100%
ذاكرة الأمم

مسجد طور سينين في النجف الأشرف

د. عبد الهادي عباس الإبراهيمي

العتبة العلوية المقدسة

المصدر: مجلة الولاية – العدد 207 – الصفحة (104)

 

حين أعلنت الأمانة العامة للعتبة العلوية المقدّسة عزمها على إنشاء مسجد «طور سينين»(1) ضمن المنشآت الخدمية الجديدة (مَجمَع الغدير الكبير) في منطقة جبل الطور (جبل المشراق) المطلة على وادي السلام، لم يكن اختيار هذا الاسم منفصلًا عن الذاكرة الدينية والتاريخية للمكان، إذ يحمل «طور سينين» دلالاتٍ قرآنيةً عميقةً، ترتبط بمسيرة الأنبياء والوحي الإلهي، وتلتقي في الوقت نفسه مع ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) في بيان منزلة أرض الغري والنجف الأشرف.

الجبل المبارك:

     أقسم الله تعالى في سورة التين بقوله: (وَالتِّينِ وَالزَّيتُونِ* وَطُورِ سِينِينَ* وَهَٰذَا البَلَدِ الأَمِينِ)(2)، والمراد به الجبل المبارك الذي نادى الله تعالى عنده نبيَّه موسى (عليه السلام)، فقال سبحانه: (وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا)(3). وقد اكتسب هذا الجبل مكانةً خاصةً؛ لأنّه شهد واحدةً من أعظم المناسبات السماوية في تاريخ البشرية.

     ومن اللافت أنَّ الرواياتِ الواردةَ عن أهلِ البيت (عليهم السلام) قد ربطت أرضَ الغَرِيِّ بهذا المقامِ المباركِ ربطًا مباشرًا، وعدَّتْها «طورَ سيناء» أو «طورَ سينين».

     روى الشيخ أبو جعفر الطوسي "أعلى الله مقامه" عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: ((كَانَ فِي وَصِيَّةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَنْ أَخْرِجُونِي إِلَى الظَّهْرِ(4)، فَإِذَا تَصَوَّبَتْ أَقْدَامُكُمْ وَاسْتَقْبَلَتْكُمْ رِيحٌ فَادْفِنُونِي، فَهُوَ أَوَّلُ طُورِ سَيْنَاءَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ))(5).

     وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام)قوله: ((الغري؛ وهو قطعةٌ من الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى تكليمًا، وقُدِّس عليه عيسى تقديسًا، واتُّخذ عليه إبراهيم خليلًا، واتُّخذ عليه محمدًا حبيبًا، وجعله للنبيين مسكنًا))(6).

     ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ ربوةَ النجف الأشرف كانت تُعرف قديمًا باسم «الجودي»، وأنّ هذه التسمية ارتبطت بقصة النبي نوح(عليه السلام)، إذ ذُكر أنّ الجبل سُمِّي بالجودي لأنّه جاد بنفسه ليستقرَّ عليه فُلْكُ نوحٍ بعد الطوفان. قال تعالى:(وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ)(7). وفي بيان موقعه قال العلّامة المجلسي:"يَظهر من بعض الأخبار أنّه كان بقرب الكوفة، وربما أشعر بعضُها بأنّه الغَري"8).

     ويزداد هذا المعنى أهميةً إذا استحضرنا أنّ النجف الأشرف ترتبط في الروايات الشيعية ارتباطًا وثيقًا بالنبي نوح (عليه السلام). فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّ نوحًا دفن عظام آدم (عليه السلام) في الغري، وأنّ هذه البقعة كانت موضعًا مباركًا اختاره الأنبياء والأوصياء. كذلك ورد في بعض الروايات أنّ قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) يقع في الموضع نفسه الذي ضم جسدَي آدم ونوح ’.

