بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه نبيه محمد وآله الطاهرين ولاسيما بقية الله الأعظم والحجة على العالمين المهدي من آل ياسين، روحي له الفداء وأرواح العالمين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين..
اخبر القران الكريم عن سنن تاريخية واجهت الأنبياء والأولياء على مرِّ العصور والدهور، ومن هذه السنن سنة الخذلانُ، وعدم نصرة الأمم لأنبياء الله وأوليائه، وعدم الأخذ بالشرائع السماوية والقوانين الإلهية، مما أدى هذا الخذلان إلى تفاقم ذروة التزاحم في الأرض، واستعلاء الطواغيت على الأمم، وإفشاء الجور والفساد في أرجاء المعمورة، وظهوره في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، فالقرآن الكريم قد أخبر في مواضع متعددة وآيات كثيرة عن هذهِ السنة، فتارة يخبر عن خذلان قوم صالح النبي(عليه السلام) بقوله تعالى: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا)([1]).
وأخرى يتحدث القرآن الكريم عن قوم شعيب (عليه السلام) بقوله تعالى: (قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ)([2]).
وهكذا في سائر الأنبياء والأولياء، حتى وصل الدور إلى نبينا الخاتم محمد (صلى الله عليه وآله)، حيث أن القرآن الكريم خاطبه بهذهِ السنة، وأنبأه أنها جارية فيه، وأن الأمة منقلبة عنه بعد قتله أو موته، بقوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ)([3]).
فما أخبر به الله تعالى نبيه قد وقع وتحقق، فهذا رسول الله(صلى الله عليه وآله) تركه أصحابه مسجّى، وأخذوا يتنازعون على السلطة والخلافة، فقام بتغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه وصّيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام).
ثم أجمعت الأمة من بعد النبي(صلى الله عليه وآله) على خذلان وصيه وأهل بيته، الذين أوصى بهم الله تعالى بقوله: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)([4])، وأوصى بهم النبي(صلى الله عليه وآله) في مواضع متعدده، ومنها حديث الثقلين، بقوله: (إني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عز وجل وعترتي، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوّض، فانظروني بما تخلفوني فيهما)([5]).الذي يدل بمثابة من الوضوح على وجوب التمسك بالقرآن والعترة، كما يدل على ولاية أهل البيت(عليهم السلام) في الدنيا والدين على جميع الأمة، ووجوب اتباعهم، وهو حديث بلغ حد التواتر، الذي يورث القطع بصدوره على كل من اطلّع عليه من قبل المسلمين، فهو حجة ما بعدها حجة على القاصي والداني، وبالرغم من ذلك نجد الأمة قد رغبت عن ذلك، بل فعلت الأمة بعد نبيها خلاف ما أوصى به في عترته، فكأنه أوصاها بظلمهم واضطهادهم، فانتزعوا الخلافة الشرعية من وصيه علي بن أبي طالب(عليه السلام)، بل هجموا على داره وأحرقوها، وكسروا ضلع زوجته البضعة الطاهرة فاطمة الزهراء(صلوات الله عليها)، واسقطوا جنينها، وغصبوا حقها وإرثها ونحلتها وو...([6])
هذا وعلي والزهراء(عليهما السلام) يستنصرون المسلمين فلا ينصروهم، ويطرقون أبواب المدينة باباً باباً فلا يلبى لهم دعوة، حتى ماتت البنت الوحيدة لنبيهم(صلى الله عليه وآله)، قصيرة العُمر، غاضبة على الأمة، والذين ظلموها من الصحابة، فبقيَ أمير المؤمنين(عليه السلام) مع قلة قليلة من انصاره يُصارع القوم بسياسته ومداراته حفاظاً على شريعة أخيه(صلى الله عليه وآله)، الذي عزم على طمسها الحزب السقيفي وطلقاء قريش، المتمثل بمجموعة من الأصحاب، فابتدعوا في الدين البدع، وسنّوا السنن، حتى عُرفت بسنة الصحابة، واجتهادهم في قبال ما شرّع لهم نبيهم(صلى الله عليه وآله).
فسارت الأمة على هذا النهج المبتدع المباين لرسالة النبي(صلى الله عليه وآله)، حتى اتسع فكراً ومنهجاً واساساً وتمهيداً للحكومات الآتية في الازمنة اللاحقة، وهكذا حتى تفاقمت الأمور واشتدت مما خُذل إمامنا أبو محمد الحسن المجتبى(عليه السلام)، ثم اشتد أكثر فأكثر في عهد سيد الشهداء الحسين(عليه السلام)، فقام بثورته المباركة فقتل هو وأهل بيته وصحبه(عليهم السلام) بمجزرة الطف الأليمة.
