100%
اليماني الموعود وعلامات الظهور

العلامة الثانية: (خروج السفياني)

العلامة الثانية: (خروج السفياني):

من الأمور التي تلفت أنظار الباحثين في هذا الشأن، أن روايات أهل البيت (عليه السلام) أعطت تفاصيل كثيرة لهذه الشخصية الأموية، وذلك لما يحمله من عداء ومشروع مناوئ لمشروع الرسالة الإلهية المتمثلة بأهل البيت (عليه السلام) هذا من جهة، ومن جهة أخرى جعلت الروايات هذه الشخصية من حتمية العلامات لخروج الأمام المنتظر (عجل الله فرجه) فجاءت الروايات في السفياني الملعون على ثلاثة أصناف:

1- روايات تتحدث عن تحديد هويته وصفته.

2- روايات تتحدث عن وصف حركته ومدة حكمه وخروجه.

3- روايات تحدّثت عن نهايته ونهاية دولته على يد الأمام المهدي (عجل الله فرجه).

فمن الصنف الأول: ما جاء في اسمه وصفته وهويته، من أنه عثمان بن عنبسة[1] ويحتمل قوياً أن هذا الاسم رمزي يشير الى أمرٍ ما علمه أهل البيت (عليهم السلام)، وكذا عنبسة الذي هو أحد أسماء الأسد، لأن الأسد صفته العبوسة في وجههه. وكذا نفس لقبه بالسفياني، فأنه يشير الى أصله الأموي إما من أولاد عتبة أو أولاد معاوية بن أبي سفيان كما أشارت إليه بعض النصوص.

كما إن نسبته السفياني يشير الى نسبته الفكرية والعقائدية القائمة على العداء لأهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم، كما في زماننا هذا مثلاً بالوهابية السلفية ومن تبعهم.

وجاء في صفته أنه ضخم الهامة، وفي وجهه أثر الجدري، وأنه وحش الوجه، وفسر ذلك: أنه إذا رأيته تستوحش [2] وإنه إذا رأيته رأيت أخبث الناس، وأنه أشقر أحمر أزرق [3] ويحتمل أن هذا كناية عن دهائه ومكره وتقلبه في الامور، كما يحتمل: أن صفته الجسدية كذلك، ويحتمل أيضاً: أحمر إشارة الى الشرق، وأزرق إشارة الى الغرب، وأنه يعرّف نفسه بأنه السفياني، ويقتل أم ولد له (يعني إحدى زوجاته) ويدفنها وهي حيّة.

ويظهر أن السفياني الملعون مسلم ظاهراً، أي منافق، يبطن الكفر، وهو ما عبَدَ الله قط حتى بلمحة الى السماء، ولم يرَ مكة ولا المدينة وليس نصرانياً كما توهم بعضٌ بسبب ما ورد من انه يأتي من الروم متنصراً وفي عنقه الصليب، لأن في هذا الحديث إشارة الى قدوم السفياني الى الشام حاملاً المشروع الغربي، الذي تقلّده الحكومات الغربية النصـرانية، بديلاً من حاكم الحجاز والعائلة المالكة أو غير ذلك.

وفي عنقه الصليب [4] يدل أنه مطوّق بهذا المشروع، لا أنه يحمل الصليب حقيقة لأن بعض الأخبار تصفه بأنه رجل له دين يخطب على منبر الشام، ويفرح عامة أهلها بقدومه إلا طوائف أقامت على الحق، نعم يدعوه لتسلّم زمام الحكم خواله المسيح وهم بنو كلب.

وأما الصنف الثاني ففي حركته:-

فقد ذكرت بعض الروايات أنه بعد اشتداد الصراع في الشام بين راية الأصهب وراية الأبقع يدعو السفيانيَ أخوالُهُ من بني كلب ثلاث مرات فيجيبهم في الثالثة، ويقبل منهم، فيأتي من الروم – أي الشعوب الغربية – حاملاً المشـروع الغربي بشعار وذريعة (يا ربي ثأري والنار)، ولعل هذا الشعار يشير الى ثأر يطلبه من الحكومة[5]، وخروجه لمقاتلة رايتي الأصهب والأبقع يكون من الوادي اليابس، وهي الحدود السورية الأردنية، يعني دخوله ودخول جيشه من جهة الأردن[6].

وبعد دخوله من هذه المنطقة، يبدأ بقتال الأبقع، وهو ما تخالف لونه، أو خالط بياضه لون آخر، ويقال للغراب أنه أبقع إذا كان فيه بياض، وهو أخبث الغربان [7]،
وقيل: الأبقع صفة يلقب بها خدّام بني أميّة وعبيدهم ومماليكهم.

