عندما أراد الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) أن يشرع بالوصية لابنه الإمام الحسن(عليه السلام)، كان من الطبيعي أن يبدأ بتعريف هذه الدنيا التي تمثل الساحة التي يعيش فيها الإنسان، ما هي ظروف هذه الساحة ومخاطرها وعلاقة الإنسان بها؟ فإن الإنسان إذا عرف هذه الساحة وطبيعتها ومقدار علاقته بها، فإن ذلك كله سيحدد له السلوك والمسار في هذه الدنيا، وهذا في الحقيقة تأسيس لكل ما يأتي بعد ذلك في الوصية.
وفي شرح الإمام(عليه السلام) لهذه الدنيا وطبيعتها وعلاقة الإنسان بها أشار إلى جوانب متعددة نشرحها فيما يلي:
إن الإنسان في هذه الحياة الدنيا يواجه العديد من التحديات التي تواجهه، وهي تحديات متعددة ومتنوعة، ومعرفتها بداية الطريق لتجهيز النفس لمواجهتها، فمن هذه الأمور التي أشار إليها أمير
المؤمنين(عليه السلام):
- ((رَهِينَةِ الأَيَّامِ)).
الرهينة هو الأسير، فالإنسان أسير لهذه الأيام، تتحكم به وبمصيره، فكما أن الأسير لا يعلم ما يكون مصيره، بل أمره بيد آسره، فكذلك حال الإنسان في هذه الدنيا، هو أسير لما يمرّ عليه من الأيام.
- ((غَرَضِ الأَسْقَامِ)).
الإنسان كالهدف لآفات الدنيا وأعراضها، ومن النادر أن يسلم من الإصابة بمرض ما، بل ونحن نعيش اليوم رغم التطور الطبي حالات مرضية جديدة، وأمراضاً لم نكن نسمع بها من قبل.
ولكن لماذا يمرض الإنسان؟ لا شك في وجود عوامل وأسباب طبيعية وتكوينية للمرض، ولكنها ليست السبب الوحيد في مرض الإنسان وموته، ولذا ورد في الرواية عن الإمام الصادق(عليه السلام) جواباً منه للزنديق الذي سأله عن المرض قال له الإمام(عليه السلام): ((تزعم أن من أحسن السياسة لبدنه، وأجمل النظر في أحوال نفسه، وعرف الضار مما يأكل من النافع، لم يمرض... قد مات أرسطا طاليس معلم الأطباء، وأفلاطون رئيس الحكماء وجالينوس شاخ ودق بصره، وما دفع الموت حين نزل بساحته))[1].
وفي نفس هذه الرواية يذكر الإمام(عليه السلام) أن المرض على وجوه شتى: ((مرض بلوى، ومرض العقوبة، ومرض جعل عليه الفناء))[2].
- ((ونُصُبِ الآفَاتِ)).
الآفة هي العاهة والتي يصاب بها الإنسان فتعطل له بعض حواسه ولا يتمكن من العيش كسائر الناس، وكل إنسان هو في معرض الإصابة فيها، فلذا كان الإنسان نصبها أي لا يفارقها.
والآفات هي من الأمور التي يبتلي بها الله عز وجل عباده ليختبرهم فيعرف درجات إيمانهم، ومقدار صبرهم.
- ((ورَمِيَّةِ الْمَصَائِبِ)).
أما الرمية فهي عبارة عما يرمى، فالمصائب تجعل من هذه الإنسان أداة ترمي بها، والمصائب التي تحل على هذا الإنسان عديدة وكثيرة، تعظم أحيانا وتصغر أخرى، ولكنها جميعاً تقذف هذا الإنسان إلى حيث لا يحب ولا يريد.
لماذا المصائب والآفات والأمراض؟
إن في هذه المصائب التي يرمى بها الإنسان حكمة ربانية، وقد نَصَّ عليها الله عز وجل في كتابه الكريم بقوله: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ)[3].
