100%
قاف

موقف علي بن أبي طالب(عليه السلام) في معركة الخندق شهادة قرآنية بتفوّق القوة الإيمانية

هيئة التحرير

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 201 – الصفحة (14)

 

 

مثلّت معركة الخندق (الأحزاب) آخر سهم في كنانة أعداء الإسلام عامّة، الذين تعرّضت مصالحهم ومنافعهم الشخصية وغير المشروعة للخطر؛ نتيجة توسّع الدين الإسلامي وانتشاره، فتحالفوا واجتمعوا بأحزابهم من يهود ومشركين وتحالفات قبَلية، جاءت بأعداد كبيرة من المقاتلين والفرسان، ودعوا أبطال العرب وأشجعهم لقيادة مجابهة شاملة للقضاء على ذلك الدين نهائيًا، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 20]

وتتمثل فضيلة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في معركة الخندق بما وثّقه الوحي الإلهي في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، فتتجلى هذه الفضيلة ببُعدين إيمانيَين هما:

الأول: التفرّد بإنقاذ الدين

تصدي الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لدرء ما ألمَّ بالإسلام والمسلمين من محنةٍ شديدةٍ وتراخٍ حقيقيٍ، كان بالإمكان أن يؤدي إلى الانكسار والهزيمة المطلقة، فلا تقوم بعد ذلك للمسلمين قائمة؛ لأن الموقف موقفٌ وجوديُّ بين الإسلام والكفر، وانتصار أحدهما على الآخر أو هزيمته يعني الوجود أو عدمه، حين طلب النبي (صلى الله عليه وآله) التصدي لفارس الكفر ورأسه عمرو بن عبد ودّ العامري، بعد عبوره الخندق الاستثنائي، ما أدخل الرعب في نفوس كثير من المسلمين، وهدد كيان دولتهم الناشئة،  فبدا جليًا الخلل الإيماني في كثير من المسلمين، عندما نكص المسلمون عن مبارزته بأجمعهم سوى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الذي أنقذ الموقف، فانقلبت الموازين وأصبح زمام المبادرة بيد المسلمين فيما بعد، وتحققت الانتصارات العظيمة في المستقبل.

الثاني: المصداق لإظهار الدين

   يتمثل في تحقيق الوعد الإلهي في قرآنه المجيد بإظهار الإسلام، على الرغم من حقد الكافرين، فكان حسم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو إثبات أن قوة الإيمان الحق قادرة على التصدي لأحرج الظروف وأشدها قساوة، فلا يُخشى النزال لطالما هو أمر الله عز وجل ورسوله،ما دعا النبي(صلى الله عليه وآله)إلى أن يقول في ذلك الموقف: ((برز الإيمان كله إلى الشرك كله))(1)، وكأن المتقاتلَين ليسا شخصين أحدهما مؤمن والآخر كافر، بل هو موقف لتحديد مصير وجود العقيدة الإسلامية أو نهايتها، فكانت النتيجة كما أخبر بها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ  وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22]، فببركة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) تحقق الوعد الإلهي، قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: 9].

فشكّل موقف المجابهة والتصدي لعمرو بن عبد ودّ النقطة الفاصلة في المعركة، عندما أحجم الصحابة وبرز الإمام علي (عليه السلام)، كما وُصفت ضربة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يوم الخندق بأنها أفضل من عبادة الثقلين (الجن والإنس)؛ لعظم أثرها في بقاء الإسلام، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) في حقه: ((لَضربةُ عليٍّ يوم الخندق خيرٌ من عبادة الثقلين))(2).

وأنزل الله تعالى بحق علي بن أبي طالب (عليه السلام) في ذلك الموقف الحاسم قوله عز وجل: ﴿وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلمُؤۡمِنِينَ ٱلقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا﴾ [الأحزاب: 25]،  فكان انتهاء المعركة بقتله لعمرو بن عبد ود العامري، الذي كان يمثل القوة المعنوية والقتالية للمشركين، ما تسبب في انهيار معنويات الأحزاب وتراجعهم، وأدى إلى هزيمة المشركين وتفرّق الأحزاب جميعًا إلى غير رجعة، وتُشير كتب التاريخ وتفاسير المسلمين عامة – فضلًا عن الخاصّة- إلى أن (كفاية الله للمؤمنين القتال) قد تحققت بانتصار الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).

وينقل ابن أبي الحديد (ت: 656هـ) عن ابن عباس ما قاله حذيفة بن اليمان في فضل ضربة الإمام علي (عليه السلام) فيقول: "لو قسّمت فضيلة علي بقتل عمرو يوم الخندق بين المسلمين بأجمعهم لوسعتهم، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى الله الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ قال: بعلي بن أبي طالب"(3).

وأخرج ابن عساكر (ت: ٥٧١هـ) "عن مرة عن عبد الله أنه كان يقرأ ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾  بعلي بن أبي طالب"(4)، وتابعه السيوطي (ت: 911هـ) فذكر أنه "أخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَابْن عَسَاكِر عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ أَنه كَانَ يقْرَأ هَذَا الْحَرْف ﴿وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال﴾ بعلي بن أبي طَالب"(5).

----------------------

1.ابن الأثير، الكامل في التاريخ: 2/ 184، والمجلسي، بحار الأنوار: 20 /228.

2.الحاكم النيسابوري، مستدرك الصحيحين: 3/ 32، المتقي الهندي، كنز العمال: 6/ 158.

3.ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 13/284.

4.ابن عساكر، تاريخ دمشق: 42/ 360.

5.الدر المنثور في التفسير بالمأثور: 6/ 590.