والأبقع هذا صاحب جيش يقاتل حاكم الشام، ولكن يأتي السفياني يفتك به وبجيشه، ولما يقضي عليه، يبدأ بمحاربة حاكم الشام الأصهب: والأصهب هو الأشقر وسمي ّ به الأسد لصهبة لونه [8]، فيهرب الأصهب أو يقتله السفياني، فتخلو للسفياني الشام، ويحكم الكور الخمس، (فلسطين، وقنسرين(حلب)، ودمشق، وحمص، والأردن)، ومدة حكومته عليها خمسة عشر شهراً[9].

فإذا حكم الكور الخمس خمسة عشر شهراً فستة أشهر منها يقاتل فيها، وتسعة أشهر يتحرك جيشه نحو العراق ومكة والمدينة، وعند تحركه نحو العراق يمر جيشه بقرقيسيا وهي المنطقة الواقعة على مصب نهر الخابور فما دون وهي تشمل الحدود العراقية السورية التركية من ديار بكر ودير الزور وحتى القامشلي وأطراف الموصل وما والاها، ولعل سبب هذه الحرب هو خروج كنز من الفرات، وكل من الدول المجاورة تدّعي أن هذا الكنز لها، فتحدث حرب طاحنة بين جيش السفياني وبين من يسيطر على تلك المناطق من القوى المحيطة والأقوام القريبين منها، فيقتل فيها أكثر من مائة ألف حتى تبقى أجسادهم في العراء فتشبع الطيور والسباع من لحومهم، وهي مأدبة الله سبحانه وحرب جبابرة، ثم يخرج جيش السفياني من هذه المعركة منتصراً، ولا يكون همه سوى الدخول الى العراق للانتقام من آل محمد (صلى الله عليه وآله) وشيعتهم[10]، وبعد دخوله العراق يقوم بقتل كثير ممن يقف بوجهه من قبائل ومنظمات تلك المناطق الواقعة غرب شمال العراق، حتى يصل بهم القتل الى منطقة عقرقوف والدجيل، يعني قرب بغداد وحدودها، والى هذا أشارت رواية أهل البيت (عليهم السلام) من أنه كفى بالسفياني نقمة على عدوكم.

ثم يأتي جيشه الى بغداد الزوراء، فيقتل ثلاثة أكبش وثلاثمائة من قوّادها، وهنا أودّ أن أنبه القارئ:-

من أن السفياني لا يمثل خطراً على شيعة أهل البيت (عليهم السلام) بقدر ما يكون خطره على أعداء أهل البيت (عليهم السلام)، والروايات التي أشارت اليه، إنما أشارت الى كونه علامة قريبة لظهور الأمام المهدي (عليه السلام) وهذا الذي ركزت عليه الأخبار، كما أشارت بعض الأخبار الى أن الله عز وجل يهيئ من ينقذ شيعة أهل البيت (عليهم السلام) ومقدساتهم من بطشه من قوى اقليمية موالية، وهي راية اليماني من اليمن وراية الخراساني، فإنهما يدخلان الى العراق في نفس السنة ونفس الشهر ونفس اليوم الذي يدخل فيه جيش السفياني الى العراق[11].

نعم، هناك بعض الشخصيات الموالية للسفياني تخرج في العراق تمّهد له بحيث تقضي على شخصيات ليست بالقليلة من الشيعة، وهو صاحب البرقع، فعن عمر بن أبان الكلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:(كأني بالسفياني أو لصاحب السفياني قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة، فنادى مناديه: من جاء برأس (رجل من) شيعة علي فله ألف درهم، فيثب الجار على جاره ويقول: هذا منهم، فيضرب عنقه ويأخذ ألف درهم. أما إن إمارتكم يومئذ لا تكون إلا للأولاد البغايا وكأني أنظر الى صاحب البرقع، قلت: ومن صاحب البرقع ؟ فقال: رجل منكم يقول بقولكم يلبس البرقع فيحوشكم فيعرفكم ولا تعرفونه، فيغمز بكم رجلاً رجلاً أما أنه لا يكون إلا ابن بغي))[12].

