إنّ الإنسان المؤمن كما أنّه مدعوّ لمعرفة الله تعالى وأخلاقه ليتخلّق بها: ((تخلّقوا بأخلاق الله))[11]، كذلك هو مدعوّ لمعرفة عدوّه الشيطان الرجيم؛ ليبتعد عن أخلاقه.
والشيطان هو: كلّ موجود مؤذٍ، مغوٍ، طاغٍ، متمرّد، إنساناً كان أم غير إنسان، وإبليس: اسم الشيطان الذي أغوى آدم، ويتربّص هو وجنده الدوائر بأبناء آدم دوماً[12].
١- الإِسْتِكْبَارُ والعَصَبيّةُ: ففي خطبة لأمير المؤمنين(عليه السلام): وهي تتضمّن ذمّ إبليس لعنه الله على استكباره، وتركه السجود لآدم (عليه السلام)، و أنّه أوّل من أظهر العصبية، واتبع الحميّة، وفيها تحذير الناس من سلوك طريقته: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ)
قال(عليه السلام): (((فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ)، اعْتَرَضَتْه الْحَمِيَّةُ فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِه، وتَعَصَّبَ عَلَيْه لأَصْلِه، فَعَدُوُّ اللهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ وسَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ، ونَازَعَ اللهَ رِدَاءَ الْجَبْرِيَّة، وادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ، وخَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ))[13].
لذلك على الإنسان المؤمن أن لا يتعصّب إلّا للحقّ والدين، ويبتعد عن أيّ عصبيّة أخرى، حتّى لو كان لأهله وإخوته وأقاربه.
٢- اتّباع الهوى: من صفات الشيطان اتّباع هواه، فهو يريد عبادة ربّه حسب هواه، فعن الإمام الصادق(عليه السلام): ((أمر الله إبليس بالسجود لآدم، فقال:يا ربِّ وعزّتِک إن أعفيتَني من السجود لآدَم لأعبُدَنّک عباده ما عبدَک أحدٌ قطّ مثلها، قال الله جلّ جلاله: إنّي أُحِبُّ أن أُطاعَ مِن حيثُ أريد))[14].
وكم نرى من الناس من يتّصف بهذه الصفة، حيث يريد ديناً حسب ما تشتهي نفسه، فبعضهم تقول له أطع الله، صلّ الصلوات الخمس، زكِّ، خمّس، انته عن المعاصي، يجيب: إنّما الإيمان في القلب، وينسى أو يتناسى أنّ الإيمان بالقلب لا يكفي إن لم يلزمه العمل الصالح، لذلك نرى في كثير من الآيات الكريمة قَرْنَاً دائماً بين الإيمان والعمل الصالح، يقول تعالى: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)[15].
ويقول سبحانه: (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا)[16].
فنلاحظ في الآية الشريفة: أنّ أيّ عمل للصالحات، لا بدّ -حتّى يؤتي ثمرته وهي دخول الجنّة- أن يكون مقروناً بالإيمان.
من الأمور التي تساعد على مجابهة الشيطان معرفة خططه، ومن خططه أنّه لا يوقع الإنسان المؤمن في المعاصي الكبيرة بخطوة واحدة وبشكل مكشوف، بل يعطيه السموم على جرعات، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة: (وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) البقرة:168، فعبارة (خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ)، قد تشير إلى مسألة تربوية دقيقة، وهي أنّ الانحرافات تدخل ساحة الإِنسان بشكل تدريجيّ، لا دفعيّ فوريّ، فتلوُّث شابٍّ بالقمار، أو شرب الخمر، أو بالمخدّرات، يتمّ على مراحل:فمثلاً يشترك أوّلاً متفرّجاً في جلسة من جلسات لعب الورق، ظانّاً أنّه عمل اعتياديّ لا ضير فيه.
ثمّ يشترك في اللعب للترويح عن النفس (دون ربح أو خسارة)، أو يتناول شيئاً من المخدّرات بحجّة رفع التعب، أو المعالجة، أو أمثالها من الحجج.
وفي الخطوة الأخرى يمارس العمل المحرّم قاصداً أنه يمارسه مؤقتاً.
وهكذا تتوالى الخطوات، واحدة تلو الأخرى، ويصبح الفرد مقامراً محترفاً، أو مدمناً مريضاً.
