الأول: التواتر:
وهو أعلى درجات الدليل النقلي لما يفيده من العلم والقطع بمضمون الخبر، وقد تعددت أقوال العلماء في تعريفه[1]، ولا نريد الخوض في اختلافها، ولكن ما يتحصل منها: أن التواتر هو نقل الخبر الواحد سواء كان بلفظه أو مضمونه أو معناه ـ كما سيأتي بيانه في أنواع التواتر ـ عن طريق جماعة متكثرة، بحيث نستفيد من تكثر النَقَلَة عدم كذب مضمون خبرهم، لعدم احتمال تواطؤهم على الكذب عادة، ولا يشترط فيهم العدالة أو الوثاقة، بعد وصول عددهم إلى هذا الحد، ويقابله في اصطلاحهم ما يسمى بخبر الآحاد، وهو ما لا يفيد أكثر من الظن إذا لم يصاحبه قرائن ترفع درجته إلى القطع واليقين.
ولا يشترط في العدد المحقق للتواتر حداً معيناً، بل يختلف العدد المطلوب في كل مورد بحسب خصوصيات المضمون وملابساته، فما كان أمراً مهماً تتوفر فيه الدواعي للكذب أو الإخفاء، فنحتاج فيه إلى عدد أكبر من المخبرين، وما لا يكون كذلك أو كان ملائماً للناقلين، فيقلّ فيه العدد المحقق للتواتر، وهكذا، ولكن ما يشترط في التواتر هو توفر العدد المحقِّق للتواتر في كل طبقة من طبقات الرواة، ولذا فقد أخرج المحققون بعض الروايات التي اشتهر أنها متواترة عن حد التواتر بسبب تفرد بعض الرواة في بعض الطبقات في نقل الخبر وإن عُدَّ رواته بالمئات في باقي الطبقات[2].
وللتواتر أقسام مختلفة بحسب تقسيم العلماء له وصل أكثرها إلى أربعة هي:
1- التواتر اللفظي: وهو ما اتحد فيه لفظ الخبر عند جميع الرواة فكان ما ينقل من الرواة في كل الطبقات لفظاً واحداً، وهذا من أعلى درجات التواتر وهو القدر المتيقن منه في إفادة العلم والقطع واليقين، ومثاله: حديث : (لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار)[3] أو حديث الغدير: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه...)[4] أو حديث الثقلين: (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي...)[5] إلخ ما يذكر له من أمثله.
2- التواتر المضموني: وهو ما تكثّرت الروايات الناقلة له، ولكن لم يتّحد اللفظ فيها جميعاً، بل اختلفت الألفاظ مع المحافظة على وحدة المضمون، كما في حديث رد الشمس لأمير المؤمنين (عليه السلام) فإن ألفاظه مختلفة والمضمون واحد.
3- التواتر المعنوي: ومعناه: أن الألفاظ ليست وحدها المختلفة بل المضامين أيضا مختلفة، ولكن اختلاف المضامين مع ذلك يشير إلى معنى واحد، هذا المعنى هو المتواتر، ومثاله: الأخبار المختلفة الألفاظ والمضامين التي تدل على شجاعة أمير المؤمنين أو جبن غيره وتخاذلهم، أو الروايات التي دلّت على نفاق بعض الصحابة أو ارتدادهم بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله) وغير ذلك، فإن الروايات الكثيرة التي وصفت حروب أمير المؤمنين كانت بألفاظ مختلفة ومضامين مختلفة أيضاً، إذ بعضها كان يتحدث عن حرب بدر وبعضها الأخر كان يتحدث عن أحد أو خيبر أو الخندق والأحزاب وغير ذلك، ولكن كلّها يشير إلى معنى واحد متّفق في جميعها، وهو شجاعته (عليه السلام)، وقد يُعد هو والتواتر المضموني قسماً واحداً.
4- التواتر الإجمالي: وهو أضعف أنواع التواتر، وقد أثبته بعض العلماء منهم المحقق الخراساني صاحب الكفاية فيها، وأنكره آخرون[6]، ومعناه: أن الروايات المتعددة التي يضمّها عنوان واحد مثلاً والتي تكون عادة بطرق وأسانيد مختلفة ومضامين مختلفة يعلم إجمالاً بصدور بعضها عن المعصوم (عليه السلام) لبعض القرائن والملابسات، وهذا يكفي في إثبات ما تشترك فيه الروايات من معنى أو مضمون.
[1] فقد ورد في تعريفه ما نذكر بعضه:
قال الشيخ البهائي: (فإن بلغت سلاسله في كلّ طبقة حداًّ يؤمن معه تواطؤهم على الكذب فمتواتر..) الوجيزة في علم الدراية، ص4.
وقال الشهيد الثاني: (ما بلغت رواته في الكثرة مبلغا أحالت العادة تواطؤهم على الكذب، واستمر ذلك الوصف في جميع الطبقات حيث تتعدد). شرح البداية في علم لدراية: ج1، ص62.
وقال المحقّق القمي: (خبر جماعة يؤمن تواطؤهم على الكذب عادةً وإن كان للوازم الخبر دخل في إفادة تلك الكثرةِ العلمَ). قوانين الأصول للمحقّق القمي: ج1، ص421.
[2] يلاحظ ما ذكر في الدراية للشهيد الثاني في مبحث التواتر.
[3] شرح الأخبار للقاضي النعماني: ج2، ص381..
[4] الكافي للكليني: ج1، ص420..
[5] وسائل الشيعة للحر العاملي: ج27، ص33..
[6] فقد أنكر المحقق النائيني قدّس سرّه التواتر الإجمالي بدعوى: انا لو وضعنا اليد على كل واحد واحد من تلك الاخبار نراه محتملا للصدق والكذب، فأين الخبر المقطوع صدوره. أجود التقريرات للسيد الخوئي: ج2، ص113.