100%

4- تصنيف العلامات:

عند الرجوع إلى الأخبار نجد أن العلامات يمكن تصنيفها إلى أصناف أربع:

1- العلامات العامة.

2- علامة العلامة.

3- علامة قريبة من عصر الظهور.

4- علامات حتمية الوقوع.

والصنف الأول (العلامات العامة) يمكن جريان البداء فيها، كما أن وقوعها يختص بزمان دون آخر، بل قد يشمل جميع الأزمنة، أو أنهَّا وقعت ولكنها غير متصلة بالظهور.

وقد تكون بعض الاخبار الواردة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) مجرد بيان بداية تغيّر نفوس المجتمعات التي تمهّد لفكرة الغيبة، وما يأتي بعدها من أمور، آخرها الظهور المبارك، حيث يبقى المؤمنون دائماً في حالة الاستعداد لظهور المنقذ والارتباط به غيباً ارتباط المأموم بإمامه، فلذا يمكن جريان البداء فيها، وإن الله عز وجل له المشيئة، إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وهو قوله تعالى: (يَمْحُوا الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)[1].

وهذا بخلاف العلامات الحتمية، وعلامات العلامات الحتمية، فإن البداء لا يجري فيها، ولا ينالها لوح المحو والإثبات بل خطت في لوح القضاء الذي لا يُردُ ولا يبدل، فهي كائنة لا محالة، ودل على ذلك بعض الأخبار، فمنها ما عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (إن من الأمور أموراً موقوفة، وأموراً محتومة، وإن السفياني من المحتوم الذي لابدَّ منه)[2].

تساؤلان مطروحان:

1- التساؤل الأول:

جاء في كتاب غيبة الطوسي[3] بسنده عن داود بن القاسم: (كنّا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا (عليه السلام)، فجرى ذكر السفياني وما جاء في الرواية من أنّ أمره من المحتوم، فقلت لأبي جعفر: هل يبدو لله في المحتوم؟ قال (عليه السلام): نعم.

قلنا له: فنخاف أن يبدو لله في القائم.

فقال (عليه السلام): (إن القائم من الميعاد، والله لا يُخلف الميعاد) انتهى.

فيقال:

إن هذه الرواية صريحة في جريان البداء والتبدل في المحتوم، فكيف يُقال إن المحتوم لا يجري فيه البداء؟

وجوابه:-

إن لهذهِ الرواية عدة من التوجيهات، لأنها لا تصمد أمام الروايات الكثيرة المستفيضة التي صرح البعض منها (بأنه من المحتوم كما في رواية حمران بن أعين عن الباقر(عليه السلام) الآتية، والوجوه هي كالتالي أصحها الأخير عندنا:

الوجه الأول: ما ذهب إليه بعضهم من أن المراد من المحتوم في هذهِ الرواية، هو ما كان محتوماً بحسب الظاهر لعدم كونه موقوفاً على شيء، فتغيرها مما لا ضير فيه، والمراد بالمحتوم الذي لا يقع فيه البداء، هو ما صُرّح بحتميته، وأنه لا يتغير ولا يتبدل، فتبدّله تكذيبه لنفسه ولقائله.

أقول: وهذا الوجه لا دليل عليه، كما أن رواية حمران الآتية - في التساؤل الثاني -
التي أقسم فيها الإمام الباقر (عليه السلام)، وأكّد على أن السفياني من المحتوم، تنفي مدعى كون المحتوم منه ما هو بحسب الظاهر.

الوجه الثاني: ما ذهب إليه العلامة المجلسي(قدس سره) في البحار[4]، ومن تبعه، من أن المحتوم هو الذي لا يتبدل ولا يجري فيه البداء، وإنما يجري البداء في خصائصه، فخروج السفياني من المحتوم، ولكن ما يتعلق به من علامات وخصائص لحركته يمكن أن يجري فيها البداء، وإلى هذا أشارت هذهِ الرواية.

وهذا الوجه هو الآخر لا دليل عليه، بل خلاف ظاهر الرواية، مضافاً إلى أن خصائص المحتوم محتومة أيضاً، فتحركه العسكري وكيفية خروجه وما يتعلق به من علامات هي أيضاً محتومة، لأنها من لوازمه.

