100%
الفصل الأول: التشكيك في مسألة ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)

أنواع التشكيك في مسألة الإمام المهدي (عليه السلام)

أنواع التشكيك في مسألة الإمام المهدي (عليه السلام):

وقد صاحبَ هذه المسألة ـ كما في كل حقٍ ـ وقوع التحريف والتزييف أو الإنكار والتشكيك، فهنا مستويات من الانحراف:

1- الانحراف بإساءة استخدام الفكرة، وذلك عن طريق تطبيقها على أشخاص أخرين ليسوا هم المقصودين الحقيقيين، سواء في نفس شخصية الإمام، بأن طُبقت تطبيقاً خاطئاً على أشخاص آخرين وصفوا بالقائم أو المهدي، أو في بعض أتباعه وأعوانه كاليماني والخراساني وغيرهما، ومما ساعد على ادعاء ذلك في بعض أبعاد هذه الفكرة أن شريحة كبيرة من المسلمين ينكرون ولادة الإمام (عليه السلام) سابقاً، وأنه سيولد في آخر الزمان، وهذا بدوره يعني أنه ليس شخصاً معيناً من أبوين  معروفين، وهذا يفتح الباب لكل مُدَّعٍ أن يُطَبِّق أوصافه أو عصـره وظروف خروجه ـ الوارد كل ذلك في الروايات ـ على نفسه وزمنه ومحيطه الذي يعيش فيه، ويجمع حوله الأتباع والمريدين ـ والذين لا يَعُزُّ على مُدَّعٍ مهما كانت دعوته باطلة جَمْعَ عددٍ منهم ـ من الهمج والرعاع وأتباع كل ناعق، كما في الحديث الشـريف[1].

وأما في خصوص الشيعة فإن تقمُّص شخص الإمام لمّا كان ممتنعاً، لتعيّنه بوجود شخصه الشريف (عليه السلام) الثابت والمحدد، لذا كان التحريف يطال بعض أتباعه وأعوانه، فترى مدّعي بعض أهم أصحابه كاليماني والحسني والخراساني يوجدون في كل زمان بأشكال مختلفة ودعاوى متلونة، وهم كلهم يجمعهم اسم واحد، وهو: الادعاء والتحريف والتزييف، طلباً لحطام الدنيا وزينتها، وإضلالاً لبسطاء الناس، واستغلالَ عواطفهم الإيمانية المتحفزة لنصرة الإمام والالتفاف حوله.

وقد بدأت حركة ادعاء المهدوية مبكرة في التأريخ الإسلامي، فهناك شواهد تأريخية قليلة يرصدها المتأمل المدقق تدل على أن مِن أوائل مَن ادعى المهدوية معاوية بن أبي سفيان، كما يذكر ذلك الكوراني: حيث ورد في نص بعض محاججاته مع بني هاشم قوله: (وقد زعمتم أن لكم ملكاً هاشمياً ومهدياً قائماً، والمهدي عيسى بن مريم، وهذا الأمر في أيدينا حتى نسلمه إليه)، وعن عبد الرحمن بن أبي عميرة الأزدي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه ذكر معاوية وقال: اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به)[2]، وعن الأعمش عن مجاهد قال: (لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي )[3]، وهي بالطبع من موضوعات معاوية نفسه لدعم مشروعه في حرف الإمامة عن أهل البيت (عليهم السلام)، ثم ورد مثل ذلك في حق موسى بن طلحة بدعم من عائشة، ثم الحسنيين[4]، حتى صار الادعاء موجة في أواخر القرن الأول الهجري على إثر ظلم الأمويين لآل محمد وتسلطهم على رقاب الناس، فكان ذلك أرضية مناسبة لادعاء المهدوية، ثم استمرت الدعاوى الباطلة إلى يومنا هذا بأشكال وألوان مختلفة.

2- حصول التشكيك والإنكار لأصل مسألة الإمام المهدي أو بعض خصوصياته كولادته وحياته أو خروجه في هذه النشأة، أو وجود العلامة الفلانية لظهوره، كالسفياني أو وجود بعض الأعوان له كاليماني والخراساني أو بعض خصوصياتهم وهكذا، قال الشيخ الإيرواني (مده): فكان أوّل من شكك في الولادة جعفر عمّ الإمام المهدي (عليه السلام)، لعدم اطلاعه على الولادة، ووجود تعتيم إعلامي قوي على مسألة ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، نتيجة الظروف الحرجة المحيطة بالإمامة في تلك الفترة، حتى أنّه لم يُجِز الأئمة التصريح باسم الإمام المهدي، فجعفر ما كان مطّلعاً على أنّ الإمام العسكري(عليه السلام) له ولد باسم الإمام المهدي، لذلك فوجئ بالقضية وأنكر أو شكّك في الولادة، فهو أول من شكك، ثم تلاه في التشكيك ابن حزم في كتابه الفِصَل في الملل والأهواء والنِحَل، شكّك في مسألة الولادة فقال: وتقول طائفة منهم ـ أي من الشيعة ـ أنّ مولد هذا ـ يعني الإمام المهدي ـ الذي لم يخلق قط في سنة ستين ومائتين، سنة موت أبيه[5]، وتبعه على ذلك محمد اسعاف النشاشيبي في كتابه الإسلام الصحيح، يقول: ولم يعقّب الحسن ـ يعني العسكري سلام الله عليه ـ ذكراً ولا أنثى[6] [7].