فوساوس الشيطان تدفع بالفرد على هذه الصورة التدريجية نحو هاوية السقوط، وليست هذه طريقة الشيطان الأصليّ فحسب، بل كلّ الأجهزة الشيطانية تنفّذ خططها المشؤومة على شكل ((خُطُوات))، لذلك يُحذّر القرآن كثيراً من اتّخاذ الخطوة الأولى على طريق الانزلاق.
يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين)[17].
ويقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَر)[18].
وعن الإمام عليّ(عليه السلام): ((وَاتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّيْطَانِ))[19].
وعنه(عليه السلام): ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ، وَ يُرِيدُ أَنْ يَحُلَّ دِينَكُمْ عُقْدَةً عُقْدَةً))[20].
مَا يُسَاعِدُ الشَّيْطَانَ على الإِنْسَانِ:
ثم إن هناك أموراً عديدة تساعد الشيطان على الإنسان، منها:
١- مجالسة أهل الهوى: عن أمير المؤمنين(عليه السلام): ((وَاعْلَمُوا أَنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ، وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْهَوَى مَنْسَاةٌ لِلْإِيمَانِ، محضرةٌ للشيطان))[21].
من هنا حذّر الإمام من مجالسة أهل الأسواق، لأنّ أكثرهم أهل هوى: ((وَإِيَّاكَ وَمَقَاعِدَ الْأَسْوَاقِ، فَإِنَّهَا مَحَاضِرُ الشَّيْطَانِ، وَمَعَارِيضُ الْفِتَنِ))[22].
٢- الإفتراق عن جماعة أهل الحقّ: فعنه(عليه السلام): ((وَمَنْ رَمَى بِهِ الشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ، وَ ضَرَبَ بِهِ تِيهَهُ فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ، كَمَا أَنَّ الشَّاذَّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئْبِ))[23].
فلذلك لا بدّ أن يحرص الإنسان على البقاء في أجواء أهل الحق والذكر وعمل الخير، ولا يشذّ عنهم؛ كي لا يقع في شرك ومصيدة إبليس اللعين.
٣- الظلم والكبر: فعنه(عليه السلام): ((فاللهَ اللهَ فِي عَاجِلِ الْبَغْيِ، وَآجِلِ وَخَامَةِ الظُّلْمِ، وَسُوءِ عَاقِبَةِ الْكِبْرِ، فَإِنَّهَا مَصْيَدَةُ إِبْلِيسَ الْعُظْمَى، وَمَكِيدَتُهُ الْكُبْرَى، الَّتِي تُسَاوِرُ قُلُوبَ الرِّجَالِ مُسَاوَرَةَ السُّمُومِ الْقَاتِلَةِ))[24].
فلذلك لا بدّ من الاجتناب عن الظلم والكبر؛ كي لا يقع المؤمن في مكيدة إبليس.
٤- الإنشغال بعيوب غيره عن عيوب نفسه: فعنه(عليه السلام): ((فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُمَاتِ، وَارْتَبَكَ فِي الْهَلَكَاتِ، وَمَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي طُغْيَانِهِ، وَزَيَّنَتْ لَهُ سَيِّئَ أَعْمَالِهِ))[25].
وهذه آفّة عظيمة عند الإنسان، حيث يُلقي بالملامة دائماً على غيره، ويُبرّئ نفسه، بينما نجد الأولياء يقولون: (وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ)[26].
٥- الوقوع في الفتنة: فعنه(عليه السلام): ((وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ، انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ، وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ، فَيُمْزَجَانِ، فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَيَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الْحُسْنى))[27].
فلا بدّ من المعرفة والتعلّم والوعي لكي يستطيع الإنسان أن يميّز بين الحقّ والباطل، وعليه بالرجوع إلى العلماء وإلى المخلصين الواعين من المؤمنين؛ كي ينصحوه، فلا يقع في الفتنة، وبالتالي يضلّ الطريق.
٦- الإعجاب بالنفس وحبّ المدح: فعنه(عليه السلام): ((وَإِيَّاكَ والْإِعْجَابَ بِنَفْسِكَ، وَالثِّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا، وَحُبَّ الْإِطْرَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِينَ))[28].