     عن صفوان بن مهران الجمّال قال: ((سار [الإمام الصادق (عليه السلام)] وأنا معه من القادسية حتّى أشرَف على النَّجف الأشرف، فقال: هُوَ الجَبَلُ الَّذِي اعْتَصَمَ بِهِ ابْنُ جَدِّي نُوحٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: (سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ)(9)، فَأَوْحَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَيْهِ بِالنَّجَفَ: أَيَعْتَصِمُ بِكَ مِنِّي، فَغَابَ فِي الأَرْضِ وَتَقَطَّعَ إِلَى قَطْرِ الشَّامِ))(10).

 

مسجد طور:

     وتكشف هذه الروايات عن معنىً روحيٍّ عميقٍ، إذ تجعل الغري امتدادًا لمواضع الوحي الإلهي ومواطن الأنبياء، وتضع النجف الأشرف في سياق التاريخ المقدّس الممتد من آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام) إلى خاتم الأنبياء محمد (صلى الله عليه وآله).

     ومن هنا يكتسب مشروع مسجد طور سينين دلالةً خاصةً؛ لأنّه يقام في بقعةٍ ارتبطت في الروايات بأرض الطور المباركة، فيصبح الاسم والمكان متكاملين في التعبير عن هذا المعنى.

     ويطلّ المسجد المزمع إنشاؤه على مقبرة وادي السلام، ذلك الوادي الذي يحتل منزلةً فريدةً في تراث أهل البيت (عليهم السلام). فقد ورد عن أمير المؤمنين(عليه السلام): ((مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَمُوتُ فِي بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ الأَرْضِ إِلَّا قِيلَ لِرُوحِهِ: الْحَقِي بِوَادِي السَّلَامِ، وَإِنَّهَا لَبُقْعَةٌ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ))(11)؛ ولذلك ظلّ وادي السلام عبر القرون مقصدًا للمؤمنين ومهوىً لأفئدتهم، ورجاءً لنيل جوار أمير المؤمنين(عليه السلام) وشفاعته.

    إنّ اجتماع هذه العناصر كلها في مشروعٍ واحدٍ يمنحه خصوصيةً استثنائية؛ فالاسم يستحضر جبل الطور الذي شهد الوحي الإلهي، والموقع يرتبط في الروايات بأرض الأنبياء والأوصياء، والإطلالة تتجه نحو وادي السلام الذي ارتبط بأرواح المؤمنين، أمّا النجف الأشرف نفسها فهي مدينة الإمام علي (عليه السلام) وعاصمة العلم والولاية.

     لهذا يمكن النظر إلى مسجد طور سينين بوصفه مشروعًا دينياً وروحيًّا يربط بين ذاكرة النبوات وواقع النجف الأشرف المعاصر، ويستحضر في عمران المدينة صفحاتٍ مشرقةً من تاريخ الرسالات الإلهية. وسيكون المسجد شاهدًا على هذا الامتداد التاريخي، إذ تلتقي رمزية الطوفان برمزية الوحي، وتلتقي سيرة الأنبياء بمسيرة الإمام علي (عليه السلام)، في مشهدٍ يُبرز المكانة الدينية والحضارية التي تميز النجف الأشرف عبر العصور.

-----------------------

(1) الطُّور: الجبل. (ابن منظور، لسان العرب: 3/474).

(2) سورة التين، الآيات: 1-3.

(3) سورة مريم، الآية: 52.

(4) الظَّهْرُ: اسمٌ من أسماء النجف، وسُمِّي بذلك لوقوعه في ظهر الكوفة وارتفاعه عنها. قال ابن منظور: ((والظَّهْرُ من الأَرض: ما غلظ وارتفع، والبطن ما لانَ منها وسَهُلَ ورَقَّ واطْمأَنَّ)). (لسان العرب: 3/486).

(5) المجلسي، بحار الأنوار: 57/205.

(6) ابن قولويه القمي، كامل الزيارات: 39.

(7) سورة هود، الآية: 44.

(8) المجلسي، بحار الأنوار: 11/339.

(9) سورة هود، الآية: 43.

(10) ابن بابويه القمي، كامل الزيارات: 35.

(11) الكليني، الكافي: 5/600.