ولكن ما هو الموقف الذي على المؤمن أن يسير عليه عندما ترمي به المصائب والابتلاءات؟ إنه الصبر والرضا بقضاء الله عز وجل، وتكرار الآية الكريمة: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)[4] والوعد الذي يصل إليه الإنسان نتيجة ثباته على البلاء على ما ورد في كتاب الله:(أُوْلئك عليْهمْ صلواتٌ منْ ربّهمْ ورحْمةٌ وأُوْلئك هُمْ الْمُهْتدُون)[5].
تحدثنا عن كون الإنسان في الدنيا هدفاً للمصائب والابتلاءات، وهذه نظرة لزاوية من زوايا الدنيا، ولكن في الدنيا أيضاً الكثير من الأمور التي يحبها الإنسان ويطلبها، بل ربما يصرف عمره كله في طلبها، فتستحوذ على قلبه ونفسه، فهل لهذه الأمور الدنيوية قيمة حقيقة؟
- ((وتَاجِرِ الْغُرُور)).
إن الإنسان المتعلق بهذه الدنيا هو كالتاجر الذي يظن الربح فيما يقوم به في هذه الدنيا، فهو يحسب أن ما يقوم به مما فيه مكاسب دنيوية هو أمر خالد وسيبقى، مع أن الدنيا كلها فانية لا بقاء لها. وخير شاهد على كون هذا الشخص ممن اغتر، هو أنه يخاف الموت، وذلك لأنه يرى فيه انقطاع كل ما سعى إليه، وبذل في سبيله كل غال ونفيس.
ومن أفضل الأوصاف لذلك، هذه الرواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام): ((إنكم إن رغبتم في الدنيا أفنيتم أعماركم فيما لا تبقون له ولا يبقى لكم))[6].
- ((وحَلِيفِ الْهُمُومِ وقَرِينِ الأَحْزَانِ)).
الهمُّ يصيب الإنسان عندنا يتملكه القلق والخوف من فقدان محبوب ومرغوب، فالغني يحمل هَمَّ وخوفَ الخسارة والفقر، وصاحب المكانة الاجتماعية يحمل هَمَّ خسارتها... ويتملكه أيضاً عندما يستهدف تحصيل هذا المحبوب والمرغوب، فهو بين هَمِّ فقدان ما لديه لأنه رهينة الأيام، وهَمِّ تحصيل ما يستهدفه لأن الدنيا كماء البحر الذي لن يشبع منه ولن يتوقف عند حدود معينة من الطلب، بل سيبقى يركض ويلهث وراء ما لم يحصل عليه حتى الآن...، وهو قرين الأحزان، لشعوره بالنقص والخسارة، فالذي لا يملك يحزن لأنه لا يملك، والذي يملك ويخسر يحزن لخسارته، والذي لا يملك ولم يخسر بعد يحزن لعدم ملكه ما هو خارج عن يده...
فالإنسان في هذه الدنيا كأنه متحالف مع الهموم ومقترن مع الأحزان، في أي موقع كان وضمن أي إطار.
رغم كون الدنيا مكان المصائب والابتلاءات ورغم كونها لا ربح دنيوياً حقيقياً فيها، نجد أن الكثير من الناس ارتبطوا بهذه الدنيا وتعلقوا بها بشكل يتنافى مع صفاتها الحقيقية، وكان وصف أمير المؤمنين(عليه السلام) لهذه العلاقة بعدة عبارات:
- ((وعَبْدِ الدُّنْيَا)).
إنه أعظم وصف لهذا الإنسان الذي يتعلق بهذه الدنيا، إنه يتعلق بها إلى حد العبودية لها فهو على استعداد تام للقيام بكل ما يسهّل له سبيل الوصول إلى إدراكها ونيلها.
ولكن المأساة إنه يعبد ما لا ينفعه إلا بنحو مؤقت، بل يعبد ما هو في ظاهرة جميل وفي باطنه قبيح إلى حد وصف أمير المؤمنين(عليه السلام) لها بقوله: ((جِيفَةٍ قَدِ افْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا))[7].
ويصف الإمام علي(عليه السلام) هذا الشخص العابد لهذه الدنيا بقوله: ((قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَه، وأَمَاتَتِ الدُّنْيَا قَلْبَه، ووَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُه، فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا، ولِمَنْ فِي يَدَيْه شَيْءٌ مِنْهَا، حَيْثُمَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا، وحَيْثُمَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا...))[8].