والمراد من الكوفة في هذا النص هو العراق، وليس المدينة المعروفة حالياً  وكما تخرج حركة تقاوم السفياني، ولكنها ضعيفة كما أشارت إليه رواية البحار بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) في خبر طويل أنه قال: ((.....ولا يكون ذلك حتى يخرج من آل أبي سفيان، يملك تسعة أشهر كحمل المرأة، ولا يكون حتى يخرج من ولد الشيخ، فيسير حتى يُقتل ببطن النجف، فوالله كأني أنظر الى رماحهم وسيوفهم وأمتعتهم الى حائط من حيطان النجف، يوم الأثنين، ويستشهد يوم الأربعاء))[13].

وهذا الخبر يشير الى رواية الباقر (عليه السلام) أيضاً في خبر طويل جاء فيه: ((.......... ثم يخرج رجل من موالي أهل الكوفة في ضعفاء، فيقتله أمير جيش السفياني بين الحيرة والكوفة، ويبعث السفياني بها بعثا (ويعبث السفياني بها عبثاً) فيتوجه الى المدينة فينفر المهدي منها الى مكة، فيبلّغ أمير جيش السفياني أن المهدي قد خرج الى مكة فيبعث جيشاً على أثره فلا يدركه، حتى يدخل مكة خائفاً يترقب على سنة موسى بن عمران (عليه السلام).....))[14]

قال: فينزل أمير جيش السفياني البيداء فينادي منادٍ من السماء، يا بيداء بيدي القوم، فيخسف فيهم، فلا يفلت منهم إلا ثلاثة نفر، يحوّل الله وجوههم الى أقفيتهم، وهم من كلب، وفيهم نزلت هذه الآية ((يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلّنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً فنردّها على أدبارها))[15].

وبهذا نكتفي في إعطاء صورة لحركة السفياني الملعون.

وأما الصنف الثالث من روايته:-

فقد ذكرت الأخبار، أن الأمام المهدي(عليه السلام) بعد تحريره الشام، يؤتى بالسفياني إليه، فيقتله أصحاب الأمام المهدي(عليه السلام) [16] هذا بعد أن يحرر الإمام المهدي مكة من النواصب وكذا المدينة مرتين[17]،ثم يتوجه الى العراق فيقاتل طوائف فيه:-

الاولى:- طائفة البترية، وهم الذين بتروا ولائهم لأهل البيت (عليهم السلام)، لأنهم لم يتبرؤا من أعدائهم، بشعار الامام المهدي (عليه السلام)، الذي يدعو للبراءة من أعدائهم لاسيما أعداء جدته فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وهذا يعني لا تقية عند خروجه روحي فداه، فهذه الطائفة تقف بوجه الامام المهدي (عليه السلام) هم وأحزابهم وقادتهم الذي تسـربلوا بلباس الدين، فيلقي الامام المهدي (عليه السلام) عليهم خطابا، ولكنهم يأبون عنه، فيقاتلهم بعد أن يعتدوا على أحد أصحابه[18].

الثانية:- بقايا جيش السفياني في العراق الذين يقاتلهم الأمام المهدي (عليه السلام) من جهة شمال العراق وجهة الجنوب، كرميلة الدسكرة، والاهواز[19].

الثالثة:- وأيضا يقاتل بقاعا من جهة الشمال وأقواما يقفون بوجهه غير بقايا جيش السفياني [20]، وبهذا القدر أكتفي لإعطاء صورة للقارئ عن السفياني الملعون وتحركه من خلال ما ذكرته الأخبار.

 

[1] انظر كمال الدين للصدوق: ج2، ص590، ح9.

[2] كمال الدين للصدوق: ج2، ص590، ح9 أيضاً.

[3] المصدر السابق: ج2، ص590، ح10.

[4] بحار الأنوار:  ج52، ص430، ح75.

[5] بحار الأنوار: ج52، ص454، ح146.

[6] غيبة الطوسي: ص305، ح16.

[7] لسان العرب: ج8، ح 17.

[8] تاج العروس: ج1، ص672.

[9] غيبة الطوسي: ص300، ح1.

[10] بشارة الإسلام: ص131.

[11] تقدم في النص السابع عشر، ويوجد غيره كثير.

[12] غيبة الطوسي: ص450، ح453.

[13] بشارة الإسلام، ص185.

[14] بشارة الإسلام، ص126.

[15] سورة النساء الآية 47.

[16] انظر النص الرابع عشر، ويوجد غيره كما في عقد الدر، ص121، وص120.

[17]  بحار الأنوار للمجلسي: ج52، ص387، ح202.

[18]  بحار الأنوار للمجلسي: ج52ص 378، ح205.

[19]  المصدر السابق: ج52، ص375، ح174.

[20]  المصدر السابق: ج52، ص363، ح136.