الوجه الثالث: وهو الوجه الذي نروم إليه ونعتقد بصحته، من أن الإمام الجواد (عليه السلام) أراد أن يرفع شبهة تعتري السائل والجماعة الحاضرين في مجلسه، وهذهِ الشبهة هي تخيلهم أن المحتوم هو غير المقدور عليه، فأجاب الإمام (عليه السلام) بـ (نعم)، أي أنه مقدور عليه ويبدو لله فيه، بمعنى أن الله تعالى قادرٌ على كل شيء بقدرته المطلقة.

وبعبارة أوضح:

أراد الإمام (عليه السلام) أن يقول: إن المحتوم وإن خُط في لوح القضاء الذي لا يُبدل، لكنه لا يخرج عن القدرة الإلهية، نظير ما كتبه الله عز وجل، من قضائه الذي جرى على أنبيائه وأوليائه، وما جرى من مصائب على أهل
البيت (عليهم السلام).

وبهذا يتضح أن العلامات العامة يمكن جريان البداء فيها، أي يمكن أن تحدث ويمكن أن لا تحدث لمصلحة يراها الله عز وجل، وأما العلامات الحتمية وخصائصها من العلامات فلابد من وقوعها. كما أن العلامات الحتمية بمثابة الشرائط لظهور الإمام المنتظر (عجل الله فرجه) وهي الفيصل في باب العلامات.

التساؤل الثاني:-

جاء في غيبة النعماني بسنده عن حمران بن أعين، عن ابي جعفر محمد بن
علي(عليهم السلام) في قوله تعالى: (ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) قال (عليه السلام): (إنهما أجلان: أجل محتوم، وأجل موقوف.

فقال له حمران: ما المحتوم؟

قال: الذي لله فيه المشيئة.

قال حمران: إني لأرجو أن يكون أجل السفياني من الموقوف.

فقال أبو جعفر(عليه السلام): لا والله إنه لمن المحتوم)[5]. انتهى.

يقال: ذكر آنفاً، إن المحتوم هو الذي خُط في لوح القضاء الذي لا يبدل والذي لم يجرِ فيه البداء. إن شاء لم يفعل، والحال أن هذهِ الرواية تذكر أن المحتوم لله فيه مشيئة.

وجوابه:

1- إن المشيئة في هذهِ الرواية غير المشيئة التي هي إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، لأن المشيئة في هذهِ الرواية جاءت نكرة غير معرّفةٍ بالألف واللاّم، ومن ثم يكون معنى كلام الإمام (عليه السلام): شاء الله تعالى أن يكون خروج السفياني من المحتوم الذي لا يبدل، وهذا نظير قول الإمام الحسين (عليه السلام): (شاء الله أن يراني قتيلاً...).

فالمشيئة في هذهِ الرواية بمعنى الإرادة، أي أن الله عز وجل أراد ذلك.

2- ولو كان المراد من المشيئة في الرواية، إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، فإنهما تجري في أجل السفياني، أي في زمن خروجه إذ أن خروجه قابل للتقديم والتأخير، ونظيره خروج القائم (عليه السلام)، فإنه أيضاً قابل للتقديم والتأخير، ومن أسباب التقديم الدعاء له بالفرج.

 

[1] سورة الرعد: آية39.

[2] غيبة النعماني: ص301.

[3] غيبة النعماني: ص314/ سند الرواية: (أخبرنا محمد بن همام، قال حدثنا محمد بن أحمد بن عبد الله الخالنجي: قال حدثنا ابو هاشم داود بن القاسم الجعفري قال...).

قد يقال: إن سندها ضعيف بمحمد بن أحمد بن عبد الله الخالنجي، إذ لم يرد في كتب الرجال فهو مهمل، ولكنه يقال: إن النجاشي ذكر محمد بن أحمد بن عبد الله خانبه، ص346/ ص935، ووثقه، فيحتمل في لقبه التصحيف، فخانبه قريب لخالنجي، فتأمل.

[4] بحار الأنوار: ج52، ص250.

[5] غيبة النعماني: ص312.