وأما أفضل وسيلة للتحرر من هذه العبودية للدنيا فهي الابتعاد عن لذائذها، وزخرفها وزبرجها، حتى لا يشتد تأثر قلبه وتعلقه بها وحبه لها، إلى أن يتجه القلب كلياً نحو الدنيا وزخارفها الفانية.
- ((وصَرِيعِ الشَّهَوَاتِ)).
إنه الإنسان المستسلم لشهواته فهو قد صارعها بنفسه لمّا دعته إليها، ولكن الغلبة والنصر كانت للشهوة وللنفس الأمّارة، على العقل وعلى النفس المطمئنة، إنه العقل، متى انهزم أمام الشهوة أصبح أسيراً، وقد ورد عن الإمام علي(عليه السلام) قوله: ((كَمْ مِنْ عَقْلٍ أَسِيرٍ تَحْتَ هَوَى أَمِيرٍ))[9].
ويكفي للإنسان لكي ينصر النفس المطمئنة على النفس الأمارة، وليجعل من الشهوة صريعة، أن يفكر في عاقبة الشهوة، وقد ورد عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قوله: ((أول الشهوة طرب، وآخرها عطب))[10].
إن أجلى وأوضح حقيقة للدنيا أنها غير دائمة، وأنها زائلة، وأن الإنسان مهما سعى وحصّل فيها واغتر بمفاتنها، فإنه في نهاية الأمر سيتركها، بل ويدخل في تلك الحفرة الصغيرة نافضاً يديه من كل ما فيها، فالإنسان في الحقيقة هو:
- ((وغَرِيمِ الْمَنَايَا وأَسِيرِ الْمَوْتِ)).
إن حال الإنسان مع الموت، هو حال الشخص المديون، الذي حل وقت أدائه للدين، ولكنه يسعى للفرار من الدائن، ويخاف أن يلتقي به، فالموت هو أشد ما يخاف منه الإنسان، وهو الذي يلاحق هذا الإنسان، (قُلْ إنّ الْموْت الّذي تفرُّون منْهُ فإنّهُ مُلاقيكُمْ ثُمّ تُردُّون إلى عالم الْغيْب والشّهادة فيُنبّئُكُمْ بما كُنتُمْ تعْملُون)[11].
- ((وخَلِيفَةِ الأَمْوَاتِ))
إنها أوجز عبارة تدفع الإنسان لترك التعلق بهذه الدنيا، فإذا فكر الإنسان في أن كل ما يصل إليه كان مع من سبقه وهو ورثه منه، وأما ذلك الميت فقد انقطع عنه، ولم يعد ينتفع بها عرف كيف يحسن التصرف فيه بما يكون نفعه له في يوم القيامة، فالميت يرحل ويرثه حي آخر، وهذه سُنّة البشر منذ أن خلق الله عز وجل آدم(عليه السلام) وإلى يوم القيامة.
هل الدنيا هدفك النهائي؟
كل هذه الصفات التي أوردها أمير المؤمنين(عليه السلام) ليصل بنا إلى نتيجة باتت واضحة، خلاصتها أن هذه الدنيا ليست أهلاً لأن تكون هدفاً نهائياً للإنسان، ربما تكون متاعاً يستفيد منه في أيامه هذه، وطريقاً يسلك به إلى آخرته التي تنتظره، ولكنها بالتأكيد ليست الهدف الذي ينبغي على الإنسان أن يدور في فلكه.
وإذا حدد الإنسان هدفه هانت المسيرة بعد ذلك.
[1] بحار الأنوار، العلامة المجلسي: ج10، ص172.
[2] المصدر السابق.
[3] سورة آل عمران: آية١٧٩.
[4] سورة البقرة: آية١٥٦.
[5] سورة البقرة: آية١٥٧.
[6] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي: ص175.
[7] نهج البلاغة، تحقيق صالح: الخطبة ١٠٩، ص159.
[8] المصدر السابق: الخطبة ١٠٩، ص160.
[9] نهج البلاغة، تحقيق صالح: ص506.
[10] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي: ص112.
[11] سورة الجمعة: آية٨.