ونحن إذا أردنا أن نقسّم المشككين تقسيماً آخر، فيمكننا أن نقول إن المشككين:

إما أن يكونوا من المسلمين، فهذا القسم ينتشر فيه التشكيك الأول المتقدم، وكذلك الثاني، ولكن في بعض الخصوصيات، وأما التشكيك بأصل مسألة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) (فبالإمكان أن نجد المسلمين متفقين تقريباً على بطلان مثل ذلك، فالإمامية وغيرهم قد اتفقت كلمتهم على أنّه سيظهر في آخر الزمان رجلٌ يتم إصلاح العالم على يده المباركة، وقد دلّت على ذلك آيات كثيرة، كما دلّت على ذلك مجموعة كبيرة من الروايات)[8]، (وقد سلّم بهذه الروايات وبهذه المسألة في الجملة غيرنا من الإخوة العامّة، بما فيهم ابن تيمية وابن حجر[9]، بل في الآونة الأخيرة سلّم بها عبد العزيز بن باز، كما ورد في مجلّة الجامعة التي تصدر من المدينة المنوّرة[10] وذكر أنّ هذه الفكرة صحيحة والروايات صحيحة ولا يمكن إنكارها.

فالمسلمون إذن بشكل عام قد سلّموا بهذه الفكرة، للآيات والروايات، وإذا كان هناك منكر فهو قليل، ويمكن أن يعدّ شاذاً، من قبيل ابن خلدون في تاريخه[11]، وأبو زهرة في كتابه الإمام الصادق[12] ومحمد رشيد رضا في كتابه تفسير المنار[13] في قوله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ)[14]، فإنه حينما يمرّ بها هناك يقول: الروايات ضعيفة، فهو يحاول تضعيف الروايات بمجرد دعوى ذلك لا أكثر)[15].

أو يكونوا من غير المسلمين وهؤلاء لا يمكن النقاش معهم في إثبات ذلك نقلاً، لأن الاقتناع بذلك الدليل النقلي من الآيات والروايات يحتاج إلى إثبات مصداقيتها، وهو يتوقف على معرفة صحة نبوة النبي (صلى الله عليه وآله)، وإمامة الأئمة(عليهم السلام) من بعده، وكذلك إلى صحة القرآن الكريم وأنه صادر من الله تعالى، وقد يحتاج ـ إذا كان الشخص ملحداً أصلاً ـ إلى إثبات وجود الله تعالى وصفاته، فإذاً هذا الطريق من النقاش مسدود معه أو يحتاج إلى إثبات كل ما تقدم، ويكون هو متفرعاً عنه، وقد يتيسر طريق عقلي لإثبات وجود الإمام، ولكنه محل للأخذ والرد، ولا يكون وحده حاسماً، وما يسهِّل الأمر ويهوِّن الخطب أن تأليف هذا الكتاب لم يكن منصباً لغرض الرد على هذا القسم من المشككين ولم يتوجه إليهم أصلاً.

 

[1] (يا كميل، إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها.. فأحفظ عني ما أقوله لك: الناس ثلاثة: فعالم رباني.. ومتعلم على سبيل نجاة.. وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئون بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق...). نهج البلاغة: خطب الإمام علي(عليه السلام): ج4، ص36.

[2] مسند أحمد: ج4 ، ص:216.

[3] تاريخ دمشق لابن عساكر: ج59، ص172، والبداية والنهاية لابن كثير: ج 8، ص 143.

[4] يلاحظ كتاب المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي (عليه السلام): ص213 وما بعدها.

[5] الفصل 3: 114.

[6] الإسلام الصحيح: 348.

[7] الإمام المهدي بين التواتر وحساب الاحتمال للشيخ محمد باقر الإيرواني: ص 30-31.

[8] الإمام المهدي بين التواتر وحساب الاحتمال للشيخ محمد باقر الإيرواني: ص 10.

[9] الصواعق المحرقة: 249.

[10] مجلة الجامعة الإسلامية العدد 3 من السنة الأولى 161 ـ 162.

[11] تاريخ ابن خلدون: ج1، 199.

[12] الإمام الصادق: 199.

[13] تفسير المنار: ج10، 393، سورة التوبة، وله مناقشات حول روايات الإمام المهدي (عليه السلام) راجع 9: 499 - 507.

[14] التوبة: 32.

[15] الإمام المهدي بين التواتر وحساب الاحتمال للشيخ محمد باقر الإيرواني: ص12-13.