طاهر الشيخ راضي، بداية الوصول: 7/ 300.

25.ظ: الأنصاري، رسائل فقهية: 121.

26.ظ: علي السيستاني، قاعدة لا ضرر ولا ضرار: 11.

27.الحر العاملي، وسائل الشيعة: 18/ 32، ح3.

28.ظ: البجنوردي، القواعد الفقهية: 3/ 45، ناصر مكارم الشيرازي، القواعد الفقهية: 2/ 403.

29.ظ: النراقي، عوائد الأيام: 487؛ وظ: الكليني، الكافي: 3/ 528.

30.الحر العاملي، وسائل الشيعة: 23/ 184، باب 3، ح2.

31.ظ: البجنوردي، القواعد الفقهية: 3/ 135.