المقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين لاسيما بقية الله في الأرضین أرواح العالمين له الفداء.
قال الإمام الباقر (عليه السلام): (بأبي وأمي المسمى باسمي والمكنى بكنيتي السابع من بعدي، بأبي من يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً)[1].
في الحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (إذا كان يوم القيامة جمع الله عز وجل الناس في صعيد واحد ووضعت الموازين فيوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء)[2]، وبتأمل سريع في مغزى هذا الحديث يظهر جلياً أن الغزو الفكري الذي يصيب الأمة الإسلامية أهم وأخطر من الغزو البشري الذي يجتاح بلادهم، ولذا كان الجهاد للعدو الخارجي جهاداً أصغر، بينما جهاد النفس بكل سلبياتها من الأهواء والجهالات والشبهات والمعتقدات الخاطئة جهاداً أكبر، فقد رُوي عن مولانا أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): أنَّ النَّبي بعث سريَّة فلمَّا رَجَعوا قال: (مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر، وبقي عليهم الجهاد الأكبر)، فقيل: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وما الجهاد الأكبر؟ قال: (جهاد النَّفس)[3].
فالإسلام دين الفكر والعلم، ففي الحديث الشريف عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنه قال: (تفكّر ساعة خير من عبادة سنة، إنما يتذكّر أولو الألباب)[4]، ولذا ترى الروايات تحث على طلب العلم وترفع درجة العالم إلى مستوى لا يصل إليه أحد من أفراد الأمة، فهم قادة المجتمع في كل مفاصله، من الصلاة التي هي عمود الدين، فعن الصادق (عليه السلام): (الصلاة خلف العالم بألف ركعة، وخلف القرشي بمائة، وخلف العربي خمسون، وخلف المولى خمس وعشـرون)[5]، مرورا بالقضاء وفَضِّ الخصومات، فإنها لا تصح إلا من قبل الحاكم الشرعي وهو المجتهد من العلماء، إلى أخذ معالم الدين، ففي التوقيع الشريف: (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله عليهم)[6].
وما ذاك الاهتمام ورفعة المقام للعلماء إلا إدراكاً لخطورة التشويه الفكري المحتمل والغزو الثقافي المرتقب من قبل شياطين الإنس على النموذج الإلهي الذي ارتضاه للإنسان في كل أبعاد حياته الفكرية والنفسية والجسدية والروحية، من عبادة ومعتقدات تضمن له حياةً في هذه الدنيا بسعادة، وعاقبةً في الآخرة في رضوان وجنان.
فهذا النموذج الإلهي وهو الإسلام، من أَنفَس ما يحصل عليه الإنسان فكراً وتطبيقاً، ولذا يجب عليه صونه والمحافظة عليه، ولكن الناس لا تقدر أن تحافظ عليه، بأن تُمَيِّز الخطأ من الصواب في كل مفصل من مفاصل حياتها فتجتنب الخطأ وتأخذ بالصواب، لعجز إدراكها عن ذلك في أحيان، وتلبيس الملبسين للباطل بلباس الحق في أحيان أخرى، فلذا كان دور العلماء عظيماً في إيضاح المعتقدات والمهمات من مسائل الدين، وإزالة الشبهات ودفع مكائد الشياطين من الإنس والجن أجمعين عن ضعاف الشيعة، فقد ورد في الحديث الشريف عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) في قول الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[7]، يقول: (...(ورابطوا) ... في سبيل الله ونحن السبيل فيما بين الله وخلقه، ونحن الرباط الأدنى، فمَن جاهد عنّا فقد جاهد عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وما جاء به من عند الله...)[8]، وعن جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) قال: (علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعوهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته والنواصب، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة، لأنه يدفع عن أديان محبينا وذلك يدفع عن أبدانهم)[9].
