الشيخ محمد السمناوي
الحوزة العلمية في النجف الأشرف
المصدر: مجلة الولاية – العدد 201 – الصفحة (9)
تُعدّ قصة نبي الله يوسف (عليه السلام) من أكثر القصص القرآنية التي أثارت آراءً في الفقه وعلم الكلام، وتحديدًا في سياق الآية الكريمة المتعلقة بمسألة المراودة، ويهدف هذا المقال إلى إجراء دراسة تحليلية مقارنة، بشكل إجمالي للنص القرآني (يوسف/الآية: 24)، في ضوء التفسير الوارد عن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، خصوصًا في دفع شبهة المساس بـعصمة الأنبياء(عليهم السلام)، ومقارنة ذلك بالسرد الموازي والآليات الأخلاقية، التي تناولها العهد القديم (سفر التكوين/الإصحاح 39)، وإن التباين في تناول هذه الحادثة بين المرجعية الإسلامية (الإمامية) والمسيحية/اليهودية (التوراتية) يكشف عن اختلاف جوهري في مفهوم النبوة وكمالها.
أولًا: النص القرآني ومسألة العصمة
النص القرآني موضع البحث هو قوله تعالى:﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾. [يوسف: 24].
تُشير الآية إلى فعل مزدوج (همّت به وهمّ بها)، وقد اقترن بشرط مانع (لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ)، ذهبت المدرسة الإمامية، استنادًا إلى أصولها في وجوب عصمة الأنبياء (عليهم السلام)من الذنوب والسهو قبل النبوة وبعدها، إلى تفسير مغاير لـ"الهمّ" المنسوب ليوسف (عليه السلام)، بما يرفع أية شبهة ارتكاب للمحظور (الفحشاء) أو التفكير فيه:
1-دفع شبهة "الهمّ بالمعصية" (التحليل الكلامي)
توضح الروايات الواردة عن الأئمة (عليهم السلام)السياق الحقيقي لـ"همّ يوسف" ودلالة "البرهان":
أ-عن الإمام الرّضا (عليه السلام) أنه قال: في إجابته عن سؤال علي بن محمد بن الجهم حول العصمة: ((وَيْحكَ يَا عَلِيُّ اتَّقِ الله وَلَا تَنْسُبْ إِلَی أَنْبِيَاءِ اللَّـهِ الْفَوَاحِشَ وَلَا تَتَأَوَّلْ كِتَابَ اللَّـهِ بِرَأْيِكَ... وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّوَجَلَّ فِی یُوسُفَ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها فَإِنَّهَا هَمَّتْ بِالْمَعْصِيَةِ وَهَمَّ يُوسُفُ بِقَتْلِهَا إِنْ أَجْبَرَتْهُ لِعِظَمِ مَا دَاخَلَهُ))(1).
يُفسّر الإمام(عليه السلام) هنا همّ يوسف بـالهمّ بالقتل (دفاعًا عن النفس والدين وحرمة بيوت السادة)، وليس بالمعصية، وهو فعل مشروع أو واجب عند إكراهه على الفاحشة.
ب-عن الرّضا (عليه السلام): في رواية أخرى ذات سياق مشابه، قال (عليه السلام): ((لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَلَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِهَا كَمَا هَمَّتْ لَكِنَّهُ كَانَ مَعْصُومًا وَالْمَعْصُومُ لَا يَهُمُّ بِذَنْبٍ وَلَا يَأْتِيهِ وَلَقَدْ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ الصَّادِقِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ هَمَّتْ بِأَنْ تَفْعَلَ وَهَمَّ بِأَنْ لَا يَفْعَلَ، فَقَالَ الْمَأْمُونُ: لِلَّـهِ دَرُّكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ))(2).
هذا النص يثبت العصمة نفيًا وفعلًا، إذ يُفسّر همّه بـالامتناع عن الفعل (همّ بأن لا يفعل)، وهي دلالة لغوية مقبولة لكلمة "همّ" بمعنى العزم على دفع الشيء.
ت-عن أمير المؤمنين (عليه السلام): في سياق الرد على شبهة الزنادقة بالهفوات: ((وَأَمَّا هَفَوَاتُ الْأَنْبِيَاءِ (عليهم السلام) وَمَا بَيَّنَهُ اللَّـهُ فِي كِتَابِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَدَلِّ الدَّلَائِلِ عَلَى حِكْمَةِ اللَّـهِ عَزَّوَجَلَّ الْبَاهِرَةِ وَقُدْرَتِهِ الْقَاهِرَةِ... لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ بَرَاهِينَ الْأَنْبِيَاءِ (عليهم السلام) تَكْبُرُ فِي صُدُورِ أُمَمِهِمْ، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَتَّخِذُ بَعْضَهُمْ إِلَهًا كَالَّذِي كَانَ مِنَ النَّصَارَى فِي ابْنِ مَرْيَمَ (سلام الله عليها) فَذِكْرُهَا دَلَالَةٌ عَلَى تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الْكَمَالِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ عَزَّوَجَلَّ))(3).