فإنّ الإعجاب بالنفس، وانتظار مدح الناس له، يؤدّي إلى محق العمل، فيدخل إبليس من هذا الباب، وتكون نهاية الإنسان التعب في الدنيا، والخسران في الآخرة.
٧- الشكّ: عنه(عليه السلام): ((وَمَنْ تَرَدَّدَ فِي الرَّيْبِ وَطِئَتْهُ سَنَابِكُ الشَّيَاطِينِ))[29].
لذلك لا بدّ من أن يخطو الإنسان المؤمن في كل خطواته بثقة وعلم، ومعرفة، ويقين، لا سيما في المعتقدات، حتّى لا يقع تحت وطأة حوافر الشياطين.
٨ - الغضب: فعنه (عليه السلام): ((وَاحْذَرِ الْغَضَبَ، فَإِنَّهُ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِيسَ))[30].
وقال (عليه السلام) أيضاً: ((وَإِيَّاكَ وَالْغَضَبَ فَإِنَّهُ طَيْرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ))[31].
ومن الواضح أنّ الغضب نار تشتعل في الإنسان، فتطغى على العقل، وبالتالي يقع بالمفسدة والضرر.
٩- الإفراط في حبّ النساء، والخلوة بالأجنبية: عن الإمام عليّ (عليه السلام): ((الفتن ثلاث: حبّ النساء، وهو سيف الشيطان، وشرب الخمر، وهو فخّ الشيطان، وحب الدينار والدرهم، وهو سهم الشيطان))[32].
وفي الرواية أنّه قال إبليس لموسى (عليه السلام): يا موسى لا تخل بامرأة لا تحلّ لك، فإنه لا يخلو رجل بامرأة لا تحلّ له، إلا كنت صاحبه دون أصحابي[33].
فلشدّة خطورة هذه الخطوة، ولأنها سريعة في إيقاع المؤمن بالمعصية يتدخّل إبليس بنفسه؛ ليوقع المؤمن بما يغضب الله، لذلك لا بدّ من أخذ الحيطة للدين، والحذر من الخلوة بالمرأة الأجنبية.
١٠- حبّ المال والترف: عنه (عليه السلام) من كتاب له إلى معاوية: ((فَإِنَّكَ مُتْرَفٌ، قَدْ أَخَذَ الشَّيْطَانُ مِنْكَ مَأْخَذَه، وبَلَغَ فِيكَ أَمَلَه، وجَرَى مِنْكَ مَجْرَى الرُّوحِ والدَّمِ))[34].
وعنه (عليه السلام): ((إنّ الشَّيطانَ يُديرُ ابنَ آدمَ في كلِّ شيءٍ، فإذا أعياهُ جَثَمَ لَهُ عِندَ المالِ، فأخَذَ برَقَبَتهِ))[35].
وهذه مصيبة عامّة البلوى، تأخذ بالإنسان برقبته وتورده المهالك، فعلى الإنسان أن يعي أنّ المال ليس إلّا وسيلة للعيش في هذه الدنيا الفانية برضا الله والتقرّب إليه فيها للوصول إلى ذلك العالم، فالمال وسيلة لرضا الله سبحانه، وليس هدفاً بنفسه.
١١- الحسد والعداوة: يقول تعالى:(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء)[36].
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): ((يقول إبليس لجنوده: يَقُولُ إِبْلِيسُ لِجُنُودِهِ: أَلْقُوا بَيْنَهُمُ الحَسَدَ والبَغْيَ، فَإِنَّهُمَا يَعْدِلَانِ عِنْدَ الله الشِّرْكَ))[37].
لقد أشرنا في الدرس السابق كيف يستطيع إبليس عبر خطوات أن يوقع الإنسان في الهاوية، ولا بدّ من التعرف إلى ما يساعد هذا الإنسان للتغلّب على إبليس، فإنّ الله سبحانه أودع هذه القوّة في الإنسان، ليستطيع الوصول إلى الجنّة بعد هذا الامتحان الكبير فيستحقّ بذلك رضا الله والجنّة.
قال أمير المؤمنين(عليه السلام): ((وعَنْ ذَلِكَ مَا حَرَسَ اللهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ، وَمُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الْأَيَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ))[38].
