إن لعلامات الظهور المذكورة في أخبار أهل البيت(عليهم السلام) حكما وفوائد، ويمكننا أن نستقرئ جملة منها، جاءت على لسان المعصومين(عليهم السلام).
1- في البحار عن الكافي بسنده عن الرحمن بن مسلمه الجريري أنه قال: (قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): يوبخونا أنا نقول: صيحتان تكونان، يقولون من أين نعرف المحقة من المبطلة إذا كانتا؟ فقال(عليه السلام): ماذا تردون عليهم؟ قلت: ما نرد عليهم شيئاً، فقال(عليه السلام): قولوا يُصدّق بها - إذا كانت - من كان يؤمن بها من قبل، إن الله عزوجل يقول: (أفمن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)[1] )[2].
نلاحظ أن الإمام(عليه السلام)، يبيّن للراوي، أن معرفة ما ورد عنهم(عليهم السلام) من أخبار تميز الصيحة المحقة وهي صيحة جبرائيل(عليه السلام) في أول نهار ليلة ثلاث وعشرين من رمضان عن الصيحة المظلة وهي صيحة الشيطان في آخر النهار، تنجي من هلكة ضلال المؤمنين، وهذهِ المعرفة إنما تأتي من خلال الاطلاع على آثار الأئمة (عليهم السلام).
وثقافته في علامات الظهور، وفي رواية أخرى عن زرارة بن أعين، قال: (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ينادي منادٍ من السماء: إن فلاناً هو الأمير، وينادي منادٍ، إن علياً وشيعته هم الفائزون، قلت: فمن يقاتل المهدي بعد هذا؟ فقال: إن الشيطان ينادي: إن فلاناً وشيعته هم الفائزون- لرجلٍ من بني أمية- قلت: فمن يعرف الصادق من الكاذب؟ قال: يعرف الذين كانوا يروونَ حديثنا، ويقولونَ: إنه يكون قبل أن يكون، ويعلمون أنهم هم المحقوّن الصادقون)[3].
2- إن معرفة المؤمن بعلامات الظهور، تكسبه بصيرة تقيه من الانزلاق في الفتن، وتحفظ إيمانه من الانجرار وراء الصرخات الكاذبة، وإلى هذا أشار الإمام الباقر(عليه السلام)، فعن جابر الجعفي، قال أبو جعفر(عليه السلام): (ياجابر: إلزم الأرض ولا تحرّك يداً ولا رجلاً حتى ترى علامات... إلخ)[4].
وقوله(عليه السلام): (لا تحرّك يداً ولا رجلاً) أي لا تلجأ إلى الاتجاهات المضلة التي تظهر في زمن الفتن حتى ترى العلامات.
3- إن لمعرفة علامات الظهور دوراً مهماً أشارت إليه بعض الأخبار، وهو انتظار الفرج، كما ورد عنهم(عليهم السلام) (أفضل الأعمال انتظار الفرج)[5]، إذ عبّرت هذهِ الرواية وغيرها عن أن انتظار الفرج عمل، وهذا يعني ان المنتظر ينظّم أمره، ويعمل بما يرضي مولاه في زمان غيبته حتى ظهوره، وليس المراد بالانتظار الاتكال والتقاعس، ألا تنظر إلى من يرتقب مجيئ ضيف يزوره يهيئ له الطعام، ويكنس له المكان، ويلبس الملابس اللائقة به لأجل ذلك الضيف، فكيف إذا كان الذي يرتقبه المؤمنون هو حجة الله على الأرض، وواسطة الفيض الإلهي على الخلق، وهو الإمام المهدي (عجل الله فرجه).
فالمراد من الانتظار هو العمل الدؤوب، والتهيئة الروحية لاستقبال المنقذ.
4- إن الثقافة بعلامات الظهور تولّد جانباً تربوياً للأجيال المؤمنة، فهي تثبت العقيدة بالإمام المهدي(عليه السلام)، وتزرع الأمل في نفوسهم، وبها يرتفع اليأس.
وهذا هو معنى الإيمان بالغيب وبالوعد الإلهي، وهو من الأركان التي يعتمد عليها، وأشارت إليه الروايات في تفسير قوله تعالى: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)[6])[7].
أي يؤمنون بالإمام المهدي (عليه السلام)، وجاء عن عمر بن أبان، أنه قال: (سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: اعرف العلامة، فإذا عرفت لم يضرك تقدّم هذا الأمر أم تأخر...)[8] وفيه إشارة إلى أن نفس معرفة العلامة فيها فائدة.
5- إن تواتر أخبار أهل البيت(عليهم السلام) عن علامات آخر الزمان يثبت مقاماً من مقاماتهم، وهو اطلاّعهم على الغيب الذي لا يُطلعه الله عزوجل الا لخاصة أوليائه (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً)[9].
فما إخبارهم عن العلامات الاّ من جهة الاطلاّع على الغيب، فلا بد من تصديقه والاخذ به بشروطه، لأنهم معصومون، وأما ما يَرِدُ عن غيرهم من إخباراتٍ وتكهّنات، فإن كانت مأخوذة منهم(عليهم السلام) أو وجد لها مؤيد وشاهد من أحاديثهم فيؤخذ به، والاّ كان رجمٌ بالغيب، لأن مقام الاخبار عن المغيبات مختص بهم (صلوات الله عليهم).
[1] سورة يونس: آية35.
[2] بحار الأنوار: ج52، ص483.
[3] غيبة النعماني: ص272.
[4] المصدر السابق: ص279.
[5] بحار الأنوار: ج52، ص128، باب فصل انتظار الفرج.
[6] سورة البقرة: آية2.
[7] في البحار: ج51، ص43، ح29/ عن يحيى بن ابي القاسم، قال: (سألت الصادق (عليه السلام) عن قوله الله عزوجل: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) فقال: المتقون شيعة علي (عليه السلام)، وانا الغيب فهو الحجة الغائب وشاهد ذلك قول الله تعالى: (وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُنْتَظِرِينَ).
[8] بحار الأنوار: ج52، ص382.
[9] سورة الجن: آية 26-27.