هذا النص يؤسس قاعدة كلامية عامة مفادها أن ذكر ما يوهم النقص (هفوات) هو لحكمة إلهية تمنع تأليه الأنبياء، من دون أن يعني ذلك ارتكاب الفواحش.
2-ماهية "برهان الرب" (التحليل الروائي)
تتفق الروايات الإمامية على أن "برهان ربه" كان إما دليلًا حسيًا قاده إلى الدليل العقلي الإيماني، أو أنه النبوة نفسها:
أ-عن الإمام السّجّاد (عليه السلام): يربط البرهان بمقارنة بين الخوف من الصنم والخوف من الله تعالى: ((قَامَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ إِلَى الصَّنَمِ فَأَلْقَتْ عَلَيْهِ ثَوْبًا، فَقَالَ لَهَا يُوسُفُ(عليه السلام): مَا هَذَا؟ فَقَالَتْ: أَسْتَحِي مِنَ الصَّنَمِ أَنْ يَرَانَا، فَقَالَ لَهَا يُوسُفُ (عليهم السلام): أتستحين ممنْ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يَفْقَهُ وَلَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ؟، وَلَا أَسْتَحِي أَنَا مِمَّنْ خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَعَلَّمَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّوَجَلَّ لَوْ لا أَنْ رأى بُرْهانَ رَبِّهِ))(4).
ب-عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام): يؤكد القصة ذاتها: ((قَالَ لَمَّا هَمَّت بِهِ وَهَمَّ بِهَا قَامَتْ إِلَى صَنَمٍ مَعَهَا فِي الْبَيْتِ فَأَلْقَتْ عَلَيْهِ ثَوْبًا فَقَالَ لَهَا يُوسُفُ (عليه السلام): مَا صَنَعْتِ؟ قَالَتْ طَرَحْتُ عَلَيْهِ ثَوْبًا أَسْتَحِي أَنْ يَرَانَا، قَالَ فَقَالَ يُوسُفُ (عليه السلام): فَأَنْتِ تَسْتَحِينَ مِنْ صَنَمِكِ وَهُوَ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا أَسْتَحِي أَنَا مِنْ رَبِّي ؟))(5).
ت-عن أبي عبد الله الصّادق (عليه السلام): يُثبت الحدث ذاته: ((لَمَّا هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا قَالَتْ: كَمَا أَنْتَ قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَتْ: حَتَّى أُغَطِّيَ وَجْهَ الصَّنَمِ لَا يَرَانَا، فَذَكَرَ الله عِنْدَ ذَلِكَ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الله يَرَاهُ فَفَرَّ مِنْهَا))(6).
ث- وعن الصّادق (عليه السلام) أيضًا: يحدد البرهان بـالجوهر النبوي: ((إِنَّهُ النُّبُوَّةُ الْمَانِعَةُ مِنِ ارْتِكَابِ الْفَوَاحِشِ وَالْحِكْمَةُ الصّارفةُ عَنِ الْقَبَايحِ))(7).
3-مقصد "السوء والفحشاء" (التعريف)
أ-عن الصّادق (عليه السلام): يفسر الفحشاء: "قَالَ عَزَّوَجَلَّ: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ، يَعْنِي أَنْ يَدْخُلَ فِي الزِّنَا"(8).
ب-عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): يحدد السوء: ((فَالسُّوءُ هُنَا الزِّنَا))(9).
ت-عن أبي الحسن الرّضا (عليه السلام): يجمع بين التفسيرين: ((فَصَرَفَ اللَّـهُ عَنْهُ قَتْلَهَا وَالْفَاحِشَةَ، وَهُوَ قَوْلُهُ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ يَعْنِي الْقَتْلَ، وَالْفَحْشاءَ يَعْنِي الزِّنَا))(10) .
يتبين أن السوء قد يعني القتل (همّ يوسف) والفحشاء تعني الزنا (همّت زليخا)، وكلاهما صُرف عن يوسف بتدبير إلهي.
ثانيًا: السرد التوراتي ومقارنته بالتفسير الإمامي
يتناول العهد القديم حادثة المراودة في سفر التكوين/الإصحاح 39، مقدمًا سردًا يختلف في تفاصيله النهائية عن التأويل الإمامي:
جاء في التوراة في سفر التكوين الإصحاح 39: "وكان يوسف حَسَنَ الصورة وحَسَنَ المنظر. وحدث بعد هذه الأمور أن امرأة سيده رفعت عينيها إلى يوسف وقالت: "اضطجع معي"، فأبى وقال لامرأة سيده: "هو ذا سيدي لا يعرف معي ما في البيت، وكُلُّ ما له قد دفعه إلى يدي، ليس هو في هذا البيت أعظم مني، ولم يُمسك عني شيئًا غيرك لأنك امرأته، فكيف أصنع هذا الشر العظيم وأُخطئ إلى الله؟ وكان إذا كلَّمت يوسف يومًا فيومًا أنه لم يسمع لها أن يضطجع بجانبها ليكون معها... فأمْسَكَتْهُ بثوبه قائلةً: "اضطجع معي"، فترك ثوبه في يدها وهرب وخرج إلى خارج..."(11).