فالشيطان أضعف ركناً من الإنسان، وقد هيئ الله تعالى للإنسان جملة من الأمور التي يمكن أن يقهر الشيطان بها، نذكر منها:
١- العبادة: في خطبة للإمام عليّ(عليه السلام) بعد أن يحذّر من الشيطان يذكر ما يحرس منه، فيقول: ((وعَنْ ذَلِكَ مَا حَرَسَ اللهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ، وَمُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الْأَيَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ))[39].
٢- الدعاء: يقول تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)[40].
وعن الإمام عليّ(عليه السلام): ((أكثِرِ الدُّعاءَ، تَسلَمْ مِن سَوْرَةِ الشَّيطانِ))[41].
فالدعاء وهو من لحظات الأنس مع الله سبحانه، ومن أهمّ الأمور المقرّبة منه تعالى، والتي تعين على الابتعاد عن إبليس اللعين.
٣- ذكر الله: عن الإمام الصادق(عليه السلام): ((قالَ إبليسُ: خَمسَةٌ لَيسَ لي فيهِنَّ حيلَةٌ وسائِرُ النّاسِ في قَبضَتي: مَنِ اعتَصَمَ بِاللهِ عَن نِيَّةٍ صادِقَةٍ، وَاتَّكَلَ عَلَيهِ في جَميعِ اُمورِهِ، ومَن كَثُرَ تَسبيحُهُ في لَيلِهِ ونَهارِهِ، ومَن رَضِيَ لأَِخيهِ المُؤمِنِ بِما يَرضاهُ لِنَفسِهِ، ومَن لَم يَجزَع عَلَى المُصيبَةِ حينَ تُصيبُهُ، ومَن رَضِيَ بِما قَسَمَ اللهُ لَهُ، ولَم يَهتَمَّ لِرِزقِهِ))[42].
رُويَ عن الإِمامِ الصَّادقِ(عليه السلام) أَنّه: ((لَمّا نَزَلَت هذِهِ الآيَةُ: ((وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـحِشَةً أَوْظَـلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ))، صَعِدَ إبليسُ جَبَلاً بِمَكَّةَ يُقالُ لَهُ: ثَورٌ، فَصَرَخَ بِأَعلى صَوتِهِ بِعَفاريتِهِ، فَاجتَمَعوا إلَيهِ، فَقالوا : يا سَيِّدَنا لِمَ دَعَوتَنا؟ قالَ: نَزَلَت هذِهِ الآيَةُ، فَمَن لَها؟ فَقامَ عِفريتٌ مِنَ الشَّياطينِ فَقالَ: أنَا لَها بِكَذا، وكَذا، قالَ: لَستَ لَها، فَقامَ آخَرُ فَقالَ: مِثلَ ذلِكَ، فَقالَ: لَستَ لَها، فَقالَ الوَسواسُ الخَنّاسُ: أنَا لَها، قالَ: بِماذا؟ قالَ: أعِدُهُم واُمَنّيهِم، حَتّى يُواقِعُوا الخَطيئَةَ، فَإِذا واقَعُوا الخَطيئَةَ، أنسَيتُهُمُ الاِستِغفارَ، فَقالَ: أنتَ لَها، فَوَكَّلَهُ بِها إلى يَومِ القِيامَةِ))[43].
٤- الإِعتصام بالقرآن والنبيّ والآل: عن رسول الله(صلى الله عليه وآله): ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْكَبَ سَفِينَةَ النَّجَاةِ، وَيَسْتَمْسِكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى، وَيَعْتَصِمَ بِحَبْلِ اللهِ الْمَتِينِ، فَلْيُوَالِ عَلِيّاً بَعْدِي، وَلْيُعَادِ عَدُوَّهُ، وَلْيَأْتَمَّ بِالْأَئِمَّةِ الْهُدَاةِ مِنْ وُلْدِهِ، فَإِنَّهُمْ خُلَفَائِي، وَأَوْصِيَائِي، وَحُجَجُ اللهِ عَلَى الْخَلْقِ بَعْدِي، وَسَادَةُ أُمَّتِي، وَقَادَةُ الْأَتْقِيَاءِ إِلَى الْجَنَّةِ، حِزْبُهُمْ حِزْبِي، وَحِزْبِي حِزْبُ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ، وَحِزْبُ أَعْدَائِهِمْ حِزْبُ الشَّيْطَانِ))[44].