ومن جملة ما وقع فيه التشكيك مسألة الإمام المهدي (عليه السلام)، فإن هذه الفكرة من جملة الأفكار المتجذرة في النفسية الإنسانية منذ القدم وذلك لأمرين:
1- واقع الحياة الدنيا المليئة بالظلم والعدوان والذي يضغط على المستضعفين في هذه الحياة ـ وهم أكثر سكانها ـ فيُلجِئهم فطريا إلى ترقُّب منقذٍ مخلِّص يزيح عنهم هذا الظلم وينشـر العدل والمحبة والسلام في الأرض، ونظرة سريعة إلى الأديان غير السماوية المختلفة في الأرض المتمثلة ـ بالإضافة إلى طقوسهم وعباداتهم ـ بجملة كتبهم وتراثهم الفكري المجسد لها، سواء عن طريق الكتب الرسمية لتلك الديانات أو إفرازاتها الثقافية في المجتمع المتمثلة بالأدب الديني من القصة أو القصيدة أو المسرحية التي يبدعها مثقفو تلك الديانات، أو غيرها، كل ذلك يؤكد عالمية هذه المسألة.
2- الأديان السماوية الحقة السابقة على الدين الإسلامي، فإنها تشترك جميعا في هذه الفكرة وتؤكدها، والتي بقي منها بعض الآثار في النصوص الواصلة إلينا، وإن كانت مُحرَّفة، لتؤكد على قوة طرح هذه الفكرة في الأديان السابقة وتجذّرها فيها[10]، ويشير إليها قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)[11].
بل يمكن إرجاع النقطة الأولى ـ بشيء من التأمل ـ إلى النقطة الثانية، وذلك بأن نفترض ـ افتراضاً تساعد عليه جملة من النصوص الدينية ـ أن الأنبياء منذ آدم أبو البشر إلى آخرهم وهو عيسى على نبينا وآله وعليهم الصلاة والسلام، كما كانوا يبشـرون بنبوة الخاتم (صلى الله عليه وآله) كذلك كانوا يبشـرون بوجود المنقذ والمُخلِّص في آخر الزمان، مما جعل هذه الفكرة فكرة اجتماعية راسخة في الذهنية العامة لدى الناس، وذات مقبولية تامة عندهم لانسجامها مع الفطرة البشـرية، فظهرت هنا وهناك في الديانات غير السماوية أو الآثار الأدبية في المجتمعات المختلفة.
أما في الدين الاسلامي فقد بدأ التثقيف لها منذ زمن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) في أحاديث كثيرة رواها الفريقان حتى صارت بسبب كثرتها من ضروريات الدين ومن جملة المتواتر عنه إجمالاً، وبعد ذلك استمر هذا التثقيف بشكل أكثر تركيزاً في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) حتى لا نكاد نجد إماماً من أئمتهم (عليهم السلام) يخلو ما أُثِر عنه من حديث عن ذكر للمهدي الموعود (عليه السلام) ـ كما سيتضح مما سيأتي في الفصل الثالث ـ ، بل كان الشيعة يترقبون ظهوره وانطباق الروايات الدالة عليه في كل إمام جديد من الأئمة (عليهم السلام) حتى سأل بعضهم الإمام صريحاً عن ذلك، فمن ذلك ما ورد عن يونس بن عبد الرحمن قال: دخلت على موسى بن جعفر (عليهما السلام) فقلت: يا بن رسول الله أنت القائم بالحق؟ فقال: (أنا القائم بالحق، ولكنّ القائم الذي يطهرّ الأرض من أعداء الله ويملؤها عدلاً كما مِلئت جوراً، هو الخامس من ولدي...) الخبر[12]، ومنها ما عن مسعدة قال: كنت عند الصادق (عليه السلام) إذ أتاه شيخ كبير قد انحنى متَّكياً على عصاه فسلّم فردّ أبو عبد الله الجواب، ثمَّ قال: يا بن رسول الله ناولني يدك أقبّلها فأعطاه يده فقبَّلها ثمَّ بكى، فقال أبو عبد الله: ما يبكيك يا شيخ؟ قال: جعلت فداك يا بن رسول الله أقمت على قائمكم منذ مئة سنة، أقول هذا الشهر، وهذه السنة، وقد كبرت سنّي، ورقّ (دقّ نخ) عظمي، واقترب أجلي، وأرى فيكم ما لا أحب: أراكم مقتَّلين مشرَّدين، وأرى عدوّكم يطيرون بالأجنحة فكيف لا أبكي؟ فدمعت عينا أبي عبد الله (عليه السلام)، ثمَّ قال: (يا شيخ إن أبقاك الله حتى ترى قائمنا كنت معنا في السنام الأعلى، وإن حلّت بك المنيَّة جئت يوم القيمة مع ثقل محمَّد (صلى الله عليه وآله): ونحن ثقله قد قال: إنّي مخلِّف فيكم الثقلين فتمسَّكوا بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي)، فقال الشيخ: لا أبالي بعد ما سمعت هذا الخبر ثمَّ قال: (يا شيخ اعلم أنَّ قائمنا يخرج من صلب الحسن والحسن يخرج من صلب عليّ وعليّ يخرج من صلب محمّد ومحمَّد يخرج من صلب عليّ وعليّ يخرج من صلب ابني هذا ـ وأشار إلى موسى(عليه السلام) ـ وهذا خرج من صلبي، ونحن إثنا عشر كلّهم معصومون مطهرون ...) الحديث[13]، ومنها ما عن أيّوب بن نوح قال: قلت لأبي الحسن الرضا: إنّا نرجو أن تكون صاحب هذا الأمر وأن يسوقه إليك عفواً بغير سيف فقد بويع لك وضربت الدراهم باسمك... الخبر.[14]
[1] بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج36 ص394.
[2] من لا يحضره الفقيه للصدوق: ج4، ص 399.
[3] وسائل الشيعة للحر العاملي: ج11، ص122.
[4] بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج15، ص195.
[5] المصدر السابق: ج85 ص5.
[6] كمال الدين وتمام النعمة للصدوق: ص484، وسائل الشيعة للحر العاملي: ج27، ص140.
[7] سورة آل عمران: 200.
[8] بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج 7، ص135، البرهان في تفسير القرآن للسيد هاشم البحراني: ج1، ص335 ، الصافي في تفسير القرآن للفيض الكاشاني: ج1، ص323.
[9] الاحتجاج: ص17.
[10] فهناك جملة من النصوص في العهد القديم والجديد تشير إلى الإمام المهدي (عليه السلام) نحو إشارة، منها ما في سِفر إشعيا، الإصحاح الحادي عشر: 11 :1 و يخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله 11 :2 ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب 11 :3 ولذته تكون في مخافة الرب فلا يقضي بحسب نظر عينه ولا يحكم بحسب سمع اذنيه 11 :4 بل يقضي بالعدل للمساكين ويحكم بالانصاف لبائسي الأرض ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه 11 :5 ويكون البر منطقة متنيه والأمانة منطقة حقويه 11 :6 فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمن معا وصبي صغير يسوقها 11 :7 والبقرة والدابة ترعيان تربض أولادهما معا والأسد كالبقر يأكل تبنا 11 :8 ويلعب الرضيع على سرب الصل ويمد الفطيم يده على حجر الأفعوان 11 :9 لا يسوؤون ولا يفسدون في كل جبل قدسي، لأن الأرض تمتلئ من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر 11 :10 ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسى القائم راية للشعوب إياه تطلب الأمم ويكون محله مجدا 11 :11 ويكون في ذلك اليوم أن السيد يعيد يده ثانية ليقتني بقية شعبه التي بقيت من آشور ومن مصر ومن فتروس ومن كوش ومن عيلام ومن شنعار ومن حماة ومن جزائر البحر.
[11] سورة الأنبياء: 105.
[12] كمال الدين للصدوق: ج 2 ص 361 ب 34 ح 5.
[13] بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج 36، ص 409.
[14] غيبة النعماني: ص 168، ب 10، ح 9، كمال الدين: ج 2، ص370، ب 35، ح 1 نحوه.