1- نقاط التلاقي (الاعتصام الأخلاقي)
أ-يتفق السردان على أن العامل الأساسي الذي منع يوسف من الاستجابة هو الوازع الإلهي والأخلاقي، ففي السرد التوراتي، يقول يوسف: "فكيف أصنع هذا الشر العظيم وأُخطئ إلى الله؟". وهذا يتوافق روحيًا مع "برهان ربه" في النص القرآني، الذي هو تذكير بحق الله وعظمته (روايات الصنم).
ب-يتفق السردان على الآلية المادية للنجاة، وهي الهرب وترك الثوب (الذي استخدمته زليخا لاحقًا كدليل إدانة مزور).
2- نقاط الافتراق (مفهوم النبوة)
أ-يتصف السرد التوراتي بأنه صريح في نفي أي همّ داخلي بالمعصية عن يوسف، فهو يصف إباءه واعتصامه بشكل مستمر: "فأبى" و" لم يسمع لها". هذا الإباء الواضح يتفق مع النتيجة النهائية التي توصّل إليها التفسير الإمامي (نفي الهمّ بالذنب)، على الرغم من اختلاف التفسير اللغوي لعبارة (وَهَمَّ بِها).
ب- تبرز هنا أهمية التفسير الإمامي للنص القرآني؛ فبينما كان السرد التوراتي واضحًا في نفي الهمّ، جاءت عبارة (وَهَمَّ بِها) في القرآن بها حاجة للتفسير، ما استدعى تدخل الأئمة (عليهم السلام) لتوضيح الدلالة اللغوية للـ"همّ" ليوسف، دفعًا للتصور الخاطئ الذي يمسّ كمال النبوة.
الخاتمة:
تُظهر هذه الدراسة التحليلية المقارنة الموجزة أن التفسير الإمامي لم يكن مجرد تأويل، بل كان حماية لأصل كلامي (العصمة)، لا يمكن التنازل عنه في مفهوم النبوة، وأن الروايات الأربع التي أوردت قصة الصنم وضعت "برهان الرب" في سياق يقيني: فإذا استحيت زليخا من صنم لا يسمع ولا يرى، فكيف لا يستحي يوسف من الرب الخالق؟ هذا التذكير البسيط هو الآلية الردعية التي صرفت عنه السوء والفحشاء، وأن الانتصار على المراودة، كما أكد الإمام الصادق (عليه السلام) في وصفه للنبوة: ((إِنَّهُ النُّبُوَّةُ الْمَانِعَةُ مِنِ ارْتِكَابِ الْفَوَاحِشِ، وَالْحِكْمَةُ الصَّارِفَةُ عَنِ الْقَبَایِحِ))، ويؤكد أن النجاة كانت بسبب العصمة الباطنية التي مُنحها يوسف (عليه السلام) بصفته نبيًا، التي تجعل الهمّ بالذنب مستحيلًا في حقّه.
-----------------
1.تفسير أهل البيت (عليهم السلام): 7/44، بحار الأنوار11/72، الأمالي للصدوق:90، عيون أخبار الرضا: 1/191، قصص الأنبياء للجزائري 11، البرهان، فيه: "فقال مولانا الرضا ( ويحك... برأيك..." محذوف/ نور الثقلين.
2.تفسير أهل البيت (عليهم السلام): 7/44، بحار الأنوار: 11/82، الاحتجاج:2/429، عيون أخبار الرضا: 1/200.
3.تفسير أهل البيت (عليهم السلام): 7/46.
4.تفسير أهل البيت (عليهم السلام): 7/46، بحار الأنوار: 67/2.
5.تفسير أهل البيت (عليهم السلام): 7/46، بحار الأنوار: 12/300، البرهان، فيه: "اعطى" بدل اغطّى".
6.تفسير أهل البيت (عليهم السلام): 7/46، بحار الأنوار:12/266، عيون أخبار الرضا: 2/45.
7.تفسير أهل البيت (عليهم السلام): 7/46، بحار الأنوار:12/301، العياشي: 2/174.
8.تفسير أهل البيت (عليهم السلام): 7/48.
9_ تفسير أهل البيت(عليهم السلام): 7/48، بحار الأنوار: 59/111، وسائل الشیعة: 17/112.
10-تفسير أهل البيت (عليهم السلام): 7/48، بحار الأنوار:11/72، عيون أخبار الرضا: 1/191.
11-العهد القديم سفر التكوين، الإصحاح: 39.