وعن الإمام عليّ(عليه السلام): ((فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْه مِنْ صِفَتِه فَائْتَمَّ بِه، واسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِه، ومَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَه، مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُه، ولَا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله) وأَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُه، فَكِلْ عِلْمَه إِلَى اللهِ سُبْحَانَه، فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ اللهِ عَلَيْكَ))[45].
وفي زمن غيبة الإمام المهديّ (عجل الله فرجه الشريف)، ينبغي الاعتصام واللجوء إلى المرجع الأعلم، فإنّه بما يملك من علم، وعدالة، وبصيرة، وشجاعة، وزهد في الدنيا، ومخالفة لهواه، يؤمِن المؤمنين من الفتنة والاختلاف، فعن الإمام العسكريّ(عليه السلام): ((مَن كان مِنَ الفُقَهاء صائِناً لِنَفْسِهِ، مخالفاً لِهواهُ، مُطيعاً لاَِمرِ مولاه، فَعَلَى العَوامِ اَن يُقَلِّدوه))[46].
وعن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: ((إِيَّاكُمْ أَنْ يُحَاكِمَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً إِلَى أَهْلِ الْجَوْرِ، وَلَكِنِ انْظُرُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ، يَعْلَمُ شَيْئاً مِنْ قَضَايَانَا، فَاجْعَلُوهُ بَيْنَكُمْ، فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ قَاضِياً، فَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ))[47].
وفي المكاتبة عن الإمام المهديّ (عجل الله فرجه الشريف): ((وَأَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ، فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا، فَإِنَّهُمْ حُجَّتِى عَلَيْكُمْ وَ أَنَا حُجَّةُ اللهِ عليهم))[48].
٥- البصيرة: عن أمير المؤمنين(عليه السلام): ((أَلاَ وإنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ جَمَعَ حِزْبَهُ وَاسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ وَرَجِلَهُ، وإِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتي))[49].
فالإنسان المؤمن مدعوّ لامتلاك الوعي والبصيرة وزيادتهما؛ لكي لا تنطلي عليه حيل ومكر الشياطين.
٧- التوكّل على الله: قال تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون)[50].
ينبغي للإنسان المؤمن أن لا يخاف إلّا الله، ولا يخاف من شياطين الإنس والجن، فإنّما يخوّف أولياءه: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)[51].
فكيد الشيطان ضعيف أمام صلابة ووعي وبصيرة الإنسان المؤمن: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)[52].
وعن الإمام الكاظم(عليه السلام): ((فَلَهُ -أي: لإبليس- فَلتَشتَدَّ عَداوَتُكَ، وَلا يَكونَنَّ أصبَرَ على مُجاهَدَتِهِ لِهَلَكَتِكَ مِنكَ على صَبرِكَ، لِمُجاهَدَتِهِ، فَإِنَّهُ أضعَفُ مِنكَ رُكناً في قُوَّتِهِ، وَأقَلُّ مِنكَ ضَرراً في كَثرَةِ شَرِّهِ، إذا أنتَ اعتَصَمتَ بِاللهِ فَقَد هُديتَ إلى صِراطٍ مُستَقيمٍ))[53].
فالشيطان ليس له سلطان على الإنسان إلا أن يساعده الإنسان على نفسه: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم)[54].
فابرأ من الشيطان الضعيف قبل أن يبرأ منك يوم لا ينفع الندم: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)[55].
وعن الإمام عليّ (عليه السلام): ((إِنَّ الشَّيْطَانَ الْيَوْمَ قَدِ اسْتَفَلَّهُمْ، وَهُوَ غَداً مُتَبَرِّئٌ مِنْهُمْ، وَمُتَخَلٍّ عَنْهُمْ))[56].
فاحذروا أن تكونوا قرناء الشياطين بين طابقين من نار، فعن أمير المؤمنين(عليه السلام): ((أَفَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، وَالْعَثْرَةِ تُدْمِيهِ، وَالرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ، ضَجِيعَ حَجَرٍ، وَقَرِينَ شَيْطَانٍ))[57].
[1] ملاك الأمر: ما به قوامه وديمومته.
[2] الأشراك: جمع شرك حبائل الصيد.
