100%

إلقاء التشكيك في أوساط الناس وخطره:

وهنا لابد أن نشير إلى أن البحث عن مسألة ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) قد يكون ـ كسائر البحوث العلمية ـ في أوساط علمية فيأخذ حيزاً من النقض والإبرام والأخذ والرد، فيُناقَش دليلٌ ما في أصل حجيته أو مقدار ما يستظهر منه، فيكون هناك مراحل في البحث العلمي يقع في بعضها تساؤلات أو تردد في قبول الفكرة، وذلك أمر طبيعي في تشييد المطالب العلمية عند طلبة العلوم الدينية الذين يسلكون المنهج العقلي في الاستدلال.

ولكن الأمر الذي يدعو للتأمل ـ بل أكثر من التأمل قد يدعو إلى الريبة في مستوى النوايا الشخصية ـ إذا ألقي التشكيك على مستوى الذهنية العامة والعقلية العادية غير المسبوقة بالموضوع أو ملابساته وحدوده، فإن هذا التشكيك يعتبر من الأخطار الفكرية التي لا يسع بحال من الأحوال إثارتها في أوساط المجتمع غير المؤهل لتلقي هذه الأفكار.

فإنّ كل علم له اصطلاحاته وخصوصياته العلمية المحفوظة والتي لا يسمح ـ بحال ـ  بإشاعتها على الملأ العام، بل إن بعض خصوصيات العلوم تكون من الأسرار العلمية التي لا يمكن البوح بها لغير المتعلمين بذلك العلم، أضف إلى ذلك أن المشكلة تكون أكبر والخطر أعظم إذا كان الأمر يتعلق بعقائد الناس وما يمتلكونه من كمٍّ معرفي يخص دينهم وعلاقتهم بربهم، فهنا يكبر السؤال حول الغرض من إثارة هذه الأمور في أوساط الناس، فصحيح أن البحث العلمي لا يعرف الخطوط الحمراء في التعرض للأفكار فينتقدها ويصححها ويتأمل فيها حتى تُزال الشوائب من الأفكار ويصفو الحق ويتمحص، ولكن أن يكون هذا منتشراً بين الناس فهذا غير مقبول بتاتاً، فقد كانت سنة النبي(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) أن يكلموا الناس على قدر عقولهم، فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): أُمرنا معاشر الأنبياء أن نخاطب الناس على قدر عقولهم[1]، ويمنعونهم من الخوض فيما لا يطيقون، ويأمرونهم بالأخذ ببعض المعارف بشكل إجمالي، حتى لا يكلفونهم ما لا يطيقون فيقعوا في الشبهات،  كما كان النهي عن الخوض في الذات المقدسة وخصوصياتها مما يُدخِل الإنسان في متاهات الأوهام وتلبيسات الشيطان.

والسر في ذلك أن إشاعة التشكيك بين الناس يؤدي إلى إلقاء الشبهة في أذهانهم فتتمكن من نفوسهم الضعيفة غير المحصنة بالعلم، بسبب عدم استحضارهم لملابسات الموضوع وليس عندهم من الأدلة ما يردّ هذه الشبهة، وقد لا يتيسـر إيصال الرد ـ إن وجد ـ بعد ذلك إلى كل من وصلته الشبهة، ولذا كان من جملة أساليب القوى الاستكبارية العالمية التي تشيع الفساد في المجتمعات أن تنشر الأضاليل في المجتمعات حتى وإن كانت إخبارات كاذبة ومجردة عن أي حقانية، والهدف من ذلك أن انتشار هذا الأمر الكاذب يكفي فيه تمكنه من النفوس، ثم بعد ذلك لا يعلم وصول الحق أو التصحيح الذي قد يصدر كرد فعل من بعض الجهات المتصدية له إلى كل الذين وصلتهم هذه الأكاذيب، ولو وصل فقد لا يكون الجواب في نفسه تاماً أو مقنعاً للطرف الذي تمكنت الشبهة في نفسه، أو قد لا يفهم الجواب فيبقى متقلبا في الشبهات، وقد ورد في الحديث الشريف، قال الرسول (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً كان خيراً لك مما طلعت عليه الشمس[2].

ويفهم منه أن ما يقابل هذه الحالة، أي: حالة هداية الأمة، وهي حالة الجهل والضلال أمر مرفوض وله عواقب وخيمة، ففي الحديث عن الصادق (عليه السلام): (إن الإيمان عشر درجات بمنزلة السلم يصعد منه مرقاة بعد مرقاة، فلا يقولن صاحب الإثنين لصاحب الواحد لست على شيء، حتى ينتهي إلى العشرة، فلا تُسقطْ من هو دونك فيُسقطُك من هو فوقك، وإذا رأيت من هو أسفل منك بدرجة فارفعه إليك برفق، ولا تحملنَّ عليه ما لا يطيق فتكسـره، فإن من كسـر مؤمنا فعليه جبره)[3].

 

[1] بحار الأنوار للعلامة المجلسي : ج ٢٥ ص ٣٨٤.

[2]  بحار الأنوار: ج21، ص3، ب22.

[3] الكافي : ج2، ص 44.