وبواقعة الطف تحدد مسار جديد لمتبعي مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) تبعاً لأئمتهم (عليهم السلام)، فكان دور الأئمة (عليهم السلام) بعيداً عن دور المواجهة مع السلطان الظالم.
وفي قبال ذلك، اخذ الناس يدفعون ضريبة ما أسسه الأولون، وهم بعض الأصحاب وحزب قريش من الانحراف على جميع المستويات. ولمّا كان خذلان العامة لأئمة أهل البيت(عليهم السلام) أكثر سواداً، وسطوة الظالمين أشرس، صار الأئمة (عليهم السلام) في تضييق وحبس وتشريد وإقصاء عن مواطن رسالة جدهم المصطفى(صلى الله عليه وآله)، حتى بلغ ذروته في زمن الإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيت(عليهم السلام) وهو الإمام أبو محمد الحسن العسكري(صلوات الله عليه).
مما أدى إلى إخفاء ولده الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) عن الأنظار، فوقعت الغيبة الصغرى تمهيداً لغيبته الكبرى.
فما غيبة إمامنا المهدي(عليه السلام) الا نتيجة ظلم الظالمين، وخذلان العامة، وقلة الناصر.
هذا ولكن الله عز وجل، شاء أن يُبدل هذهِ السنة التأريخية لوليه المدّخر لدينه بسنة أخرى، وهي توفير الصاحب، وتهيئة الناصر، وادخار المخلص والخاصة له، فأعدّ له أنصاراً خاصين له بعدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر.
كما أخبر النبي(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته، ما عدا سائر الانصار من شيعته، وكان من بينهم اليماني الذي يخرج من اليمن قُبيل ظهوره، والذي يُعد من وزرائه وخاصته، الذي يجتمع تحت لوائه شيعة الإمام المنتظر (عليه السلام) من كافة البلدان الإسلامية، كما أشارت لذلك الروايات الواردة عن أهل البيت(عليهم السلام).
ولمّا كانت هذهِ الشخصية ملفته للأنظار، إذ تُعد من شخصيات دولة العدل الإلهي المستقبلية، وجدت بعض الدراسات الحديثة قد أخفقت في تشخيص مكانها ومبدأ نهضته المباركة، مع أن مبدأ نهضة اليماني وحركته المناصرة لأهل البيت (عليهم السلام) هي اليمن.
هذا ولمّا كانت أخبار أهل البيت(عليهم السلام) قد أبرزت اليماني كعلامة من علامات ظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، فمن المناسب الحديث عن العلامات ودراستها بشكل مختصر، مسلطاً الضوء على الروايات التي ذكرت اليماني، ومحاولاً البحث فيها سنداً ودلالة، عسى أن أوفق في فهم معالمها، وتقديم ما ينفع الباحثين فيها.
[1] سورة الشمس: الآية11-14.
[2] سورة الأعراف: آية 88.
[3] سورة آل عمران: آية 144.
[4] سورة الشورى: آيه23.
[5] مصادر حديث الثقلين عند العامة كثيرة جداً، وله أسانيد وطرق متعددة ولك بعض هذه المصادرمنها:- 1- مسند أحمد: ج5، ص181-182، 2- صحيح الترمذي: ج2، ص219، 3- كنز العمال: ج15، 122، 4- المستدرك على الصحيحين: ج3، ص109، 5- ينابيع المودة: 32، 6- مجمع الزوائد: ج5، ص163، 7- الخصائص: 93، 8- إحياء الميت للسيوطي: 12، 9- المناقب لابن المغازلي: 234، 10- مسند ابن الجعد: ج2، ص972، 11- تفسير ابن كثير: ج5، ص457، 12- شرح المقاصد: ج2، ص221، 13- الفائق في غريب الحديث: ج1، ص170، 14- شرح النهج لابن ابي الحديد: ج6، ص375، 15- الدر المنثور للسيوطي: ج2،ص60، 16- فردوس الاخبار: ج1،ص98، وغيرها الكثير، ومن أراد المزيد فعليه بكتاب عبقات الأنوار، للسيد حامد حسين اللكنوهي.
[6] انظر في ذلك: 1- الوافي بالوفيات: ج5: ص327، 2- ميزان الاعتدال: ج1، ص139، 3- الملل والنحل: ج1، ص59، 4- المعارف لابن قتيبة: ج3، ص59، 5- نظرية الإمامة لأحمد محمود صبحي: ص226، 6- فرائد السمطين: ج2، ص34 -35، 7- رياض الأنساب: ص78، 8- مروج الذهب: ج3، ص86، 9- شرح النهج: ج2، ص147، 10- الإمامة والسياسة لابن قتيبة: ج1، ص13، 11- المصنف لابن شيبه: ج7، ص432، وغيرها من المصادر.