[3] باض وفرّخ: كناية عن توطنه صدورهم وطول مكثه فيها، لأنّ الطائر لا يبيض إلا في عشّه، وفراخ الشيطان وساوسه.
[4] دبّ: مشى على اليدين والرجلين كالطفل.
[5] درج: مشى.
[6] الحجور: مفردها حجر وهو الحضن وفلان نشأ في حجر فلان أي في كنفه ومنعته.
[7] الزلل: الخطأ.
[8] زيّن له الأمر: حسّنه والشيء زخرفه.
[9] الخطل: أقبح الخطأ.
[10] نهج البلاغة، تحقيق صالح: الخطبة ٧ .
[11] راجع: إرشاد القلوب، للديلمي: ص127، الباب 38 (في الصبر)، وبحار الأنوار، العلامة المجلسي: ج61، ص129، وإحياء علوم الدين، للغزالي: ج4، ص61.
[12] انظر: الأمثل، الشيخ مكارم الشيرازي: ج١، ص١٧١.
[13] نهج البلاغة، تحقيق صالح: الخطبة١٩٢.
[14] بحار الأنوار، العلّامة المجلسي: ج٢، ص٢٦٢.
[15] سورة العصر: آية١ ـ ٣.
[16] سورة النساء: آية١٢٤.
[17] سورة البقرة: آية١٦٨.
[18] سورة النور: آية٢١.
[19] نهج البلاغة، تحقيق صالح: الخطبة١٥١.
[20] المصدر السابق: الخطبة ١٢١.
[21] نهج البلاغة، تحقيق صالح: الخطبة ٨٦.
[22] المصدر السابق: الكتاب ٦٩.
[23] المصدر السابق: الخطبة ١٢٧.
[24] نهج البلاغة، تحقيق صالح: الخطبة ١٩٢.
[25] المصدر السابق: الخطبة ١٥٧.
[26] سورة يوسف: آية٥٣.
[27] نهج البلاغة، تحقيق صالح: الخطبة ٥١.
[28] نهج البلاغة، تحقيق صالح: الكتاب ٥٣.
[29] المصدر السابق: الحكمة ٣١.
[30] المصدر السابق: الكتاب ٦٩.
[31] نهج البلاغة، تحقيق صالح: الكتاب ٧٦ .
[32] بحار الأنوار، العلّامة المجلسي: ج٢، ص١٠٧.
[33] المصدر السابق: ج١٣، ص٣٥٠.
[34] نهج البلاغة، تحقيق صالح: الكتاب ١٠.
[35] شرح أصول الكافي، المولى محمّد صالح المازندراني: ج٩، ص٣٣٧.
[36] سورة المائدة: آية٩١.
[37] بحار الأنوار، العلّامة المجلسي: ج٧٢، ص ٢٧٨.
[38] نهج البلاغة، تحقيق صالح: الخطبة ١٩٢.
[39] المصدر السابق: الخطبة ١٩٢.
[40] سورة غافر: آية٦٠.
[41] بحار الأنوار، العلامة المجلسي: ج٧٥، ص٩.
[42] بحار الأنوار، العلامة المجلسي: ج٦٠، ص ٢٤٨.
[43] المصدر السابق: ج٦٦، ص٣٤٩.
[44] بحار الأنوار، العلامة المجلسي: ج٢٣، ص١٤٤.
[45] نهج البلاغة، تحقيق صالح: الخطبة ٩١.
[46] العروة الوثقى، السيد اليزدي: ج١، ص٢٦.
[47] عوالي اللآلي، ابن أبي جمهور الإحسائي: ج٣، ص٥١٨.
[48] وسائل الشيعة، الحرّ العاملي: ج٢٧، ص١٤٠.
[49] نهج البلاغة، تحقيق صالح: الخطبة ١٠.
[50] سورة النحل: آية٩٩.
[51] سورة آل عمران: آية١٧٥.
[52] سورة النساء: آية٧٦.
[53] بحار الأنوار، العلامة المجلسي: ج٧٥، ص٣١٥.
[54] سورة إبراهيم: آية٢٢.
[55] سورة الحشر: آية ١٦.
[56] نهج البلاغة، تحقيق صالح: الخطبة ١٨١.
[57] المصدر السابق: الخطبة ١٨٢.