100%
الكلمات الافتتاحية

الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) السيد الحصور والأسد الهصور

السيـد عيســى الخرســـان

الأميـــن العام

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 199 – الصفحة (5)

 

عندما يُراد الحديث عن أعجوبة من أعاجيب الزمان، ومنها مولانا عظيم الشأن الإمام زين العابدين (عليه السلام) فإن المرء ليشعر بالضآلة والصِّغَر، إزاء هذا العملاق الذي لا تؤطره الألفاظ، ولا تُحيط به المقاصد.

وفي مثل هذا المقام، فأنَّ عين المحبَّة الناظرة أبصر من رؤية العقل القاصرة، وهي ما تعين الطالبين على مطالبهم، على أنَّ هذا بقدرنا لا بقدرهم، برجاء أن يوفقنا الله تعالى للصواب والاستقامة.

وبالعودة إلى العنوان الأول، فإنَّ إمامنا السجاد (عليه السلام) ضرب مثلاً عظيماً في نزاهة النفس ورسوخ الإرادة في أحلك المواقف، ففي أحوال مهولة، كالتي عاصرها صاحب الذكر أرواحنا فداه، وهي أحوال عاشوراء على وجه التخصيص، وما بعدها، والأهوال الجسام التي يطيش بها العقل ويذهل بها القلب، ثبت حفيد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، ليسطر ملحمة أخلاقية كبرى في ميدان العفّة والشجاعة وطيب العنصر.

فلم يُعرف عنه نزوعٌ انتقاميٌّ بإزاء أحدٍ من خصومه، ولا ميلٌ لأخذ البريء بالسقيم والمُقبل بالمُدبر كما يُعبّرون، بل كانت نفسه الشريفة تنبسط كلما زاد انقباض الزمان في وجهه، وجسّد مثالاً منقطع النظير في جهاد النفس وسعة الصدر والتوثّب في ذات الله عزَّوجلّ، حتى حكى سيرة جدّهِ رسول الله (صلى الله عليه وآله) حدّ الانطباق، ومعلومٌ أن من يمرُّ بمثل هذه الظروف النفسية الصعبة فإنها تؤثر في سلوكه ومدركاته بشكل أو بآخر، لكن كيف وظّف هذا الأمر إمامنا زين العابدين (عليه السلام) لتحقيق الخير العميم؟

لقد اندكّت هذه المظلومية الكبرى في ذاته الخيّرة، فاستجابت لها استجابة تحويلية عكسية، أخرجت للعالم أول وثيقة حقوقية للعالم، نظّمت أمور الفرد والأسرة والمجتمع، وفقاً لمعايير أممية عليا، وهذه من خصوصياته، بوصفه أول أسير حرب يضع نظرية اجتماعية متكاملة للحقوق والواجبات.

ثم نظر نظرة داخلية إلى نفس الإنسان وتمظهراتها، فكرّس تجربته الغنية بكل معاني الألم والتضحية، ليتنفس علينا بصحيفته السجّادية التي تمثّل دستوراً أخلاقياً في التهذيب القلبي والروحي والوجداني لا نظير له، ويستلهم من جده أمير المؤمنين (عليه السلام) مقامات العبودية لله تعالى، التي لا يرقى إليها إلا مثله، وهو القائل:

"اللهمَّ اجعلني أصول بك عند الضرورة، وأسألك عند الحاجة، وأتضرع إليك عند المسكنة، ولا تفتنّي بالاستعانة بغيرك إذا اضطررتُ، ولا بالخضوع لسؤال غيرك إذا افتقرتُ، ولا بالتضرّع إلى من دونك إذا رهبتُ، فأستحقُّ بذلك خذلانك ومنعك وإعراضك يا أرحم الراحمين".

ويا لها من دعوة، ونحن في شهر شعبان المعظم، شهر المناجيات الخمس عشرة لسيدنا ومولانا زين العابدين (عليه السلام)، في أن نزكي أعمالنا ونروّض أنفسنا على وفق طريقته المثلى، روحي وأرواح العالمين له الفداء.

ورحم الله الشاعر إذ قال فيه (عليه السلام):

خـلـيـلاهُ الـتـهـجـدُ والـسـجـودُ               وآيـاتُ الـكـتـابِ لـه شـهـودُ

بأنَّ عـلـيـاً الســــــــجـادَ سـرٌ                تضـيقُ بـكـنـهِ جـوهـرهِ اللحـودُ

بـراحـةِ كـفـهِ للـخـيـرِ وعـدٌ                 وفي أطـرافِ صـــارمـهِ وعـيـدُ

وتُـشرقُ فـي عـبـادتـهِ الـلـيـالي             ويُـرجـى مـن سـمـاحـتـهِ المـزيدُ

بثـقـلِ الـقـيـدِ في يـدهِ سـلامـاً                لـروحٍ لا يـقـيّـدهـا الـحـديـدُ