قبل الخوض في أصل البحث وعرض الأدلة على ولادة الإمام (عليه السلام) ومناقشتها والأخذ والرد فيها، لا بد أن نبين بعض المصطلحات المهمة التي يتوقف البحث عليها، وكذلك التطرق لبعض الأفكار التي تساعد على الخوض فيه، لذا سنتعرض في هذا الفصل إلى منهج البحث العلمي، وطرق إثبات الوقائع التأريخية، ثم نتعرض لأنواع الأدلة وقيمتها في الاستدلال وفي ضمن هذا الموضوع سوف نتطرق لمجموعة من الأفكار والمصطلحات المهمة التي يتوقف عليها أصل البحث.
1- منهج البحث العلمي وكيفية الاستدلال:
إن المنهج المتبع في البحث العلمي يختلف بحسب المسألة المراد البحث عنها، بمعنى: أنه قبل البدء بالبحث ينبغي الإجابة عن هذا السؤال، وهو أن المسألة المطروحة للبحث تدخل في أي علم؟ فلو كانت من المسائل العقلية فيكون البحث عنها عن طريق الدليل العقلي والبرهان، فلو أريد تشييد دليل ما أو تفنيد دليل من هذا النوع فلا بد من النظر إلى مقدمات هذا الدليل، فإن كان دليلاً موجوداً تناقش مقدماته، وإن كان دليلاً مفترضاً تؤسس مقدماته بحيث تكون قطعية حتى تنتج نتيجة قطعية أيضا، وهكذا.
وأما اذا كانت المسألة المطروحة للبحث نقلية، فالنقاش حولها يكون عبر مناقشة أدلتها النقلية، من ناحية صحة السند أو الدلالة ونحو ذلك، ولو أريد تأسيس المسألة فلابد من البحث في كتب الحديث والفقه عما يمكن أن يكون دليلاً معتبراً شرعاً، بمعنى: أنه يفيد الحجية الشرعية، ليمكن الاستدلال به، وسيأتي تفصيل الدليل الشرعي ومعنى حجيته.
وهذا البحث في كتب الحديث والفقه لابد أن يكون بحثاً مستوعباً باستفراغ الوسع وبذل الجهد حتى يكون الاستقراء تاماً أو شبه تام، وإلا فلا ينفع الاستقراء الناقص في هذا المجال أو الاعتماد على ما ذكره البعض وخاصة من المتقدمين، لأن هذا لا يكفي في إبراء الذمة.
وكذلك الحال إذا كانت المسألة تأريخية، بل الأمر هنا أشد، فإن مجال البحث هنا أوسع وأكبر فلابد من استفراغ الوسع في البحث عما يمت إلى المسألة المرادة بصلة، سواء كان المراد تأسيس المسألة أو إبطالها، ففي مقام الإبطال أيضا نحتاج إلى الاعتماد على الأساس الاستقرائي التام أو شبه التام، بل لعل الأمر في مسألة الإبطال أشد منه في مسألة التأسيس، إذ أن الباحث المؤسس قد يكتفي بمقدار ما من البحث للاقتناع بصحة الفكرة، أما المبطل لفكرة فالمفروض أنه لا يدع مجالاً للرد عليه، بترك مساحة للبحث لم يَلِجْها، فإن هذا يُعَدُّ من ضعف الباحث أو البحث أو كليهما إن لم يكن ـ بنوع من سوء الظن ـ يعد محاولة لبث الشبهات والشكوك في الأوساط العلمية وغيرها.
وأما في مسألة ولادة الإمام (عليه السلام) فقد أثيرت عدة شبهات حول ولادته، منها: شبهة عن أن المقدار الوارد من روايات ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) في الكتب المعتمدة ككتاب الكافي للشيخ الكليني مقدار قليل، وهذا المقدار لو ناقشناه من الناحية السندية فلا يصمد من هذا الكم إلا النزر اليسير من الروايات، لأن أغلبها غير صحيح السند، وبما أن المسألة من المسائل العقدية[1] فلا يكفي هذا المقدار في إفادة اليقين بالمسألة المبحوث عنها.
وقد تقدم بعض الكلام حول هذه الشبهة من ناحية أن المسائل التأريخية كالولادة والوفاة وغيرها وإن ترتب عليها بحث عقدي أو فقهي أو غير ذلك، إلا أن نفس المسألة تبقى مسألة تأريخية محكومة بأحكام علم التأريخ، ولا يمكن أن تتحول إلى شيء آخر، وسيأتي أيضاً الكلام حولها من نواحٍ مختلفة، ولكن فيما يخص محل الكلام فيمكن القول:
إن ما تشبث به المشككون في هذا المجال من ذكر هذه الروايات مما لا ينبغي القول به، وذلك لأمرين:
أولاً: إن مصنفي كتب الحديث كالكليني (رحمه الله) في كتاب الكافي لم يدَّعِ الاستقراء التام للروايات في هذا المجال ولا كان من شأنه الاستقراء التام أيضا لعدم تيسره في تلك الأعصار، وكذلك بالنسبة لغيره كالعلامة المجلسي (رحمه الله) فكل منهما لم يكن في هذا الصدد.
ثانياً: إن الروايات التي تدل على ولادة الإمام لا تنحصر في هذه الروايات التي تندرج تحت هذا الباب، فعلى من يريد أن ينفي ولادة الإمام لابد أن يستقرئ كل الروايات التي يمكن أن تدل بشكل أو بآخر على ذلك، سواء في ذلك الدلالة المباشرة أو غير المباشرة ـ كما سيأتي بحث كل ذلك في محله المناسب ـ.
وعليه ففي مقام البحث العلمي هذا المقدار من البحث في رد مسألة ولادة الإمام (عليه السلام) يعد بحثاً ناقصاً لا يعوّل عليه، وهو ليس على الموازين الصحيحة للبحث العلمي.
[1] تقدم مناقشة هذه المسألة